ننشر نص خطبة الجمعة اليوم بمساجد الأوقاف
حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة اليوم الجمعة، بعنوان بر الوالدين زينة الأعياد، الهدف المراد توصيله: التأكيد على أن تمام فرحة العيد لا تكتمل إلا ببرِّ الوالدين والإحسان إليهما، وسلامة الأسرة من الداخل.
بر الوالدين زينة الأعياد
الحمد لله الذي جعل الإحسان للوالدين قرين توحيده، وأفاض من سعة رحمته على من تذلل لوالديه طاعة لتمجيده، نحمده سبحانه، أوجب البر ميثاقا غليظا، وجعل الرضا مفتاحا للفلاح وجزاء عريضا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، إمام البارين وسيد الواصلين، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، فكان للرحمة منبعا وللوفاء مطلعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاما دائمين إلى يوم الدين، أما بعد، فيا عبد الله:
١- استشرف أنوار الوفاء في ظلال عيد الفطر، واعلم أن بر الوالدين زينة الأعياد، والسر الكامن في بهجة يوم الجائزة، فالوالدان هما أصل الوجود بإذن المعبود، وهما السكن الذي آواك حين كنت ضعيفا، والعين التي سهرت لترقد مستريحا، فبر الوالدين هو عهد الوفاء، وترياق الصفاء، ومعراج الارتقاء، فهو استحضار أن الروح التي بين جنبيك مدينة لتلك القلوب التي أفنت نبضها لأجلك، ففي صباح العيد تتجلى أنوار البر كأبهى ما يكون الامتنان، حيث يغدو تقبيل أيديهما هو العيد الحقيقي، فمن عرف قدر من رباه صغيرا كان لهما في الكبر عونا ومجيرا، فالوالدان هما كعبة الأرواح، ومشرق الأفراح، ومفتاح الصلاح، ومنبع الفلاح، جعل الله رضاه في رضاهما، وسخطه في سخطهما، لتظل العلاقة بهما معراجا يوميا نحو القرب الإلهي، قال الله تعالى: ﴿وقضىٰ ربك ألا تعۡبدوۤا۟ إلاۤ إیاه وبٱلۡوٰلدیۡن إحۡسٰناۚ﴾.
٢- تأمل في أسرار البر ومعاني الحضور في مشكاة العيد، وتنسم عبير البيان، ورقة المعنى في كلمة "الأم" و"الأب"، فالأم هي المرجع والأصل، والأب هو الركن والسند، وكأن الله أراد ببرهما في يوم العيد أن يجدد الإنسان عهده بأصله ووصله، وانظر بعين البصيرة إلى تجليات هذا المقام في سير الأصفياء، فهذا سيدنا إسماعيل عليه السلام الذي قدم رقبته طاعة لوالده واستسلاما لربه فصار رمزا للفداء، وتبصر في حال أويس القرني الذي منعه انشغاله ببر أمه عن لقاء سيد الخلق ﷺ فصار خير التابعين بدعوة منها، وتأمل سيدنا يحيى عليه السلام الذي وصفه ربه بصفة البر فقال: ﴿وبرۢا بوٰلدیۡه ولمۡ یكن جبارا عصیࣰا﴾، ليعلم الجميع أن التواضع للوالدين هو قمة العز والرفعة، فبر الوالدين هو زينة الأعياد التي لا تنطفئ، فبهجة السرور تكتمل حين تمسح تعب السنين عن جباههما، وتدخل الفرح على قلوبهما، فهما شمس دارك، وبركة نهارك، ودعاؤهما هو الحصن الحصين الذي يقي العبد عثرات الزمان وتقلبات الأيام، قال الجناب المعظم ﷺ: «رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف»، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخل الجنة».
٣- استشعر أنوار الحنان الكامنة في حضرة الأم، والتمس بركات العيد في لمسات يديها، فالأم هي نهاية المطاف في الحب، وباب القبول في القرب، ومشكاة النور في الدرب، وكأن الله جعل العيد موعدا لتجديد الوداد، وصلة لسبب الوجود والمداد، فانظر بعين الفخار إلى مقامها الذي سما، حتى صار الرضا عنها موصولا برضا رب السما، فبدعائها تستنزل الخيرات، وببركتها تتدفق المسرات، وبحضورها تتجمل الذكريات، فبرها في صبيحة العيد هو القربة العظمى، والوسيلة الأسمى، ليكون عيدك فوزا بالحظ الأوفى، ونورا على نور لمن أراد البشرى، فاجبر خاطرها بكلمة طيبة، وقبل يدها بمودة منيبة، لترى تجليات الرحمة تفيض على دارك، وتغمر ببركتها ليلك ونهارك، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك».٤- تأمل في جلال الركن الشديد، والتمس هيبة العيد في طلعة والدك السعيد، فالأب هو ساقية الرشد في الأجيال، وصخرة الصبر في الأهوال، ومنارة الحكمة في مضلات الأحوال، وكأن الله جعل بره في العيد بابا لترسيخ الوفاء، وجبرا لخواطر أهل العطاء والصفاء، فانظر بعين الإجلال إلى من أفنى زهرة شبابه لتزهر أيامك، وحنى ظهره لتستقيم أحلامك، فهو الظل الظليل الذي تستريح في كنفه الأرواح، والرباط المتين الذي تشد به عرى الفلاح، فإكرامه في هذه الأيام المباركة هو شكر للنعمة، وعرفان لمن كان لك في الحياة حصنا ورحمة، فكن له عونا في كبره، وبرا في دهره، لترى أنوار القبول تشرق في مستقبلك، وبركات الرضا تفتح ما استغلق عليك، فقد قال النبي ﷺ: «رضا الرب في رضا الوالد، وسخط الرب في سخط الوالد».
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وبعد:
أيها المكرم: التمس نفحات الرضا في وجوه والديك، وتأمل بقلب حاضر ما أودع الله في برهما من السكينة التي تغمر الوجدان، فالمؤمن في هذه الساعات يدرك أن الإحسان إليهما هو جوهر العبادة وشكر الإنعام، فمن لم يشكر الوالدين لم يشكر الله، فاجعل من عفوك عن هفواتهما بابا ليعفو الله عنك، وطهر لسانك من "أف"، واغسل قلبك بماء المودة في يوم الجائزة، فمن تلطف بوالديه تلطف الله به في شدائده، ومن رفع قدرهما رفع ذكره في الملإ الأعلى، فإن غاب عن عينك من كانا لك عونا وسندا فارفع لهما في ملكوت السماء يدا بالدعاء الذي يصل المفقود، والصدقة التي تبلغ الودود، وصلة الرحم التي تعيد أنفاس الأجداد، ليكون برك وفاء لا يقطعه الموت، ونورا يملأ قبرهما، وتتبع هذا الأمر الإلهي: ﴿وٱخۡفضۡ لهما جناح ٱلذل من ٱلرحۡمة وقل رب ٱرۡحمۡهما كما ربیانی صغیرࣰا﴾، وإن قدر الله لهما الوفاة، فأحسن إليهما بعد انتقالهما ببر وصلة أحبابهما وبكثرة الدعاء والاستغفار لهما.
فاللهم اجعلنا بوالدينا بارين، ولحقوقهما راعين، اللهم ارحمهما كما ربونا صغارا، وأنزل عليهما الخير مدررا، واجمعنا بهم في جنات وأنهار، واجعل مصر واحة للبر والوفاء، والأمن والرخاء.