رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب: صلاح.. حين تترجل المتعة عن مدرج انفيلد

النبأ

أعلن النجم المصري محمد صلاح رحيله عن ليفربول مع نهاية الموسم الجاري ليسدل الستار على رحلة استمرت تسع سنوات، لم تكن مجرد مسيرة لاعب محترف، بل قصة كاملة كتبت بالعاطفة والعرق والانتصارات. تسع سنوات حمل فيها صلاح آمال جماهيره في كل مكان فوق كتفيه، وكتب اسمه بحروف ثابتة في ذاكرة نادٍ عريق، وفي قلوب ملايين المشجعين حول العالم.
يرحل صلاح كواحد من أكثر اللاعبين تتويجا في تاريخ ليفربول، بعدما ساهم في حصد ثماني بطولات كبرى، أبرزها لقب الدوري الإنجليزي مرتين، ولقب دوري أبطال أوروبا، البطولة التي أعادت للنادي بريقه الأوروبي، وجعلت اسم صلاح يتردد في المدرجات كأيقونة صنعت الفارق في اللحظات الكبرى. سجل صلاح حتى الآن 255 هدفا في 435 مباراة، ليصبح ثالث الهدافين في تاريخ النادي، رقم لا يعبّر فقط عن مهارة تهديفية، بل عن ثبات مذهل على القمة، وعن لاعب لم يعرف التراجع طريقا.
إنه ا أرقام، على عظمتها، لا تكفي وحدها لتفسير حجم الأثر الذي تركه، هذا الشاب الذي بدأ قصته الأولى، قبل أن يصبح نجما عالميا من قرية نجريج الصغيرة، بمحافظة الغربية وسط دلتا مصر، حيث نشأ في بيئة متواضعة. لم يستسلم صلاح وبدأ الطريق طويلا نحو الحلم. كان الفتى الصغير يقطع المسافات يوميا بين بلدته إلى طنطا ثم القاهرة، متنقلا بين القطارات والحافلات لساعات طويلة، فقط ليحصل على فرصة تدريب، أو ليثبت أن الحلم يستحق العناء. هناك، في تلك الرحلات المرهقة، تشكل الإصرار الذي سيحمله لاحقا إلى أكبر ملاعب العالم.
لم يكن نجاحه بعيدا عن الناس، بل بدا قريبا منهم، يشبه رحلاتهم اليومية وتحدياتهم الصامتة. حين كان يسجل هدفا، لم يكن الجمهور يرى مجرد لقطة رياضية جميلة، بل يرى قصة شاب بدأ من مكان بسيط، ونجح لأنه لم يتخل عن حلمه. كان يذكرهم أن الطريق، مهما طال، يمكن أن يقود إلى نتيجة مختلفة.
في ديسمبر الماضي، أثارت تصريحات صلاح جدلا واسعا حين قال إنه شعر بأنه “تم التضحية به”، بعد استبعاده من مباريات متتالية. كانت لحظة إنسانية نادرة، كشف فيها النجم الذي اعتاد الجمهور رؤيته واثقا، جانبا آخر من قصة النجومية: جانب القلق، والضغط، والرغبة الدائمة في إثبات الذات. لكنه عاد بعد كأس أمم إفريقيا، وشارك في 13 مباراة متتالية، وكأنه يكتب فصلا أخيرا يليق برحلة طويلة من الالتزام والاحتراف.
ورغم توقيعه عقدا ضخمًا العام الماضي يمتد حتى 2027، بقيمة تتجاوز 400 ألف جنيه إسترليني أسبوعيا، جاء القرار مشتركا بين الطرفين بإنهاء العلاقة هذا الصيف، في مشهد يعكس احتراما متبادلا ورغبة في أن تنتهي القصة بكرامة تليق بتاريخها.
في رسالة وداع مصورة نشرها عبر حساباته، وصف صلاح ليفربول بأنه “شغف وتاريخ وروح”، كلمات بدت أقرب إلى اعتراف عاطفي منها إلى تصريح رياضي. قال إن النادي سيظل بيته الدائم، وإنه سيبقى دائمًا أحد جماهيره، وكأن اللاعب الذي حمل الرقم 11 لسنوات طويلة، يرفض أن يخلع انتماءه حتى بعد أن يخلع القميص.
ورد النادي في احترام لما قدمه لاعبه الأبرز في السنوات الأخيرة، طالبا من الجماهير انتظار الاحتفال بارثه وانجازاته عندما يغادر انفيلد.
خلال سنواته في أنفيلد، لم يكن صلاح مجرد هداف، بل أصبح رمزا للثبات في زمن سريع التغير. لاعب عربي استطاع أن يفرض اسمه بين كبار اللعبة عالميا، دون أن يفقد تواضعه أو هدوءه أو تركيزه. كان حضوره في الملعب يحمل معنى يتجاوز النتيجة، إذ مثل نموذجا لما يمكن أن يحققه الإصرار حين يقترن بالموهبة.
كان المشهد يتكرر في بيتي وبيوت كثيرة، مباراة ليفربول ليست مجرد مباراة، بل موعد منتظر بشغف. هدف لصلاح يعني لحظة فرح خالصة، تمر سريعا لكنها تترك أثرا طويلا ومع كل مراوغة ناجحة أو تسديدة متقنة، كان الجمهور يشعر أن الجهد يمكن أن يتحول إلى جمال، وأن التعب يمكن أن ينتهي بابتسامة.
اليوم، ومع اقتراب نهاية رحلة صلاح مع انفيلد وجماهيره الوفية، يدرك الجميع أن الأرقام ستبقى، وأن الأهداف ستعرض مرارا، لكن الشعور نفسه لن يتكرر بسهولة. فبعض اللاعبين يمرون في تاريخ الأندية، وبعضهم يتركون أثرا في وجدان الناس. وصلاح كان من الفئة الثانية.
قد يرحل الجسد عن أنفيلد، لكن الحكاية ستبقى. سيبقى اسمه حاضرا كلما ذكر ذلك الجيل الذي أعاد لليفربول هيبته، وكلما احتاج مشجع إلى تذكر لحظة فرح صادقة. لأن بعض القصص لا تنتهي عند صافرة الوداع… بل تبدأ بعدها في الذاكرة.
بالتوفيق لصلاح في خطواته التالية.