رئيس التحرير
خالد مهران

بعد سنوات من القطيعة والفتور.. سيناريوهات تطبيع العلاقات المصرية السورية أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا

الرئيس السيسي وأحمد
الرئيس السيسي وأحمد الشرع

يبدو أن العلاقات المصرية السورية، على موعد مع تحولات دبلوماسية وسياسية واقتصادية كبيرة -خلال الفترة المقبلة- بعد سنوات طويلة من الفتور في العلاقات الثنائية بين البلدين بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع على رأس السلطة في سوريا.

وتظهر الرغبة في إعادة تموضع العلاقات المصرية السورية جلية، في ظل مشهد إقليمي معقد، بزيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني للقاهرة، مطلع شهر مايو الجاري، بعد أيام من لقاء الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش قمة قبرص.

ورغم حرص الدبلوماسية المصرية في التعامل بشكل حذر مع الوضع السوري منذ سقوط نظام الأسد، إلا أن الأسابيع القليلة الماضية، شهدت انفتاحا هو الأول من نوعه بين الجانبين، ففي مطلع العام الجاري، زار وفد من رجال الأعمال المصريين دمشق والتقوا بالرئيس السوري أحمد الشرع، الذي أكد على أن عودة العلاقات المصرية السورية «ليست ترفًا بل واجبًا».

وقتها قال «الشرع» إن التكامل السوري المصري، عبر التاريخ، كان أساسيًا لاستقرار المنطقة، اقتصاديًا وأمنيًا واستراتيجيًا.

أرضية مشتركة

ورغم الاختلافات الجوهرية بين النظام المصري ونظيره السوري، إلا أن الجانبان وجدا أرضية مشتركة يمكن البناء عليها سياسيا واقتصاديا وأمنيًا.

وبحسب مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى، يتفق الجانب المصري مع نظيره السوري، فيما يتعلق بالموقف من إسرائيل والانتهاكات التي يمارسها جيش الاحتلال في الأراضي السورية، ورفض التواجد في الجولان والاتفاق على ضرورة الانسحاب من الأراضي السورية وإنهاء الاحتلال للجولان والالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

كما يتفق الجانبان على وجود فرصة ذهبية لإشراك مصر في إعادة إعمار سوريا، ورغبة دمشق في الاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مجالات البنية التحتية والطرق وكذلك ملف الطاقة.

مفتاح التقارب

وفي هذا الصدد، يرى الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الملف الاقتصادي يمكنه أن يكون مفتاح حقيقي للتقارب المصري السوري وإحداث تحول كبير في العلاقات الثنائية بين البلدين في الملفات الإقليمية.

وأكد «فهمي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني للقاهرة، تعني أن التقارب الاقتصادي يتحول بشكل كبير إلى مقاربة سياسية شاملة لعودة العلاقات المصرية السورية لطبيعتها لا سيما وأن العلاقات بين الشعبين تاريخية.

وأوضح أستاذ العلوم السياسية، أن ثقل مصر في المنطقة يمكنه أن يكون ركيزة أساسية لاستعادة سوريا دورها الإقليمي في المنطقة.

وأشار إلى أن العلاقات المصرية السورية قائمة على المصالح المشتركة، لا سيما مع وجود فرص اقتصادية حقيقية في مجالات إعادة الإعمار والطاقة.

كسر العزلة العربية

من جانبه، يرى الدكتور بسام أبو عبدالله، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة دمشق، أن زيارة أسعد الشيباني إلى القاهرة تأتي في سياق مختلف جذريا عن أي زيارات سورية سابقة، لأنها تتم بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، ووصول أحمد الشرع إلى السلطة في دمشق.

وأضاف «أبو عبدالله» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن القاهرة لا تتعامل اليوم مع «الدولة السورية» بالمعنى التقليدي فقط، بل مع سلطة جديدة، ومؤقتة ذات خلفية إسلامية ـ جهادية سابقة، وهذا يفسر الحذر المصري الواضح.

وأوضح أن الزيارة تعكس محاولة من السلطة الجديدة في دمشق لكسر العزلة العربية، والحصول على اعتراف سياسي تدريجي من الدول العربية المركزية، وفي مقدمتها مصر، معقبا: «أما بالنسبة للقاهرة، فالزيارة لا تعني ثقة كاملة بالنظام الجديد، بل تعكس رغبة مصرية في فتح قنوات اتصال مباشرة لتقييم طبيعة السلطة الجديدة، وضبط أي تهديدات محتملة للأمن القومي المصري».

واستكمل: «يمكن القول إن الزيارة تمثل بداية مرحلة جديدة فعلا لكن ليس بمعنى الدفء الكامل أو التحالف، بل بمعنى الانتقال من القطيعة والحذر إلى التواصل المشروط والمراقبة السياسية والأمنية الدقيقة».

وأشار إلى أنه حتى الآن، لا يوجد تقارب استراتيجي عميق بين القاهرة والسلطة الجديدة في دمشق، بل هناك تقاطع مصالح محدود ومؤقت في بعض الملفات.

وحول الملفات المتفق عليها بين الجانبات، قال «أبوعبدالله» إن أبرز هذه الملفات ما يتعلق بالحفاظ على وحدة الدولة السورية ومنع الانهيار الكامل أو التقسيم، لأن مصر ترى أن تفكك سوريا سيخلق موجة فوضى إقليمية خطيرة قد تمتد إلى دول عربية أخرى، كما توجد مصلحة مشتركة في منع تمدد تنظيمات مثل «داعش» أو تحول سوريا إلى ساحة مفتوحة للفوضى المسلحة.

وتابع: «لكن في المقابل، هناك تناقض أساسي، فالسلطة الجديدة في دمشق تضم شخصيات ذات خلفيات إسلامية وجهادية، وبعضها مرتبط سابقا بتنظيمات مصنفة إرهابية لدى القاهرة، وهذا يجعل أي تقارب مصري مشروطا للغاية».

وأضاف أستاذ العلوم السياسية: «صحيح أن التحولات الإقليمية لعبت دورا مهما في دفع القاهرة إلى الانفتاح الحذر، فعدد من الدول العربية بات يتعامل مع الواقع السوري الجديد باعتباره أمرًا واقعًا لا يمكن تجاهله، ولذلك تحاول العواصم العربية “احتواء” السلطة الجديدة بدل ترك سوريا بالكامل تحت نفوذ قوى إقليمية غير عربية مثل تركيا أو غيرها.

الدكتور طارق فهمي

ملفات عالقة وتحفظات

وعن الخلافات في الرؤى بين الجانبين المصري والسوري والتي عطلت التقارب لسنوات، أوضح «أبوعبدالله»، أن الخلافات اليوم ليست فقط خلافات سياسية تقليدية، بل خلافات تتعلق بطبيعة النظام الجديد نفسه في دمشق، والذي لم ينل بعد شرعية دستورية سورية  وهي الأهم، متابعًا: «مصر تنظر بقلق حقيقي إلى صعود تيارات إسلامية وجهادية إلى السلطة في سوريا، خاصة أن القاهرة خاضت منذ عام 2013 مواجهة مفتوحة مع جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المتطرفة، وتعتبر أن وصول شخصيات ذات خلفيات جهادية إلى مواقع الحكم يشكل تهديدا محتملا للأمن الإقليمي».

واستكمل: «الملف الأكثر حساسية بالنسبة لمصر هو وجود عناصر مصرية إرهابية مطلوبة للقضاء المصري داخل سوريا، وبعضهم حصل على مواقع عسكرية أو أمنية ضمن السلطة الجديدة، هذه القضية تثير انزعاجا بالغا داخل المؤسسات المصرية، لأن القاهرة تعتبر أن منح هذه الشخصيات شرعية أو نفوذا يمثل رسالة سلبية تجاه الأمن القومي المصري».

ولفت إلى أن هناك تخوف مصري من أن تتحول سوريا إلى منصة جديدة لنشاط جماعات الإسلام السياسي أو إلى بيئة حاضنة لعناصر متشددة قد تؤثر على الأمن العربي عموما، وليس المصري فقط، مضيفا: «في المقابل، تنظر السلطة الجديدة المؤقتة  في دمشق إلى مصر باعتبارها دولة عربية مركزية، لكنها تدرك أيضا أن القاهرة ليست مستعدة لمنح شرعية مجانية أو غير مشروطة للنظام الجديد، لذلك، العلاقة ما تزال محكومة بالحذر المتبادل وعدم الثقة الكاملة».

وأكد الدكتور بسام أبو عبدالله، أن حدود التقارب بين مصر وسوريا ستبقى محدودة ومحكومة بالبراجماتية الأمنية أكثر من أي شيء آخر، موضحا أن القاهرة قد تستمر في فتح قنوات التواصل مع دمشق لتجنب القطيعة الكاملة، ولضمان وجود دور مصري داخل الملف السوري، لكنها على الأرجح لن تذهب بعيدا في بناء تحالف سياسي عميق ما دامت بنية السلطة الجديدة تضم شخصيات وتيارات تثير القلق الأمني المصري.

واستطرد: «بمعنى آخر، مصر قد تقبل بالتعامل مع الأمر الواقع السوري، لكنها لن تمنح بسهولة ثقة كاملة لسلطة ذات جذور جهادية سابقة، إلا إذا قدمت الأخيرة خطوات واضحة تتعلق بضبط الجماعات المتشددة، ومنع استخدام الأراضي السورية ضد الدول العربية، وإعادة بناء مؤسسات دولة تقليدية بعيدة عن الطابع العقائدي أو الفصائلي».

وأضاف: «لذلك، المرحلة المقبلة قد تشهد تنسيقا سياسيا وأمنيا محدودا، بما في ذلك ملف تسليم الإرهابيين المصريين المدانين في القضاء المصري، لكن مع استمرار الشكوك المصرية العميقة تجاه طبيعة المشروع السياسي الجديد في دمشق».

وبشأن دلالة إعادة اسم الفريق عبد المنعم رياض إلى أحد شوارع مدينة حمص، قال الدكتور بسام أبو عبدالله، إن القرار السابق بإلغاء تسمية أحد شوارع حمص الرئيسية  المعروف باسم الفريق عبد المنعم رياض، أثار ردود فعل داخل سورية، وفي مصر، مشيرا إلى أن السلطة المؤقتة الحالية قامت بحملة واسعة لمحو الذاكرة الوطنية السورية، والعربية بما في ذلك أسماء شعراء، وأدباء، وعلماء سوريين، ومناسبات مثل ذكرى حرب أكتوبر، ولذلك فإن إعادة اسم الفريق عبد المنعم رياض إلى أحد شوارع حمص، وليس إلى الشارع الذي كان على اسمه هي حركة مجاملة مكشوفة تمت قبل زيارة الشيباني للقاهرة، وليست نابعة عن قناعة حقيقية.

وأضاف: «السلطة الجديدة المؤقتة في دمشق تدرك أن صورتها في العالم العربي، وخاصة في مصر، ما تزال مرتبطة بخلفيات جهادية وإسلامية تثير مخاوف واسعة، ولذلك تحاول إرسال إشارات سياسية بأنها ليست في حالة عداء مع الهوية القومية العربية التقليدية، ويمكن فهم الخطوة كمحاولة لطمأنة القاهرة، وتوجيه رسالة بأن السلطة الجديدة تريد بناء علاقة مع الدولة المصرية، وليس مع تيارات الإسلام السياسي فقط».

ورغم رمزية هذه الخطوة، إلا أنه حسب «أبو عبدالله» ستتعامل القاهرة معها باعتبارها رسالة سياسية إيجابية محدودة، لا باعتبارها تحولا جذريا، لأن الحسابات المصرية تُبنى أساسا على الوقائع الأمنية والسياسية، لا على الرموز وحدها.

الدكتور بسام أبو عبدالله