رئيس التحرير
خالد مهران

أسباب برود أعصاب الصين تجاه مضيق هرمز.. قراءة في حمض الطاقة الصيني

الصين
الصين

في خضم التصعيد العسكري حول مضيق هرمز، بدا المشهد العالمي وكأنه يتجه نحو أزمة طاقة جديدة، تهدد بإرباك سلاسل الإمداد ورفع أسعار النفط والغاز بصورة حادة.

وبينما تعالت أصوات بعض الدول بين القلق والتحذير، واتجهت أخرى إلى إجراءات قاسية تحسبًا للأسوأ، برزت الصين – أكبر مستورد للطاقة في العالم – بهدوء لافت وسط حالة من الذعر الدولي. فقد كان من الطبيعي أن يتوقع كثيرون أن تكون بكين في مقدمة الدول القلقة من تداعيات الصراع، غير أن رد الفعل الصيني جاء متزنًا، منسجمًا مع نهجها المعتاد في إدارة الأزمات الدولية، حيث تفضّل تقليل المخاطر وبناء البدائل بدل الاندفاع إلى قلب المواجهة.

تعود أهمية مضيق هرمز إلى كونه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو 20٪ من تجارة النفط العالمية وما يقارب 20٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهي نسبة كفيلة بإحداث اضطراب كبير في الأسواق العالمية في حال تعطل هذا الممر الضيق.

ونظرًا لأن آسيا تستحوذ على قرابة 80٪ من هذه التدفقات، تبدو اقتصادات شرق آسيا في مقدمة المتأثرين بأي تصعيد.

ومع ذلك، بدت الصين حالة مختلفة؛ فبينما شهدت أسواق بعض الدول الآسيوية اضطرابات ملحوظة، حافظت الأسواق الصينية على قدر من الاستقرار النسبي، وهو أمر لم يأتِ من فراغ، بل سبقه استعداد طويل ساهم في تقليص أثر الصدمة المحتملة.

فعلى المستوى الداخلي، لجأت الحكومة الصينية إلى إجراءات تهدف إلى امتصاص أثر ارتفاع الأسعار عالميًا، حيث خُفّضت الزيادات المقررة في أسعار الوقود إلى نحو النصف لتخفيف العبء على المستهلكين.

ورغم ذلك، ارتفعت الأسعار بنحو 20٪ منذ بداية عام 2026، إلا أن بكين لم تتجه إلى سياسات حادة مثل تقليص ساعات العمل أو التوسع الإجباري في العمل عن بعد، وهي إجراءات اضطرت بعض الدول الآسيوية إلى تبنيها لمواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة.
ويرتبط هذا الهدوء مباشرة بما يمكن وصفه بشبكة أمان طاقوية متعددة الطبقات عملت بكين على بنائها قبل اندلاع الأزمة بسنوات.

فعند تصاعد التوتر في أواخر فبراير، كانت الصين تمتلك مخزونات نفطية ضخمة تُقدَّر بنحو 1.2 إلى 1.3 مليار برميل، موزعة بين احتياطيات استراتيجية وتجارية، وهي كمية يمكن أن تغطي الاستهلاك لفترة قد تصل إلى نحو 100 يوم وفق مستويات الطلب الأخيرة.

ولم تكتف الصين بتراكم المخزون، بل واصلت خلال مطلع عام 2026 زيادة وارداتها النفطية لتصل إلى نحو 11.99 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى إنتاج محلي يقارب 4.42 مليون برميل يوميًا، ما يوفر إمدادات إجمالية تتجاوز 16 مليون برميل يوميًا لتغذية المصافي والقطاع الصناعي.

وتعزيزًا لهذا النهج التحوطي، اتخذت السلطات الصينية إجراءات وقائية للحفاظ على المخزون المحلي، من بينها تقليص صادرات الوقود المكرر، إلى جانب توجه بعض الشركات الكبرى إلى خفض الإنتاج بنسبة تقارب 10٪ تحسبًا لأي اضطرابات طويلة الأمد في الإمدادات العالمية.

ولا تعكس هذه الإجراءات وجود أزمة داخلية بقدر ما تشير إلى إدارة استباقية للمخاطر، تهدف إلى إطالة أمد الاكتفاء النسبي وتقليل التعرض للتقلبات الحادة في الأسواق الدولية.

وإلى جانب عامل المخزون، بنت الصين قدرًا إضافيًا من المرونة عبر تنويع مصادر الطاقة جغرافيًا بحيث لا تعتمد على الخليج وحده.

فإلى جانب وارداتها من الشرق الأوسط، تستورد الصين النفط والغاز من روسيا وآسيا الوسطى وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.

كما أن جزءًا مهمًا من واردات الغاز يصل عبر خطوط أنابيب برية في مقدمتها خط المسار الشرقي مع روسيا، وخط كازاخستان-الصين وخط ميانمار-الصين، الأمر الذي يقلل من الاعتماد الكامل على طرق الشحن البحرية المعرضة للمخاطر في أوقات النزاعات العسكرية.

وقد ساهم التوسع في البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق في تعزيز هذا التنوع في المسارات، بما يقلل من تأثير أي اختناق محتمل في أحد الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.

وفي هذا الإطار، تبدو العلاقة مع إيران ودول الخليج مثالًا على براغماتية السياسة الصينية في مجال الطاقة.

فعلى الرغم من أن نسبة كبيرة من صادرات النفط الإيراني تتجه إلى الصين، فإن النفط الإيراني والخليجي يمثل جزءًا من إجمالي واردات الطاقة الصينية، وليس مصدرًا وحيدًا لها، وهو ما يقلل من قدرة أي طرف منفرد على ممارسة ضغط حاسم على بكين.

كما أن جزءًا كبيرًا من النفط الإيراني يتم توجيهه إلى مصافٍ مستقلة صغيرة داخل الصين، وهو ما يحد من تعرض الشركات الحكومية الكبرى للمخاطر المرتبطة بالعقوبات أو الاضطرابات السياسية.

وتفسر هذه العوامل مجتمعة سبب عدم اندفاع بكين نحو الانخراط العسكري أو الأمني في أزمة المضيق، واكتفائها بالدعوة إلى التهدئة والحفاظ على استقرار الأسواق. فالصين، بخلاف بعض الاقتصادات الصناعية الأخرى، لا تواجه تهديدًا فوريًا يشل قدرتها الإنتاجية، وهو ما يمنحها مساحة للتمسك بمبدأ “عدم التدخل” وتجنب الانجرار إلى صراعات قد تهدد مصالحها التجارية الأوسع في المنطقة.

في المحصلة، لا يبدو الهدوء الصيني موقفًا عابرًا، بل نتيجة مباشرة لاستراتيجية طويلة قامت على تنويع الإمدادات، وزيادة المخزون، وتوزيع المخاطر جغرافيًا ولوجستيًا، بدعم من توسع شبكات النقل والطاقة المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.

صحيح أن هذه المقاربة لا تمنح الصين حصانة كاملة من تقلبات أسواق الطاقة، لكنها تقلل من حدة الصدمات وتمنح صانع القرار وقتًا أطول لاتخاذ خطوات محسوبة، وهو ما يفسر برود الأعصاب الصيني في واحدة من أكثر أزمات الطاقة حساسية في العالم.