السوق يشتعل.. رسوم البليت تهدد بغلق مصانع الحديد وشلل تام بعمليات البيع
أعاد ملف رسوم البليت المفروضة على واردات خام الحديد إلى الواجهة حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط الصناعية والاقتصادية في مصر، وذلك في أعقاب قرارات حكومية حديثة تستهدف دعم الصناعة المحلية من خلال فرض رسوم وقائية نهائية على واردات خام البليت (الحديد نصف المصنع) بنسبة تصل إلى 13%، وفق ما نشرته الجريدة الرسمية.
وجاء هذا القرار في إطار توجه الدولة للحد من المنافسة غير العادلة الناتجة عن تدفقات الواردات، خاصة بعد تسجيل ارتفاع ملحوظ في واردات البليت خلال عام 2024 بنسبة بلغت 107% مقارنة بعام 2023، وهو ما انعكس بشكل مباشر على السوق المحلية، حيث تراجعت مبيعات المنتج المحلي بنحو 22%، بالتزامن مع انخفاض أرباح المنتجين بنسبة وصلت إلى 56%، ما يعكس حجم الضغوط التي تعرض لها القطاع خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب القرار، بدأ تطبيق الرسوم اعتبارا من شهر أبريل الجاري بنسبة 13% وبحد أدنى 70 دولارا للطن، وذلك حتى سبتمبر 2026، على أن يتم خفضها تدريجيًا على مدار ثلاث سنوات، لتصل إلى 12% بحد أدنى 64 دولارا للطن خلال الفترة من سبتمبر 2026 وحتى سبتمبر 2027، ثم إلى 11% بحد أدنى 59 دولارا للطن خلال العام الثالث الذي ينتهي في سبتمبر 2028.
إعادة التوازن
وتهدف هذه الخطة التدريجية إلى إعادة التوازن داخل السوق المحلية، بما يتيح للمصانع العمل بكفاءة أعلى وزيادة معدلات الإنتاج، إلى جانب الحفاظ على الاستثمارات القائمة في قطاع الحديد، باعتباره أحد القطاعات الاستراتيجية في الاقتصاد المصري، فضلا عن تقليل الاعتماد على الواردات تدريجيا وتعزيز التوسع في التصنيع المحلي، في إطار سياسة الدولة الرامية إلى تعميق المكون المحلي ودعم القدرات الإنتاجية للصناعة الوطنية.
وتنص المادة الأولى من القرار على خضوع واردات المنتجات نصف الجاهزة من الحديد أو الصلب (البليت)، المدرجة تحت البند الجمركي (7207)، لتدابير وقائية نهائية لمدة ثلاث سنوات تشمل فترة التدابير المؤقتة.
ورغم هذه الأهداف المعلنة، عاد ملف رسوم البليت ليثير حالة من الجدل الواسع داخل الأوساط الاقتصادية والصناعية، وذلك عقب مطالبة طارق عبدالعظيم، رئيس مجلس إدارة مجموعة المدينة للصلب، بعقد اجتماع عاجل مع رئيس الوزراء لمناقشة تداعيات هذه الرسوم، إلى جانب دعوات بتدخل رئاسي لحسم الأزمة التي تهدد استقرار سوق الحديد.
ويأتي هذا التحرك في توقيت حساس يشهد فيه السوق بالفعل تباطؤا في الطلب وارتفاعا في الأسعار، ما زاد من حدة المخاوف لدى المصنعين والمستثمرين بشأن مستقبل القطاع.
وتُعد رسوم البليت من الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات لحماية الصناعات المحلية، حيث تُفرض على واردات خام البليت المستخدم في تصنيع الحديد بهدف تقليل المنافسة مع المنتج المحلي.
إلا أن خصوصية سوق الحديد في مصر تجعل تأثير هذه الرسوم أكثر تعقيدا، نظرا لانقسام المصانع بين منتجين للبليت يعتمدون على خامات أولية، ومصانع أخرى تعتمد بشكل رئيسي على استيراد البليت وإعادة تصنيعه إلى حديد تسليح، وهو ما يجعل أي تغيير في تكلفة الاستيراد مؤثرا بشكل مباشر على شريحة واسعة من المنتجين.
وفي هذا السياق، جاءت مطالبة طارق عبدالعظيم بعقد اجتماع عاجل باعتبارها استجابة لحالة القلق المتزايد داخل القطاع، حيث أشار إلى أن استمرار العمل بهذه الرسوم دون مراجعة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، تشمل ارتفاع أسعار الحديد بشكل غير مبرر، وتراجع القدرة التنافسية لبعض المصانع، فضلا عن احتمالات خروج عدد منها من السوق، إلى جانب التأثير على قطاع التشييد والبناء الذي يُعد من أكبر المستهلكين للحديد.
وبدأت بالفعل آثار هذه الرسوم في الظهور على الأسعار داخل السوق المحلي، حيث ارتفعت تكلفة الإنتاج بالنسبة للمصانع المعتمدة على استيراد البليت، وهو ما انعكس في صورة زيادات في أسعار الحديد للمستهلك النهائي.
ومع هذه الزيادات، شهد السوق حالة من التباطؤ في الطلب، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تدفع كثيرًا من المستثمرين والأفراد إلى تأجيل مشروعات البناء، ما أدى إلى حالة من الركود النسبي وزيادة الضغوط على الشركات العاملة في القطاع.
ولا تقتصر المخاوف على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى احتمالات إغلاق بعض المصانع، خاصة الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك القدرة على امتصاص الزيادات في التكاليف.
ومع تراجع الطلب وارتفاع تكلفة الإنتاج، تجد هذه المصانع نفسها أمام معادلة صعبة بين الاستمرار بخسائر أو التوقف عن العمل، وهو ما قد يؤدي في النهاية إلى تسريح عدد من العمال، وزيادة معدلات البطالة في قطاع يعتمد عليه آلاف الأسر، فضلًا عن تقليل المنافسة داخل السوق وما قد يترتب على ذلك من ارتفاعات إضافية في الأسعار على المدى الطويل.
إنتاج البليت محليا
وفي هذا الإطار، أشار الدكتور محمود عبدالعال، خبير صناعات الحديد، إلى أن فرض رسوم على الواردات يُعد إجراء طبيعيا لحماية الصناعة الوطنية من المنافسة غير المتكافئة، خاصة إذا كانت الواردات تأتي بأسعار منخفضة نتيجة دعم أو ممارسات إغراق.
وأوضح أن هذه الرسوم قد تشجع على زيادة الاستثمارات في إنتاج البليت محليا، ما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد على المدى الطويل ويعزز من قدرة القطاع على تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي.
نتائج سلبية
لكن في الاتجاه المقابل، حذر الخبير الاقتصادي السيد خضر من أن تطبيق هذه الرسوم في التوقيت الحالي قد يؤدي إلى نتائج سلبية تفوق المكاسب المتوقعة، مؤكدًا أن السوق لا يزال يعاني من ضعف في الطلب، وأن أي زيادة في تكلفة الإنتاج ستنعكس مباشرة على الأسعار، ما يزيد من حالة الركود.
وأضاف أن المصانع التي تعتمد على استيراد البليت تمثل جزءا مهما من المنظومة الإنتاجية، وأن الضغط عليها قد يؤدي إلى اختلال التوازن داخل السوق بدلا من تحقيق الحماية المرجوة.
وأشار «خضر» إلى أن السياسات الاقتصادية الفعالة يجب أن تراعي التوازن بين حماية المنتج المحلي والحفاظ على استقرار السوق، موضحا أن فرض رسوم مرتفعة دون توفير بدائل مناسبة قد يؤدي إلى تقليص حجم الإنتاج الإجمالي، وهو ما يتعارض مع أهداف التنمية الصناعية.
ويرى الخبير الاقتصادي، أن دعم المصانع المتضررة أو تقديم حوافز مباشرة لها قد يكون خيارًا أكثر فاعلية من الاعتماد فقط على القيود الجمركية.



