رئيس التحرير
خالد مهران

صبري الموجي يكتب: «فِيها لأخْفيها» شعارٌ يصنع الفشل!

صبري الموجي
صبري الموجي

في مذكِّراته الزاخرة بالدرر الثمينة والقلائد النفيسة، ذكرَ الشيخ علي الطنطاوي ـ رحمه الله ـ أنَّ العقبة الكئود أمام تشييد كثيرٍ من أبنية الخير، هي انسلاخُ البعض عن العمل بروح الفريق، إنْ لم يَسِر الآخرون وفق هواهم، والعزف خارج السرب، والعمل على هدم المعبد فوق رؤوس الجميع، ولسانُ حالهم يقول: «فيها لأخفيها».

فترى تلك الثلة، عقب النكوص، في كلِّ وادٍ من أودية الباطل يهيمون، وبرغم أنهم كانوا أمس القريب أشدَّ الناس تأييدا للفكرة وإبراز محاسنها، فإنهم عقب خروجهم عن فريق العمل، يكونون ألدَّ أعدائها، المُشككين في نفعها وجدواها، وهو ما يُعزّز قول القائل: متى يبلغُ البنيانُ يوما تمامه / إذا كنت تبني وغيرك يهدم؟!.

فما من مشروع بدأ، إلا وسبقته برامجُ الإشادة، والتنديد من قِبل هؤلاء بنفعه العام والخاص، وما إن يخرجوا عليه، حتى يفتّشوا في دفاترهم المهترئة عن عيوبه؛ ليصبّوا عليه جام غضبهم، وهو ما يدمغ بغياب الإخلاص، وسيادة روح (الأنا)، التي تقف حجر عثرة في طريق كل بناء، وأمام كلِّ تنمية.

إنَّ مِظلة العمل الخيري، تسع الجميع، فليس هناك مبررٌ لإقصاء أحد، أو تسفيه جهد، فكما هو معلوم من السنة أنّه سبقَ درهمٌ مائة ألف درهم، بيد أنّ الحَكمَ عَدلٌ لا يُظلَم عنده أحد، فلا مبرر إذن لحظِّ النفس؛ لأنّ هذا هو الشرُّ بعينه، والخطر الأكبر على صاحب هذا الشعور، إنَّ أخشى ما أخشاه أن ينطبق على هؤلاء اللاهثين وراء الرياء والسمعة، المتطلعين لـ« قيل، وقال» قولُ نبينا: ( أوّلُ من تُسعّر بهم النارُ يوم القيامة ثلاثة)، وذكر قارئ القرآن، والمتصدِّق، والمجاهد، فبرغم أعمالهم العظيمة، إلا أنهم كانوا أول الناس دخولا النار؛ لافتقار أعمالهم للإخلاص شرطِ قبول العمل.

لا أقصد أبدا من هذا المقال شخصا بعينه، ولكني أقصد كلَّ من كانت هذه حاله؛ عساه أن يُجدّد نيته، ويعدّل مساره؛ لينال رضا ربٍ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

إنّ أزمة كثير من المشروعات، هى سيطرة روح (الأنا) على البعض، وحرصُ ـ من ابتُلي بهذا الداء ـ على أن يُعلن للملأ ـ جهارا أو من طرفٍ خفي ـ أنَّه الأوحد، الذي لم تأت بمثله ولَّادة، وتلك هي المصيبة، وسببُ الفشل.

إنَّ الفارق بيننا وبين أسلافنا، أننا مجوفون لنا دوي، بينما هم ممتلئون ليس لهم صوت، فسادوا وانتكسنا، سطعت نجومُهم، وأفلت نجومنا، فسرنا  نتخبّط في دروب التيه.

وأخيرا أذكّر هؤلاء الحريصين على (الشو) بقول القائل: ملأى السنابل تنحني بتواضع / والفارغات رؤوسهن شوامخ.. فاستقيموا يرحمكم الله.