رئيس التحرير
خالد مهران

مفتشو الآثار يرصدون مخالفة خطيرة داخل نطاق أثري بالجيزة

طالب متهم بالتعدي
طالب متهم بالتعدي بالبناء على أرض أثرية

في تطور جديد يعكس تشديد إجراءات الدولة في مواجهة التعديات على الأراضي الأثرية، أصدرت نيابة جنوب الجيزة الكلية قرارًا عاجلًا بضبط وإحضار طالب في العقد الثالث من العمر، متهم بالتعدي بالبناء دون ترخيص على أرض خاضعة لقانون حماية الآثار، في نطاق مركز الصف بمحافظة الجيزة، في واقعة أعادت تسليط الضوء على ملف التعديات المستمرة على الحرم الأثري بالمناطق الجنوبية من المحافظة.

وتحمل القضية رقم 2301 لسنة 2026 جنايات مركز الصف، وتأتي ضمن سلسلة من القضايا التي تتعامل معها جهات التحقيق بحسم بالغ، في ظل تنسيق متواصل بين وزارة السياحة والآثار ووزارة الداخلية، بهدف وقف أي محاولات للتأثير على المواقع التاريخية أو الإضرار بها.

قرار عاجل من النيابة وتحرك لضبط المتهم

كشفت أوراق التحقيق أن النيابة العامة، ممثلة في مكتب المستشار المحامي العام الأول لنيابات جنوب الجيزة الكلية، أصدرت قرارًا رسميًا بسرعة ضبط وإحضار المتهم الهارب، البالغ من العمر 24 عامًا، وهو طالب ومقيم بمركز الصف.

وشدد القرار على ضرورة ضبطه وإحضاره على وجه السرعة، تمهيدًا لعرضه على جهات التحقيق المختصة لمواجهته بما هو منسوب إليه من اتهامات، على أن يتم حبسه احتياطيًا على ذمة التحقيقات حال ضبطه، في ضوء خطورة الاتهامات المرتبطة بالمساس بأراضٍ خاضعة للحماية الأثرية.

وتشير التحقيقات إلى أن الواقعة لم تكن مجرد مخالفة بناء عادية، بل تعدٍ على نطاق يخضع لقانون حماية الآثار، بما يجعلها جناية مكتملة الأركان وفق التكييف القانوني المبدئي للنيابة.

بناء داخل نطاق أثري محظور

تعود تفاصيل القضية إلى ما قبل الأول من مارس 2026، حينما رصدت الأجهزة المختصة قيام المتهم بالشروع في أعمال بناء داخل نطاق حساس تابع لمركز الصف، في منطقة متاخمة لأراضٍ أثرية تخضع لإشراف المجلس الأعلى للآثار.

وأوضحت التحقيقات أن المتهم باشر أعمال إنشاء دون أي تراخيص قانونية أو تصاريح من الجهات الإدارية المختصة، وهو ما أثار شبهات فورية حول طبيعة الأرض المستخدمة، قبل أن تكشف المعاينات الأولية عن وقوع التعدي داخل نطاق محظور.

وبحسب ما ورد في تقارير الفحص، فقد شملت الأعمال الإنشائية إقامة جدار خرساني على مساحة تقدر بنحو 10 أمتار × 20 مترًا، وبعمق يقارب مترين، في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الأثرية، الأمر الذي اعتبرته جهات التحقيق مساسًا مباشرًا بحرم المنطقة الأثرية ومخالفة صريحة للقانون.

تقارير فنية وتحريات أمنية حاسمة

اعتمدت النيابة العامة في قرارها على حزمة من الأدلة الفنية والتحريات الأمنية التي أكدت وقوع التعدي ونسبته إلى المتهم.

فقد أفاد مفتش الآثار بالمجلس الأعلى للآثار موفق محمود ماهر عبد الوهاب، خلال معاينته لموقع الواقعة، بأن الأرض محل الفحص تقع في نطاق متاخم لمنطقة أثرية محمية، وأن ما تم إنشاؤه يمثل تعديًا واضحًا على اشتراطات الحماية القانونية للموقع.

كما أكد كل من علاء الدين عبد الظاهر فرغلي، مسؤول التعديات بمنطقة آثار الصف، والمهندس محمود مخيمر جاب الله، مهندس أملاك المنطقة، صحة ما ورد من ملاحظات فنية بشأن المخالفة، موضحين أن البناء المقام يخل بالوضع القانوني للطبيعة الجغرافية المحيطة بالموقع الأثري، ويشكل خطورة على الحرم الأثري.

وفي السياق ذاته، كشفت التحريات السرية التي أجراها النقيب أحمد يحيى الدالي، معاون مباحث مركز شرطة الصف، عن أن المتهم هو الفاعل الرئيسي للأعمال الإنشائية، وأنه قام بتنفيذها بصورة فردية دون الحصول على أي موافقات رسمية، في محاولة لاستغلال الموقع لصالحه الشخصي.

وأكدت التحريات أيضًا أن المتهم غادر محل إقامته عقب اكتشاف الواقعة، ما دفع النيابة إلى إصدار قرار الضبط والإحضار لضمان مثوله أمام التحقيق.

التكييف القانوني والعقوبات المنتظرة

استندت النيابة العامة في قرارها إلى أحكام القانون رقم 117 لسنة 1983 وتعديلاته بشأن حماية الآثار، لا سيما المواد المنظمة للتعدي على الأراضي والمواقع الأثرية أو القيام بأعمال بناء أو تغيير في طبيعتها دون تصريح مسبق.

ويواجه المتهم في حال ثبوت الاتهام عقوبات تصل إلى السجن المشدد، إلى جانب غرامات مالية قد تصل إلى مستويات مرتفعة، وفقًا لجسامة الضرر الواقع على الموقع الأثري، وما إذا كان التعدي قد تسبب في إتلاف أو تغيير في طبيعة الأرض الخاضعة للحماية.

وتتعامل النيابة مع هذه النوعية من القضايا باعتبارها من الجرائم التي تمس الأمن الثقافي والتراثي للدولة، وليس مجرد مخالفات بناء تقليدية، وهو ما يفسر التشدد في إجراءات الضبط والإحضار وسرعة التحرك القانوني.

تشديد على حماية التراث ومواجهة التعديات

تعكس هذه القضية توجهًا واضحًا لدى الجهات المعنية نحو تشديد الرقابة على الأراضي المحيطة بالمواقع الأثرية، خاصة في نطاق محافظة الجيزة التي تضم عددًا كبيرًا من المناطق ذات الطابع التاريخي والحضاري.

وتؤكد مصادر قانونية أن هناك تنسيقًا مستمرًا بين أجهزة وزارة الداخلية ووزارة السياحة والآثار لرصد أي تعديات في مهدها، والتعامل معها بشكل فوري قبل أن تتحول إلى واقع يصعب إزالته.

ويأتي ذلك في إطار سياسة عامة تستهدف حماية التراث القومي من أي محاولات تشويه أو تعدٍ، سواء عبر البناء غير القانوني أو التعديلات غير المصرح بها.

رسالة ردع قانونية واضحة

تُعد هذه الواقعة، حسب مراقبين، رسالة قانونية واضحة لكل من يحاول استغلال الأراضي المحيطة بالمواقع الأثرية دون سند قانوني، حيث باتت الجهات القضائية أكثر سرعة وحسمًا في التعامل مع مثل هذه الوقائع.

كما تعكس القضية أهمية الدور الرقابي للمفتشين الأثريين والأجهزة الأمنية في الكشف المبكر عن المخالفات، وهو ما ساهم في إحباط محاولات متعددة للتعدي على أراضٍ ذات قيمة تاريخية.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات، يبقى القرار النهائي مرهونًا بما ستسفر عنه إجراءات الضبط والمواجهة القانونية مع المتهم، وسط تأكيدات بأن الدولة لن تتهاون في أي مساس بالتراث الأثري أو الأراضي الخاضعة للحماية.

وبذلك تظل القضية مفتوحة على تطورات جديدة، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات خلال الأيام المقبلة بعد ضبط المتهم الهارب وعرضه على جهات التحقيق المختصة.