سر انهيار عقارات التوسعات الشمالية بمدينة السادس من أكتوبر
في واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بقطاع التشييد والبناء في مصر، تكشف أوراق القضية رقم 20 لسنة 2026 جنايات أموال عامة عليا عن تفاصيل صادمة تتعلق بانهيار وعيوب جسيمة طالت 6 عمارات سكنية بمنطقة التوسعات الشمالية بمدينة السادس من أكتوبر، نتيجة مخالفات إنشائية جسيمة ارتُكبت خلال التنفيذ.
القضية، التي تخضع حاليًا للفحص، لا تقتصر على كونها مجرد مخالفة فنية، بل تمتد لتكشف شبكة من الإخلالات الهندسية التي كادت أن تضع حياة عشرات الأسر في خطر مباشر، إلى جانب خسائر مالية كبيرة تكبدتها الدولة.
مشروع سكني يتحول إلى ملف اتهام
تعود وقائع القضية إلى تعاقد إحدى شركات قطاع الأعمال العام، وهي شركة النصر للإسكان والتعمير، مع مهندس مدني لتنفيذ مشروع يضم 6 عمارات سكنية بالمجاورة 17 – بلوك 21 بالمنطقة التوسعية الشمالية بمدينة 6 أكتوبر.
وبحسب أوراق التحقيق، فإن المشروع الذي كان يفترض أن يمثل إضافة عمرانية جديدة، تحول تدريجيًا إلى ملف فني وأمني معقد بعد ظهور مؤشرات على وجود خلل جسيم في التنفيذ، ما استدعى تشكيل لجان فنية متخصصة لفحص حالة المباني.
“خرسانة ملوثة” ومواد خارج المواصفات
كشفت تقارير المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء عن وجود مخالفات إنشائية خطيرة، تمثلت في استخدام مواد غير مطابقة للمواصفات القياسية المعتمدة في الكود المصري.
وأوضحت التقارير أن نسب الكلوريدات والكبريتات في الخرسانة المستخدمة تجاوزت المعدلات المسموح بها بأضعاف مضاعفة، وهو ما أدى إلى تسريع عملية تآكل حديد التسليح داخل الأعمدة والأسقف.
كما رصدت الفحوصات وجود خلل في نسب خلط الخرسانة، خاصة فيما يتعلق بنسبة الأسمنت والمياه، بما أدى إلى انخفاض واضح في مقاومة الخرسانة مقارنة بالحدود التصميمية المعتمدة، وهو ما انعكس مباشرة على سلامة العناصر الإنشائية.
شروخ وتصدعات تهدد سلامة المباني
نتيجة هذه المخالفات، ظهرت شروخ عميقة وتصدعات ممتدة في عدد من عناصر المباني الست، بعضها وصل إلى العناصر الحاملة، ما دفع الجهات الهندسية المختصة إلى اعتبار الوضع الإنشائي للمشروع غير آمن.
وبناءً على هذه التقارير، أصدر جهاز مدينة السادس من أكتوبر قرارات بإزالة عدد من العمارات محل الفحص، مع إخلاء بعض الوحدات السكنية بشكل فوري حفاظًا على الأرواح.
وفي المقابل، شهدت بعض الوحدات رفضًا من السكان للإخلاء، في ظل غياب بدائل سكنية فورية، ما زاد من تعقيد المشهد الإنساني داخل الموقع.
الخسائر المالية: ملايين تتحملها الدولة
لم تقتصر تداعيات القضية على الجانب الإنشائي فقط، بل امتدت لتشمل خسائر مالية مباشرة تكبدتها الدولة ممثلة في شركة النصر للإسكان والتعمير.
وبحسب تقرير اللجنة الفنية التابعة للإدارة المركزية للكسب غير المشروع والأموال العامة، فقد بلغت قيمة الأضرار المالية ملايين الجنيهات، شملت تكاليف الإزالة وإعادة التنفيذ، إضافة إلى التعويضات التي تم صرفها للمتضررين من السكان.
وتشير التقارير إلى أن هذه الخسائر جاءت نتيجة مباشرة لعدم الالتزام بالمواصفات الفنية والتلاعب في مواد البناء المستخدمة.
تحريات الأموال العامة
أكدت تحريات الإدارة العامة لمباحث الأموال العامة أن المخالفات لم تكن مجرد أخطاء فنية أو إهمال، بل حملت شبهة “غش عمدي” في تنفيذ الأعمال الإنشائية.
وأشارت التحريات إلى أن المتهم قام باستخدام مواد أقل جودة من المتفق عليها، إلى جانب التلاعب في نسب الخلطات الخرسانية بهدف تقليل التكلفة وتحقيق أرباح غير مشروعة.
كما ربطت التحريات بين هذه المخالفات وبين تدهور الحالة الإنشائية للمباني بشكل سريع وغير طبيعي مقارنة بالعمر الافتراضي المتوقع للمشروع.
انهيار معايير الأمان الإنشائي
أكد خبراء المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء في شهاداتهم أمام جهات التحقيق أن الحالة الإنشائية للمباني لا تتوافق مع أي من اشتراطات الأمان الهندسي.
وأوضحوا أن ارتفاع نسب الأملاح داخل الخرسانة أدى إلى تسريع عمليات التآكل الداخلي لحديد التسليح، وهو ما يجعل المباني عرضة لتدهور مستمر في قدرتها على التحمل.
وشدد الخبراء على أن استمرار استخدام هذه المباني دون تدخل كان من شأنه أن يشكل خطرًا داهمًا على حياة السكان.







