رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب: القاهرة وبكين.. رهان الاستقرار في زمن العواصف

محمد مازن
محمد مازن

في عالم تتبدل فيه التحالفات بسرعة، تبدو العلاقة بين مصر والصين واحدة من أكثر العلاقات الدولية ثباتا وتدرجا في البناء. فمنذ أن اتخذت القاهرة قرارها التاريخي عام 1956 بالاعتراف بـ«الصين الجديدة» كأول دولة عربية وإفريقية تقدم على هذه الخطوة، بدأت رحلة طويلة من التقارب السياسي والتعاون الاقتصادي والثقافي بين أقدم حضارتين عرفهما التاريخ.
واليوم، وبعد سبعين عاما من العلاقات الدبلوماسية، لم تعد الشراكة المصرية الصينية مجرد علاقة تقليدية بين دولتين، بل تحولت إلى نموذج متكامل للتعاون الاستراتيجي بين دول الجنوب، يقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة والسعي إلى نظام دولي أكثر توازنا.
لقد ارتبطت العلاقة منذ بدايتها بتقارب سياسي واضح، خاصة في قضايا التحرر الوطني ورفض الهيمنة الخارجية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. رأت الصين في مصر بوابة رئيسية إلى العالم العربي وإفريقيا، بينما نظرت القاهرة إلى بكين باعتبارها قوة دولية صاعدة يمكن التعاون معها لبناء توازنات أكثر استقلالا في النظام الدولي.
ومع مرور العقود، انتقلت العلاقة تدريجيا من مرحلة التضامن السياسي إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، لا سيما بعد إعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2014 بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس شي جين بينغ. وأسهمت اللقاءات المتكررة بين قيادتي البلدين في ترسيخ مستوى مرتفع من الثقة السياسية، وتوسيع التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية، سواء عبر التعاون الثنائي أو من خلال أطر متعددة مثل «بريكس» والمنتدى الصيني العربي ومنتدى التعاون الصيني الإفريقي.
وانعكس هذا التقارب السياسي بوضوح على الجانب الاقتصادي، حيث رسخت الصين مكانتها كأكبر شريك تجاري لمصر على مدار ثلاثة عشر عامًا متتالية، مع نمو متسارع في حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة. كما لعبت الشركات الصينية دورا بارزا في تنفيذ عدد من المشروعات الكبرى داخل مصر، من بينها المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (تيدا) وحيي المال والأعمال بالعاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين الجديدة، إضافة إلى مشروعات في الطاقة المتجددة والنقل الحديث.
وتبرز منطقة تيدا بالسويس كنموذج مهم لهذا التعاون، بعدما تحولت إلى مركز صناعي يستقطب نحو ٢٠٠ من الشركات الصينية في مجالات متنوعة، ويسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع المحلي وتوفير فرص العمل. وفي السنوات الأخيرة، بدأت الشراكة الاقتصادية تتجه نحو مجالات أكثر تطورا، تشمل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وصناعة السيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، في إطار سعي القاهرة إلى جذب استثمارات صناعية ذات قيمة مضافة تدعم الإنتاج والتصدير، وزادت صادرات مصر إلى الصين.
كما أضاف البعد متعدد الأطراف زخما جديدا للعلاقة، خاصة بعد انضمام مصر إلى تجمع بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما فتح المجال أمام تعاون أوسع في الملفات الاقتصادية والمالية والتنموية، وعكس رغبة مشتركة في تعزيز حضور دول الجنوب داخل الاقتصاد العالمي.
ورغم أهمية المصالح الاقتصادية، فإن العلاقة بين مصر والصين تحمل أيضا بعدا حضاريا وثقافيا عميقا. فالتقارب بين البلدين لم يستند فقط إلى المصالح، بل إلى إرث حضاري يمتد لآلاف السنين، ما منح العلاقة طابعا إنسانيا وثقافيا خاصا.
وقد شهدت السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في التبادل الثقافي والتعليمي، من خلال انتشار معاهد كونفوشيوس في الجامعات المصرية، وزيادة برامج المنح الدراسية والتدريب وتبادل الخبرات، فضلا عن تنظيم المعارض الأثرية وتنامي التعاون الإعلامي والثقافي بين المؤسسات المصرية والصينية. وقد شهدت القاهرة الأسبوع الماضي انعقاد مؤتمر الشركاء الصينيين والعرب لمنتدى الجنوب العالمي لوسائل الإعلام ومراكز الفكر، في خطوة تعكس تنامي التعاون البحثي والإعلامي بين الجانبين.
وبرز كذلك الاهتمام المتزايد بالسياحة والتبادل الشعبي، مع زيادة الرحلات الجوية المباشرة وزيادة التسهيلات، ما عزز الحضور الصيني داخل المقاصد السياحية المصرية. وتشير التقديرات إلى أن نحو 360 ألف سائح صيني زاروا مصر خلال عام 2025، فيما تستهدف القاهرة جذب ثلاثة ملايين سائح صيني بحلول عام 2028.
ومنذ بداية عام 2026، الذي يوافق الذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، شهدت القاهرة وبكين سلسلة من الفعاليات الثقافية والفنية احتفاء بهذه المناسبة، من بينها معارض وفعاليات نظمتها سواء السفارة المصرية في الصين أو السفارة الصينية في مصر. ومن المقرر أن تعقد السفارة المصرية بالصين يوم ٢٩ المقبل احتفاليتها بذكرى تأسيس العلاقات، في رسائل تعكس عمق الروابط الحضارية بين الشعبين.
ومع التحولات الدولية المتسارعة، تبدو القاهرة وبكين أكثر حرصا على توسيع مجالات التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي، خاصة في ملفات التنمية والتكنولوجيا والطاقة والأمن الغذائي. وقد جاءت الزيارات واللقاءات والاتصالات بين مسؤولي البلدين على مختلف الصعد لتؤكد استمرار الزخم السياسي والاقتصادي للعلاقة، مع التركيز على مجالات التنمية الخضراء، وتوطين الصناعة، والتكنولوجيا الحديثة، والرعاية الصحية، والذكاء الاصطناعي، ومبادلة الديون.
ومنذ اندلاع الأزمات الأخيرة في الشرق الاوسط،  واصل وزير خارجية مصر بدر عبد العاطي ووزير خارجية الصين وانغ لي تنسيق مواقفهما تجاه القضايا الإقليمية والدولية، خاصة ما يتعلق بدعم الحلول السياسية والدبلوماسية للنزاعات في الشرق الأوسط، بما يعكس تقاربا متزايدا في الرؤى بشأن أهمية الاستقرار والتنمية واحترام سيادة الدول.
وفي ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة التي يشهدها العالم، لم يعد الحفاظ على نمط العلاقات التقليدية كافيا. فتحويل الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وبكين إلى مظلة استقرار اقتصادي وإقليمي يتطلب تنسيقا أعمق يتجاوز حدود التعاون الثنائي إلى شراكة أكثر شمولا في إدارة الأزمات وتعزيز الدبلوماسية الوقائية.
وفي هذا الإطار، تبدو الحاجة ملحة إلى تعزيز التنسيق داخل المحافل الدولية، مثل مجلس الأمن وتجمع بريكس، لدعم الحلول السياسية الشاملة لأزمات الشرق الأوسط، بعيدًا عن سياسات التدخل الخارجي وفرض الإملاءات. فالصين بثقلها الدولي، ومصر بدورها التاريخي وموقعها المحوري، قادرتان معًا على الإسهام في طرح مبادرات تهدئة وحلول تدعم الاستقرار وتحفظ سيادة الدول.
كما أن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتهديدات التجارة الدولية يفرضان على البلدين تسريع وتيرة توطين الصناعات الحيوية داخل مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع التركيز على الطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الزراعية، والأمن الغذائي، بما يعزز قدرة الاقتصادين على مواجهة الصدمات الخارجية.
وفي ظل تصاعد التهديدات السيبرانية واستخدام التكنولوجيا الحديثة في النزاعات، تبرز أهمية توسيع التعاون في مجالات أمن البيانات، والذكاء الاصطناعي، وتبادل الخبرات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، بما يضمن حماية البنية التحتية الحيوية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
كذلك، تبدو الحاجة متزايدة إلى دفع جهود إصلاح النظام المالي الدولي عبر تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية ضمن إطار «بريكس»، وتقليل الاعتماد المفرط على الأدوات المالية التقليدية التي تُستخدم أحيانًا كوسائل ضغط سياسي.
بعد سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية، تبدو الشراكة المصرية الصينية اليوم أقرب إلى علاقة استراتيجية متكاملة تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة والتنمية. فالقاهرة، التي فتحت الباب مبكرا أمام بكين في العالم العربي وإفريقيا، أصبحت اليوم شريكا رئيسيا لقوة عالمية صاعدة، بينما تنظر الصين إلى مصر باعتبارها نقطة ارتكاز مهمة في الشرق الأوسط وممرا استراتيجيا ضمن مبادرة الحزام والطريق.
لم تعد العلاقة مجرد صفحة من التاريخ، بل مشروعا مستمرا لإعادة صياغة الشراكات والتوازنات في عالم يتشكل من جديد؛ مشروع يحمل في طياته فرصة لتعزيز الاستقرار والتنمية في منطقة عانت طويلا من الاضطرابات.