رئيس التحرير
خالد مهران

«العصير القاتل».. كيف خطط شابان لإنهاء حياة سائق بالمقطم وسرقة سيارته

المجني عليه
المجني عليه

كشفت تحقيقات نيابة شرق القاهرة الكلية عن واحدة من أبشع جرائم القتل العمد المقترنة بالسرقة، بعدما أقدم شابان على استدراج سائق إلى منطقة جبلية نائية بالمقطم، ودسا له عقارًا قاتلًا داخل عبوة عصير، ثم ألقياه من أعلى منحدر صخري بعدما تأكدا من فقدانه القدرة على المقاومة، قبل أن يستوليا على السيارة التي يعمل عليها وهاتفه المحمول ومتعلقاته الشخصية.

القضية التي بدأت ببلاغ تغيب، انتهت بكشف مخطط إجرامي محكم اعتمد على الخداع والتسميم وإخفاء معالم الجريمة، إلا أن تحريات المباحث والأدلة الفنية والرقمية قادت إلى فك لغز الواقعة بالكامل، وكشفت تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة المجني عليه عادل السيد رمضان السيد، البالغ من العمر 40 عامًا.

بلاغ تغيب يقود لكشف الجريمة

بدأت خيوط القضية عندما تقدمت شيرين خليفة السيد محمد، زوجة المجني عليه، ببلاغ إلى أجهزة الأمن يفيد بتغيب زوجها عن المنزل في ظروف غامضة، مؤكدة أنه خرج للعمل على سيارة أجرة مملوكة لشخص يدعى عابد عبدالتواب عبد الحميد بريقع، ولم يعد مرة أخرى.

وخلال البلاغ، أشارت الزوجة إلى شكوكها في تورط اثنين من معارف زوجها في اختفائه، بعدما علمت باستدراجه إلى منطقة نائية بالمقطم، قبل انقطاع الاتصال به تمامًا.

تحريات المباحث تكشف المخطط

وعلى الفور، أجرى العميد أحمد يحيى محمود، مفتش مباحث فرقة شرق القاهرة، تحريات موسعة باستخدام التقنيات الفنية الحديثة، وتتبع خطوط الهواتف المحمولة، إلى جانب تفريغ كاميرات المراقبة، ليتوصل إلى أن المجني عليه تعرض للقتل على يد المتهمين أحمد تامر ناجي لطفي، الشهير بـ«أحمد زانوسي» 19 سنة، ومحمد شعبان خطاب 19 سنة، بدافع السرقة.

وأكدت التحريات أن المتهمين اتفقا قبل الواقعة بأيام على التخلص من المجني عليه والاستيلاء على السيارة الأجرة التي يعمل عليها، مستغلين علاقة الصداقة التي تربطهما به واعتيادهما الجلوس معه وتعاطي المواد المخدرة.

شراء العقار القاتل من صيدلية بالمطرية

وكشفت التحقيقات أن المتهم الثاني توجه ليلة الواقعة إلى صيدلية الدكتور أحمد تحسين بمنطقة المطرية، واشترى شريطًا من عقار «كلوزابيكس 100»، الذي يحتوي على مادة «الكلوزابين»، وهي مادة تؤثر بشكل مباشر على الجهاز العصبي وقد تتسبب في الوفاة عند تناول جرعات كبيرة منها.

وأكدت سارة عبدالعاطي إبراهيم، مساعدة الصيدلي، أنها شاهدت المتهم أثناء شراء العقار، مضيفة أنه أجرى اتصالًا هاتفيًا خلال وجوده داخل الصيدلية للاستفسار عن قوة وفعالية الدواء.

ولم تتوقف الأدلة عند الشهادة فقط، إذ أثبت فحص نظام البيع الإلكتروني بالصيدلية وجود عملية شراء للعقار بذات رقم التسلسل المرجعي والباركود الخاص بالشريط الذي عُثر على غلافه الفارغ لاحقًا بمسرح الجريمة.

كما أظهرت كاميرات المراقبة بالصيدلية دخول المتهم الثاني وإتمامه عملية الشراء، وهو ما أقر به لاحقًا خلال التحقيقات.

«كوكتيل الموت» داخل علبة عصير

حسب اعترافات المتهمين، فقد التقيا بالمجني عليه في منطقة السلام، واستقلا السيارة الأجرة برفقته، وأوهماه برغبتهما في الذهاب إلى منطقة الهضبة الوسطى بالمقطم لتعاطي المواد المخدرة بعيدًا عن أعين الناس.

وفي الطريق، توقفوا أمام أحد الأكشاك بمنطقة هدى شعراوي بالمقطم، حيث اشترى المتهم الأول علبة عصير «كوكتيل» بحجم لتر، بينما كان المجني عليه منشغلًا بشراء بعض المنتجات الأخرى، من بينها علبة مناديل ورقية.

وخلال تلك اللحظات، استغل المتهمان انشغال الضحية، وقاما بطحن ثمانية أقراص من عقار «كلوزابيكس» بواسطة صخرة، ثم دسّا المسحوق داخل العصير.

ورصدت كاميرات المراقبة المثبتة بالكشك والمتاجر المجاورة لحظة تسلم المتهمين لعبوة العصير وتحركاتهما حول السيارة، كما وثقت لحظة خلط العقار بالعصير داخل المركبة.

واعترف المتهمان خلال التحقيقات بأنهما قدما العصير للمجني عليه داخل كوب زجاجي أثناء جلوسهم بالسيارة، ثم أعقباه بلفافة تبغية تحتوي على مخدر الحشيش لتسريع تأثير المادة السامة.

لحظات الموت فوق الهضبة

مع مرور الوقت، بدأت آثار العقار تظهر على المجني عليه، حيث سقط أرضًا وبدأت السوائل تخرج من فمه، وظهرت على وجهه علامات الإعياء الشديد وابيضاض العينين.

واعترف المتهم الأول أمام النيابة بأنهما انتظرا حتى فقد المجني عليه القدرة على المقاومة تمامًا، ثم حملاه من ذراعيه وقدميه وألقياه من أعلى منحدر جبلي صخري بمنطقة الهضبة الوسطى بالمقطم.

وأوضح أن الهدف من إلقائه من أعلى الجبل كان إظهار الواقعة وكأنها حادث سقوط عرضي نتيجة تعاطي المواد المخدرة واختلال التوازن، لضمان إبعاد الشبهات عنهما.

العثور على الجثمان في حالة تعفن

وبإرشاد المتهمين، انتقلت النيابة العامة إلى مكان الجثمان، حيث عُثر عليه بين الصخور بمنطقة جبلية وعرة بدائرة قسم المقطم، في حالة تعفن، ويرتدي ذات الملابس التي وصفتها زوجته في بلاغ التغيب.

كما عثرت النيابة بمسرح الجريمة على فارغ شريط عقار «كلوزابيكس 100»، ولفافة تبغية ملفوفة يدويًا تحتوي على مخدر الحشيش، إلى جانب مناديل ورقية استخدمها المجني عليه قبل وفاته.

أدلة رقمية وفنية حاسمة

التحقيقات كشفت أن القضية لم تعتمد فقط على الاعترافات، بل دعمتها النيابة العامة بأدلة رقمية وفنية متكاملة.

فقد أظهرت سجلات شركات الاتصالات وجود اتصالات متبادلة بين المتهمين أثناء شراء العقار، كما حددت أبراج المحمول أماكن تواجدهما مع المجني عليه بدءًا من منطقة السلام وحتى الهضبة الوسطى بالمقطم وقت تنفيذ الجريمة.

وثبت من التحريات الفنية أن المتهمين انتقلا عقب ارتكاب الواقعة إلى منطقة مصر القديمة باستخدام السيارة المسروقة، حيث التقيا بالمتهم الثالث للتصرف في الهاتف المحمول الخاص بالمجني عليه.

بيع الهاتف بثمن بخس

وكشفت التحقيقات أن المتهمين باعا الهاتف المحمول للمجني عليه إلى المتهم السادس، أحمد حمودة محمد الشهير بـ«بالوظة»، مقابل ألف جنيه فقط، رغم علمه بأنه من متحصلات جريمة سرقة.

كما أخفى المتهمان السيارة الأجرة داخل أحد الجراجات بمنطقة مصر القديمة تمهيدًا لبيعها لاحقًا.

الطب الشرعي يحسم سبب الوفاة

وحسم تقرير الصفة التشريحية الجدل حول سبب الوفاة، بعدما أثبت وجود مادة «الكلوزابين» داخل أحشاء المجني عليه، مؤكدًا أن الوفاة نتجت عن تسمم حاد أدى إلى هبوط حاد بالدورة الدموية والتنفسية.

وأكد التقرير أن الواقعة جائزة الحدوث وفق التصوير الذي أدلى به المتهمان خلال التحقيقات.

كما أثبت تقرير الإدارة المركزية للمعامل الكيميائية وجود آثار مادة «الكلوزابين» على الكوب الزجاجي المضبوط داخل السيارة، وكذلك على غلاف الشريط الدوائي الفارغ الذي عُثر عليه بمسرح الجريمة.

البصمة الوراثية تفضح المتهمين

ولم تتوقف الأدلة عند هذا الحد، إذ أثبت تقرير البصمة الوراثية أن اللفافة التبغية المضبوطة تحمل البصمة الوراثية للمتهم الأول أحمد زانوسي والمجني عليه، بينما ظهر على الكوب الزجاجي المستخدم في تقديم العصير آثار وراثية تخص المتهم الثاني والمجني عليه.

ووصفت جهات التحقيق تلك الأدلة بأنها حلقة متكاملة تؤكد التخطيط المسبق والتنفيذ العمدي للجريمة.

محاكاة تصويرية توثق تفاصيل الجريمة

وخلال التحقيقات، أجرى المتهمان محاكاة تصويرية تفصيلية لكيفية ارتكابهما الواقعة، وتم تصويرها في مقطع مرئي وثق لحظة استدراج المجني عليه وطحن الأقراص وخلطها بالعصير ثم إلقائه من أعلى المنحدر.

واعترف المتهمان تفصيلًا بجميع مراحل الجريمة، مؤكدين أن الدافع الأساسي وراء ارتكابها كان السرقة والحصول على الأموال.

اتهامات ثقيلة تنتظر المتهمين

وأسندت النيابة العامة للمتهمين تهم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، المقترن بجنايتي الخطف والسرقة، وحيازة مواد مخدرة بقصد التعاطي، فيما وُجه للمتهم الثالث تهمة إخفاء متحصلات جريمة مع علمه بذلك.

وتواصل جهات التحقيق استكمال الإجراءات القانونية تمهيدًا لإحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات المختصة لمحاكمتهم فيما نُسب إليهم من اتهامات.