قضية تهز محافظة القاهرة.. اتهامات بالتربح والتزوير في تسوية أرض بحلوان
كشفت تحقيقات نيابة الأموال العامة العليا في القضية رقم 223 لسنة 2026، والمقيدة برقم 4 لسنة 2026 كلي وسط القاهرة، تفاصيل قضية تتعلق بمحاولة إعادة التعامل على قطعة أرض مملوكة للدولة بمنطقة العزبة القبلية بحلوان لصالح الشركة الدولية للمشروعات الهندسية والبترولية «إنبريجيت»، في ظل اتهامات بارتكاب مخالفات مالية وإدارية وتزوير محررات رسمية ترتب عليها تقليل القيمة المالية المستحقة للدولة بملايين الجنيهات.
وبحسب التحقيقات، تعود بداية الواقعة إلى ما يقرب من ثلاثين عامًا، عندما تقدمت الشركة بطلب لتخصيص قطعة أرض فضاء كائنة في 11 شارع الترام بالعزبة القبلية بحلوان بمساحة تجاوزت 32 ألف متر مربع لاستخدامها في نشاط صناعي، ووافقت الجهات المختصة بمحافظة القاهرة حينها على تخصيص الأرض، وحدد سعر المتر بنحو 75 جنيهًا، كما سددت الشركة جزءًا من المستحقات المالية على دفعات قبل أن تتوقف لاحقًا عن السداد.
تغيير النشاط وارتفاع القيمة
ومع إعادة تخطيط منطقة حلوان، أوصت لجان التخطيط العمراني بتغيير استخدام الأرض من صناعي إلى سكني متكامل الخدمات لوقوعها بالقرب من مناطق سكنية قائمة، وهو ما ترتب عليه ارتفاع القيمة السوقية للأرض بصورة كبيرة.
وتبين من التحقيقات أن الشركة لم تلتزم بسداد المديونيات المستحقة عليها، ما دفع محافظة القاهرة إلى اتخاذ إجراءات متتالية تضمنت توقيع الحجز الإداري على أموال الشركة، وصدور قرارات بسحب الأرض واستردادها، إلى جانب تنفيذ إزالة التعديات المقامة عليها.
معاينات رسمية تكشف حقيقة الأرض
وأكدت المعاينات التي أجراها حي حلوان وجهاز حماية أملاك الدولة أن الأرض كانت فضاء ومحاطة بسور من الطوب، وبداخلها بعض المخلفات وغرفة مهجورة غير مستغلة، كما تم التحفظ عليها تمهيدًا لإعادة طرحها ضمن أملاك الدولة.
وفي إطار ذلك، طرحت المحافظة الأرض ضمن مزاد علني مع عدد من قطع الأراضي الأخرى، ووصلت المزايدة إلى نحو ألف جنيه للمتر، غير أن المزاد تم إلغاؤه لعدم الوصول إلى السعر التقديري المحدد من الجهات المختصة والبالغ خمسة آلاف جنيه للمتر.
تشكيل لجان لإعادة التعامل
وبعد ذلك، أصدر محافظ القاهرة قرارات بتشكيل لجان فنية ومالية وقانونية للنظر في طلبات التوازن المالي وإعادة التعامل مع الأراضي التي تواجه مشكلات مع إدارة الأملاك أو الصادر بشأنها قرارات سحب واسترداد.
وضمت اللجان ممثلين عن الإدارة العامة للأملاك والشؤون القانونية والإدارة المالية ومديرية الإسكان والمرافق والضرائب العقارية ومكتب خدمة المستثمرين، وكانت مهمتها تحديد مقابل التسوية الودية للتوازن المالي وإعادة التعامل مع تلك الحالات.
وفي تلك المرحلة، تقدمت الشركة الدولية للمشروعات الهندسية والبترولية بطلب جديد لمحافظ القاهرة لإعادة التعامل على الأرض وإنهاء النزاعات المتعلقة بها.
مذكرة مثيرة للجدل
وكشفت التحقيقات أن المتهمة الأولى، بصفتها القائمة بأعمال مدير الإدارة العامة لأملاك محافظة القاهرة وعضو لجنة التوازن المالي، قامت بعرض مذكرة على اللجنة والمحافظ تضمنت أن الشركة نفذت مشروعًا سكنيًا على الأرض بنسبة 100%، وأن قيمة التوازن المالي المستحقة تبلغ 400 جنيه للمتر، بإجمالي نحو 13 مليون جنيه.
وبحسب ما ورد في التحقيقات، فقد ترتب على تلك البيانات موافقة لجنة التوازن المالي على قبول التسوية المقدمة من الشركة وإعادة التعامل على الأرض محل النزاع.
تقارير الخبراء تنسف رواية التنفيذ
إلا أن تقارير المعاينة والخبراء أثبتت عدم صحة ما ورد بالمذكرة، حيث تبين أن الأرض كانت فضاء بالكامل، ولا توجد عليها أي أعمال إنشاء حقيقية سوى سور وبعض الغرف المتهدمة، كما لم يتبين وجود أي تراخيص بناء أو تصميمات هندسية أو أعمال حفر أو مستندات تفيد البدء في تنفيذ مشروع سكني متكامل.
وأكد خبراء مصلحة الخبراء بوزارة العدل أن قيمة التوازن المالي كان يجب احتسابها وفقًا لضوابط عدم تنفيذ المشروع، بما يعادل 800 جنيه للمتر تقريبًا، وهو ما يعني أن القيمة الحقيقية للتوازن المالي تصل إلى نحو 26 مليون جنيه، بفارق يقدر بحوالي 13 مليون جنيه عن القيمة التي تم اعتمادها.
شهادات المسؤولين أمام التحقيقات
وشهد عدد من مسؤولي محافظة القاهرة أمام جهات التحقيق بأن دور أعضاء لجنة التوازن المالي كان يتوزع بين الشؤون القانونية والإدارة المالية وإدارة الأملاك ومكتب خدمة المستثمرين، بينما يتولى رئيس اللجنة السكرتير العام للمحافظة اعتماد أعمال اللجنة وإبداء الرأي النهائي.
كما أكد مسؤولو حي حلوان وإدارة الأملاك أن المعاينات التي أجريت على الأرض أثبتت أنها أرض فضاء، وأن ما تم اعتباره تنفيذًا للمشروع لم يتجاوز سورًا وغرفًا مهجورة.
وبحسب التحقيقات، فإن بعض أعضاء اللجنة اعتمدوا على البيانات التي قدمتها المتهمة الأولى شفهيًا ومن خلال المذكرات المعروضة دون إجراء مراجعات مستقلة.
تقارير فنية وشبهات تزوير
وتوصل تقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير بمصلحة الطب الشرعي إلى أن بعض التوقيعات المنسوبة لعدد من الموظفين على المذكرات الرسمية لم تصدر عنهم، كما تبين وجود اختلافات بين المذكرة الأصلية وأخرى تم عرضها لاحقًا بعد حذف بعض الوقائع المتعلقة برفض إعادة التعامل على الأرض أو وجود نزاعات قائمة بشأنها.
كما ثبت من التحقيقات أن بعض الإجراءات الخاصة بإعادة التعامل استمرت رغم عدم صدور قرار نهائي من لجنة فض منازعات الاستثمار، وأنه تم استكمال السير في الإجراءات دون انتظار الرد النهائي من الجهات المختصة.
دور المتهم الثاني في إنهاء الإجراءات
وأوضحت التحقيقات أن المتهم الثاني، بصفته مفوضًا عن الشركة الدولية للمشروعات الهندسية والبترولية، تولى إنهاء إجراءات التعاقد والتسوية والتوقيع أمام الإدارات المختلفة داخل المحافظة، كما تبين من التحريات وجود اتفاق ومساعدة بينه وبين المتهمة الأولى في إنهاء إجراءات إعادة التعامل على الأرض.
تدخل الرقابة الإدارية قبل اكتمال الإجراءات
ورغم شروع الجهات المختصة في استكمال إجراءات تحرير العقود النهائية وإحالة الملف إلى إدارة الفتوى، فإن هيئة الرقابة الإدارية قامت بسحب الملف ضمن فحص لإجراءات إدارة الأملاك، لتكتشف المخالفات التي شابت ملف التسوية.
وعلى إثر ذلك، باشرت نيابة الأموال العامة العليا تحقيقاتها التي انتهت إلى توجيه اتهامات تتعلق بالتربح والإضرار العمدي بالمال العام والتزوير في محررات رسمية واستعمالها والاشتراك في تلك الجرائم.
قضية تعيد فتح ملف أراضي الدولة
وأعادت القضية إلى الواجهة ملف أراضي الدولة وآليات إعادة التعامل والتوازن المالي داخل محافظة القاهرة، خاصة مع الفوارق الكبيرة بين القيمة الحقيقية للأراضي والأسعار التي يتم اعتمادها في بعض التسويات، وهي الفوارق التي كادت أن تؤدي إلى ضياع ملايين الجنيهات من أموال الدولة لولا اكتشاف الواقعة قبل اكتمال إجراءات البيع النهائي.







