رئيس التحرير
خالد مهران

المهندس محمد الفيشاوى يكتب: مراقبة الله.. حين يكون الحرام في متناول اليد

المهندس محمد الفيشاوى
المهندس محمد الفيشاوى

تأتي بعض آيات القرآن الكريم بخصوصية في السبب، لكنها تحمل عمومية في الدلالة، تتجاوز حدود الزمان والمكان لتلامس واقع الإنسان في كل عصر. 
كان فى تدبرى لقول الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لَيَبلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنالُهُ أَيديكُم وَرِماحُكُم لِيَعلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيبِ فَمَنِ اعتَدى بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ﴾.

فقد نزلت الآية في سياق اختبار المحرمين، حيث  يحرم عليهم الصيد فى الحرم، ثم يُقَرَّب إليهم الصيد ابتلاءّ  ليصبح في متناول أيديهم ورماحهم، فلا مشقة في نيله ولا عسر في تحصيله.

الامتحان هنا  ليس في العجز، بل في القدرة على ضبط النفس والتحكم فى الذات المنبثق عن الإيمان ؛ وليس في الندرة أو الصعوبة، بل فى وجود الفرصة ؛ وليس في البعد، بل في القرب الشديد الذي يثير النفس ويستفز الرغبة.

إنها لحظة كاشفة، هل يترك الإنسان الحرام لأنه لا يستطيع الوصول إليه، أم لأنه يخاف الله حقًا؟، ليعلم الله من يخافه بالغيب.

وهذا المعنى يتكرر في حياتنا اليومية بصور متعددة، ربما لا ننتبه إليها، لكنها في حقيقتها اختبارات مشابهة لا تختلف كثيرا عما خصصته الآية الكريمة:
فالموظف الذي تُفتح أمامه أبواب الرشوة في معاملات يسيرة، لا يراه فيها أحد، ولا يُكتشف أمره بسهولة، هو في موقف "الصيد الذي تناله اليد". فإن امتنع، لم يكن امتناعه عجزًا، بل ورعًا، وخوفا من الله،
والرجل الذي يُتاح له النظر إلى ما حرم الله في خلوته، دون رقيب بشري، هو أيضًا في موضع الابتلاء ذاته، فإن غض بصره، فقد نجح في تجاوز ضعف نفسه إلى مراقبة الله.
والتاجر الذي يستطيع التلاعب في الميزان أو إخفاء عيب في سلعته دون أن يُكشف، إنما يقف أمام صيد قريب، سهل المنال، لكنه محاط بسياج من أمر الله ونهيه، فإن التزم الصدق وتحرى الحلال، فقد اختار طريق التقوى على حساب الربح السريع.
وصاحب المصنع الذى ينتج مخاليط من مواد مختلفة لإنتاج منتج نهائي بمواصفات معينة ومعتمدة وموثقة من جهات رقابية، ومكتوبة فى نشرة مرفقة بالمنتج ال( data sheet ) ويتلاعب بالنسب المعتمدة فيزيد من الرخيص ويقلل من الغالى، بهدف تحقيق المكسب الأكبر، فهذا هو الغش بعينه المنهى عنه من الرسول الكريم الذى قال من غشنا فليس منا، فهذا أيضا لم يخف الله بالغيب.
بل حتى في العلاقات الإنسانية، حين تتاح للإنسان فرصة ظلم أو انتقام أو استغلال ضعف الآخرين دون مساءلة، يكون أمام اختبار دقيق، هل تجرفه  شهوة النفس أم يقيده وازع الإيمان ومراقبة الله ؟،


إن القيمة الحقيقية للتقوى لا تظهر في المواقف التي يُمنع فيها الإنسان قسرًا، أو يخاف فيها من عقوبة الناس،أو المؤسسات والأجهزة  الرقابية، وإنما تتجلى في لحظات القدرة الخفية، حين يكون الطريق إلى الخطأ ممهّدًا، والرجوع عنه لا يكلف إلا صدقًا مع الله، ورؤيته سبحانه وتعالى رقيبا عليه.
ولهذا قال تعالى: ﴿لِيَعلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيبِ﴾، أي في غياب أعين الناسو، وفي حضور الضمير وحده، وقوة الإيمان.

إن هذه الآية تعلمنا أن أخطر الاختبارات ليست تلك التي تبدو صعبة، بل تلك التي تبدو سهلة جدًا، حتى يظن الإنسان أن تجاوزها لن يُذكر، أو أن الوقوع فيها لن يُحاسب عليه. لكنها عند الله عظيمة، لأنها تكشف حقيقة القلب.

لذلك، فإن بناء الإنسان الصالح لا يكون بكثرة القيود الخارجية، بل بترسيخ المراقبة الداخلية، حتى يصبح الحلال اختيارا، لا اضطرارا، ويصبح ترك الحرام نابعا من يقين، لا من خوف.

دعوتى، أن نراجع أنفسنا، ماذا نفعل عندما نقدر ولا يرانا أحد، كيف نتصرف حين تكون المعصية في متناول اليد وبعيدة عن ملاحقة القانون.

هل نكون من الذين يخافون الله بالغيب، أم ممن تردعهم فقط عيون الناس، ومواد القانون.
في تلك اللحظات الصامتة، وحين تختبرك الفرصة، ستعرف حقيقة نفسك، فاعرفها وحاسبها بنفسك قبل أن تحاصرك القيود، وصدق من قال حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.