محمد مازن يكتب من بكين: العمران الأخضر.. من إدارة الصين للأشجار في المدن
يؤسفني، وأنا أتصفح منصات التواصل الاجتماعي، أن أرى حملات متكررة لاقتلاع الأشجار في مدننا وأحيائنا، وكأن هذه الأشجار أصبحت العدو الدائم للمسؤولين.
من القاهرة إلى الإسكندرية والمحافظات، في الشوارع والطرقات والحدائق، وحتى داخل بعض المؤسسات، تتكرر مشاهد القطع والإزالة بصورة شبه يومية، غالبا من دون تفسير واضح أو مساءلة حقيقية.
ولا يتجاوز رد الفعل في كثير من الأحيان نشر صور حزينة ومرثيات جماهيرية سرعان ما تتلاشى في زحام الأخبار، من دون أن تجد صدى لدى الجهات المعنية، أو حتى محاولة جادة لتوضيح ما يجري أو تبريره.
المفارقة أن هذا يحدث في وقت أعلنت فيه الدولة قبل سنوات مبادرة لزراعة 100 مليون شجرة لتحسين جودة الهواء.
لكن الأرقام المتاحة تكشف فجوة كبيرة بين ما هو معلن وما يحدث على الأرض، فوفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تحتاج مصر إلى نحو 58 مليون متر مربع من المساحات الخضراء للحفاظ على نقاء الهواء، بينما لا يتجاوز المتوفر حاليا 5.4 مليون متر مربع فقط.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن البلاد فقدت نحو 75٪ من غطائها الشجري خلال السنوات الأخيرة.
ومع التوسع في بناء الطرق والجسور، تتراجع المساحات الخضراء بوتيرة متسارعة، رغم أن نصيب الفرد من المساحات الخضراء في القاهرة يقل عن متر مربع واحد، في حين توصي المعايير الدولية بألا يقل عن 9 أمتار مربعة للفرد.
في المقابل، تنظر دول عديدة، متقدمة ونامية على حد سواء، إلى الأشجار باعتبارها جزءا من البنية الأساسية للحياة الحضرية، لا مجرد عنصر تجميلي يمكن الاستغناء عنه عند أول تعديل عمراني.
فقد أصبحت سياسات التشجير والحفاظ على الغطاء الأخضر ركنا ثابتا في التخطيط البيئي والاقتصادي، إدراكا لما تمثله الأشجار من قيمة بيئية وصحية لا يمكن تعويضها بسهولة، حتى في ظل محدودية الموارد.
وأكثر ما يلفت النظر هنا في العاصمة الصينية بكين، ملاحظة أشجار عتيقة تقف في منتصف بعض الطرق أو على حوافها، بعدما اختارت الجهات المختصة التكيف مع وجودها بدلا من إزالتها.
ففي حالات عديدة جرى تعديل تصميمات الطرق أو الجسور بحيث تلتف حول الأشجار أو تفسح لها مجالا للبقاء من فجوات في الجسور نفسها، في مشهد يعكس فلسفة تنموية ترى في الطبيعة شريكا ينبغي التعايش معه، لا عائقا ينبغي التخلص منه.
ولا يقتصر الأمر على الحفاظ على الأشجار القائمة، بل يمتد إلى اعتماد برامج متكاملة لإدارة الأشجار الحضرية تشمل مؤخرا نقل الأشجار البالغة وزراعتها والعناية بها وفق أسس علمية.
ففي كثير من المدن الصينية أصبحت الشوارع، بأشجارها الوارفة المنتظمة في عمر اعوام، تقام في يوم وليلة، إذ تنفذ عمليات نقل وزراعة الأشجار خلال ساعات الليل، حين تكون درجات الحرارة أقل ومعدلات التبخر أضعف، ما يقلل من إجهاد النبات ويرفع فرص نجاح تأقلمه في موقعه الجديد.
كما يسمح العمل الليلي بتجنب تعطيل حركة المرور، خاصة أن نقل الأشجار الكبيرة يتطلب استخدام معدات ثقيلة ورافعات متخصصة.
وتعتمد عملية النقل على اقتلاع الشجرة مع كتلة كبيرة من التربة المحيطة بجذورها للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الشعيرات الجذرية، مع إجراء تقليم مدروس للأغصان لتحقيق توازن بين قدرة الجذور على الامتصاص وحجم الكتلة الخضرية.
وبعد الزراعة تُثبت الأشجار بدعامات مؤقتة لحمايتها من الرياح، وتخضع لبرامج ري وعناية دقيقة خلال الأشهر الأولى لضمان استقرارها، لدرجة أن تجد بعض الاشجار موصل إليها محاليل مغذية وعلاجية للحفاظ على بقائها، كما تُلف جذوع بعض الأشجار بمواد واقية، أو يُطلى الجزء السفلي منها بطبقة بيضاء غالبا ما تكون قائمة على الجير، بهدف عكس أشعة الشمس والحد من تقلبات الحرارة وتقليل فرص الإصابة بالآفات.
وتشمل إدارة الأشجار كذلك عمليات تقليم دورية قد تبدو للبعض قاسية، لكنها تهدف في الواقع إلى تعزيز نمو صحي ومتوازن، ومنع تداخل الأغصان مع شبكات الكهرباء أو المباني، فضلا عن تقليل مخاطر سقوط الفروع.
ورغم أن الأشجار قد تبدو أحيانا شبه عارية بعد التقليم، فإن هذه العملية تساعدها على إنتاج فروع جديدة أكثر قوة واستدامة في البيئة الحضرية وتساعد على انتظام نموها بشكل وحجم واحد لدرجة عدم التمييز.
وعلى مدار مراحل التطور العمراني التي مرت بها بكين، ظل الحفاظ على المساحات الخضراء أحد الثوابت التي لم تهمل. وخلال العقد الأخير تحديدا تحولت المدينة إلى مساحة أكثر اخضرارا، بعدما جرى استبدال بعض المباني القديمة في قلب العاصمة، وهي مناطق تعد من الأعلى قيمة عقارية، بحدائق ومساحات خضراء عامة.
ولم يكن الهدف مجرد تحسين المظهر الجمالي، بل الارتقاء بجودة البيئة الحضرية وصحة السكان. كما تعمل حكومة بكين منذ سنوات على تحويل مواقع عديدة على الأطراف إلى غابات متنوعة، لم تحول حكومة بكين مطار نانيوان بعد إخراجه من الخدمة إلى تجمعات سكنية، بل ضمته إلى رئة خضراء بمساحة ٥ آلاف فدان.
وتحول المطار القديم إلى حديقة رطبة واسعة، افتُتحت أجزاء منها، لتصبح متنفسا بيئيا وترفيهيا جديدا لسكان المدينة دون مقابل.
وقبل نحو عقد من الزمن فقط، كانت بكين تعاني مستويات مرتفعة من التلوث جعلت الحياة فيها تقترب من حدود الاختناق. أما اليوم فقد شهدت المدينة تحسنا ملموسا في جودة الهواء، وأصبحت فترات السماء الصافية أطول بكثير مما كانت عليه في السابق.
وقد تحقق ذلك عبر حزمة متكاملة من السياسات شملت توسيع المساحات الخضراء، وتشجيع وسائل النقل الأقل تلويثا، وإغلاق بعض المصانع أو نقلها، إضافة إلى إعادة تأهيل مساحات عمرانية وتحويلها إلى حدائق وغابات حضرية ومناطق رطبة.
تعكس هذه التجربة رؤية لا تقوم على استغلال كل مساحة متاحة للبناء أو التجارة، بل على التفكير طويل المدى في ما يجعل المدينة أكثر قابلية للحياة وأكثر جذبا لسكانها، فالمدن لا تزدهر فقط بالطرق الواسعة أو الأبراج المرتفعة، بل أيضا بالظل الذي توفره الأشجار، والهواء النقي الذي تمنحه المساحات الخضراء، والإحساس الإنساني بالراحة والانتماء إلى المكان.
إن القاهرة وغيرها من مدننا في حاجة إلى مثل هذا النهج بعيد النظر؛ نهج يعيد الاعتبار للطبيعة داخل المدينة ويعامل الأشجار باعتبارها جزءا من ثروتنا الحضرية لا عبئا عليها، فازدهار المدن لا يتحقق باستبدال الغطاء النباتي بغطاء خرساني، ولا بتحويل ما تحت الجسور إلى مساحات تجارية صلبة بينما تتراجع الحدائق والمتنزهات.
كما لا يمكن القبول بأن تتحول مدن كاملة إلى بيئات شبه خالية من المساحات العامة الخضراء، أو القبول باشجار تم زرعها دون العناية بها وتركها تموت كما يشكو بعض القاطنين في عاصمة مصر الإدارية الجديدة.
وبقدر ما يبعث الأسى في النفس هذا التراجع المستمر في نصيب مدننا من الخضرة، تظهر في المقابل مبادرات فردية على منصات التواصل الاجتماعي تحاول عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي إعادة تخيل شوارعنا وحدائقنا بصورة أكثر جمالا وإنسانية.
إنها أحلام بمدن خضراء ما زالت مؤجلة، لكنها تعكس وعيا متناميا بقيمة البيئة الحضرية وأثرها في جودة الحياة.
ولعل هذه الأحلام الرقمية تتحول يوما إلى سياسات واقعية تحافظ على ما تبقى من خضرة مدننا وتعمل على زيادتها. فالمؤكد أن المدن التي تحترم أشجارها، إنما تحترم في الحقيقة سكانها ومستقبلها أيضا.