رئيس التحرير
خالد مهران

على هيئة خصومات.. لغز «تبخر» 2.25 مليار جنيه من أموال مستفيدى برنامج «تكافل وكرامة»

صورة -أرشيفية
صورة -أرشيفية

في ظل اعتماد ملايين الأسر المصرية على برامج الحماية الاجتماعية كوسيلة أساسية لمواجهة أعباء الحياة اليومية، يبرز برنامج «تكافل وكرامة» كأحد أهم أدوات الدعم النقدي التي تستهدف الفئات الأكثر احتياجًا، من كبار السن، والأرامل، والأسر محدودة الدخل.

هذا البرنامج، الذي يمثل شريان حياة لقطاع واسع من المواطنين، بات اليوم في قلب تساؤلات حادة، بعدما تحولت بعض ممارساته – وفق شكاوى متزايدة – إلى عبء إضافي على نفس الفئات التي أُنشئ لدعمها.

فعلى مدار الأشهر الأخيرة، تصاعدت شكاوى المستفيدين بشأن وجود خصومات شهرية يتم استقطاعها من بطاقات الدعم دون تفسير واضح أو إعلان رسمي يوضح أسبابها أو آليات احتسابها.

هذه الخصومات، التي قد تبدو محدودة في ظاهرها، تتحول عند جمعها إلى أرقام ضخمة تثير علامات استفهام واسعة حول مصيرها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تجعل كل جنيه يمثل فارقًا حقيقيًا في حياة الأسر المستفيدة.

ومع انتقال هذه الشكاوى من نطاق الحديث اليومي إلى ساحة العمل البرلماني، دخلت القضية مرحلة جديدة من الجدل، لتطرح تساؤلات تتعلق بالشفافية، وعدالة توزيع الدعم، ومدى وصوله كاملًا إلى مستحقيه دون انتقاص، فهل يتحمل الفقراء تكلفة الإجراءات الإدارية؟ وأين تذهب المبالغ التي يتم خصمها شهريًا من بطاقات الدعم؟ ولماذا لا توجد إجابات واضحة حتى الآن؟

خصومات غير مبررة

في هذا السياق، تقدم النائب إيهاب منصور، عضو مجلس النواب ووكيل لجنة القوى العاملة، بسؤال برلماني موجه إلى وزيرة التضامن الاجتماعي، بشأن ما وصفه بالخصومات «غير المبررة» التي يتم استقطاعها من بطاقات مستفيدي برنامج «تكافل وكرامة».

وأوضح النائب أنه تلقى العديد من شكاوى المواطنين الذين يفاجأون بخصم يصل إلى 40 جنيهًا شهريًا من البطاقة الواحدة دون أسباب واضحة، إلى جانب خصم 5 جنيهات إضافية مع كل عملية سحب.

واستعرض «منصور» حجم هذه الخصومات بالأرقام، مشيرًا إلى أن عدد بطاقات البرنامج يبلغ نحو 4،681،866 بطاقة، وهو ما يعني – في حال تطبيق خصم 40 جنيهًا شهريًا – أن إجمالي المبالغ المخصومة يصل إلى نحو 2.25 مليار جنيه سنويًا على الأقل.

وأضاف أن هناك مبالغ أخرى تُستقطع من خلال رسوم السحب، والتي تُقدّر بنحو 5 جنيهات لكل عملية، لتصل الحصيلة السنوية التقريبية إلى ما لا يقل عن 280 مليون جنيه إضافية، ما يرفع إجمالي المبالغ المستقطعة إلى أرقام تتجاوز مليارات الجنيهات سنويًا.

وطرح النائب عدة تساؤلات جوهرية، من بينها: «ما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الخصومات التي تلتهم جزءًا من مستحقات الأسر الأولى بالرعاية؟ وكيف يتحمل المواطن البسيط رسومًا إدارية في برنامج أُنشئ خصيصًا لدعمه؟ وأين تذهب هذه الحصيلة الضخمة؟ وما هو السند القانوني الذي تستند إليه هذه الاستقطاعات؟».

واختتم تصريحاته بالتأكيد على رفضه تحميل الفئات الأكثر احتياجًا أعباءً مالية غير مفهومة، مشددًا على أن الدعم يجب أن يصل كاملًا إلى مستحقيه دون انتقاص، مطالبًا وزارة التضامن الاجتماعي بإرسال رد رسمي واضح يوضح حقيقة هذه الخصومات ومصير تلك المبالغ.

شكاوى المواطنين

في المقابل، تعكس شكاوى المواطنين صورة يومية لمعاناة تتكرر مع كل موعد صرف، فيقول «عبدالله.ح»، وهو عامل بسيط يعول أسرة كبيرة، إن المبلغ الذي يحصل عليه من تكافل وكرامة لم يعد كما كان، موضحًا أنه في كل مرة يتوجه فيها لصرف الدعم يفاجأ بأن القيمة أقل من المتوقع دون أي تفسير.

وأضاف أنه يحاول في كل مرة حساب ما تبقى من المبلغ لتدبير احتياجات أسرته الأساسية من طعام ودواء، لكن الخصومات المتكررة تربك حساباته وتجبره على الاستغناء عن بعض الاحتياجات الضرورية.

وأكد أن الأربعين جنيهًا التي يتم خصمها شهريًا ليست رقمًا بسيطًا بالنسبة له، بل تمثل فارقًا حقيقيًا في قدرته على توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة، خاصة في ظل عدم امتلاكه أي مصدر دخل ثابت، معبرًا عن استيائه من غياب أي جهة توضح أسباب هذه الاستقطاعات أو تتيح له تقديم شكوى فعالة.

وتحكي «أم سعيد» من ضواحي القاهرة، وهي سيدة مسنة تعيش على ما تحصل عليه من الدعم، عن معاناة مشابهة، موضحة أنها تعتمد بشكل شبه كامل على هذا المبلغ في تلبية احتياجاتها اليومية.

وقالت إنها في كل مرة تذهب فيها لصرف مستحقاتها تفاجأ بوجود خصومات، سواء من أصل المبلغ أو من خلال رسوم السحب التي تُفرض مع كل عملية، وهو ما يجعلها تشعر بأن جزءًا من حقها يُنتقص دون مبرر واضح.

وأضافت أنها تضطر أحيانًا لتقليل إنفاقها على احتياجات أساسية مثل الغذاء أو الدواء لتعويض ما يتم خصمه، مؤكدة أن هذه المبالغ، رغم بساطتها في نظر البعض، تمثل بالنسبة لها مسألة معيشية لا تحتمل أي نقصان.

وعبرت عن رغبتها في وجود توضيح رسمي يشرح أسباب هذه الخصومات، قائلة إن المستفيدين من البرنامج ليسوا في وضع يسمح لهم بتحمل أي أعباء إضافية، وأن الهدف من الدعم هو تخفيف الضغوط عنهم لا زيادتها.

وقال «محمود.ع»، عامل يومية في الأربعينات من عمره ويعول أسرة مكونة من خمسة أفراد، إنه يعتمد بشكل أساسي على ما يحصل عليه من برنامج تكافل وكرامة لتوفير احتياجات أسرته اليومية، موضحًا أن أي نقص في المبلغ يؤثر بشكل مباشر على قدرته على تدبير أمور المعيشة.

وأضاف أنه فوجئ خلال الأشهر الأخيرة بوجود خصومات ثابتة من قيمة الدعم دون أي توضيح، مؤكدًا أنه حاول أكثر من مرة معرفة السبب لكنه لم يجد إجابة واضحة، لافتا إلى أن الأربعين جنيهًا التي يتم خصمها شهريًا تمثل بالنسبة له جزءًا مهمًا من ميزانية البيت، قائلًا إنه يضطر أحيانًا لتقليل شراء السلع الأساسية أو تأجيل بعض الالتزامات بسبب هذا النقص، خاصة في ظل عدم استقرار دخله وارتفاع تكاليف المعيشة.

وتحكي «أم رمضان»، وهي سيدة مسنة تعول حفيديها بعد وفاة نجلها، أنها تعتمد بشكل كامل تقريبًا على الدعم الذي تحصل عليه من البرنامج، موضحة أن المبلغ بالكاد يكفي احتياجاتها الأساسية من طعام ودواء.

وقالت إنها في كل مرة تذهب لصرف مستحقاتها تفاجأ بوجود نقص في القيمة، إلى جانب خصم 5 جنيهات مع كل عملية سحب، وهو ما يزيد من شعورها بالضغط، خاصة أنها لا تمتلك أي مصدر دخل آخر.

وتضيف أن هذه الخصومات، رغم بساطتها في نظر البعض، تمثل بالنسبة لها عبئًا حقيقيًا، وتجعلها مضطرة لتقليل نفقاتها اليومية إلى الحد الأدنى، مطالبة بضرورة توضيح أسباب هذه الاستقطاعات، مؤكدة أن المستفيدين من البرنامج هم في الأساس فئات غير قادرة على تحمل أي أعباء إضافية.