محمد مازن يكتب: كيف يرى الصينيون مستقبل العلاقات الصينية-الإيرانية بعد مقتل خامنئي؟
أدى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي في ضربة جوية أمريكية-إسرائيلية في الأول من مارس 2026 إلى فتح تساؤلات حول إمكانية نجاح تغيير النظام الإيراني ومستقبل العلاقات مع القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين.
ويرى خبراء صينيون أن تغيير النظام الإيراني بالكامل يظل احتمالًا بعيدًا جدًا، بينما ستستمر العلاقات الصينية-الإيرانية رغم هذه التطورات.
ويؤكد الخبراء الصينيون أن النظام الإيراني يمتلك أسسًا أيديولوجية واجتماعية عميقة وتجربة طويلة في مواجهة الضغوط الدولية، مما يجعل أي محاولة أمريكية أو إسرائيلية للإطاحة بالنظام عبر الضربات العسكرية المباشرة شبه مستحيلة.
وقال فان هونغ ده، أحد أبرز الباحثين الصينيين المعروفين بآرائهم الصريحة حول الشرق الأوسط، في تصريح لصحيفة تشيانجيانغ وانباو إن من “شبه المستحيل” أن تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من إسقاط النظام الإيراني بالكامل عبر عملية اغتيال المرشد.
وأضاف فان، الذي يرأس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة شاوشينغ “إن النظام السياسي في إيران متجذر بعمق في أسس دينية واجتماعية وتاريخية معقدة، ما يجعل من الصعب للغاية على الضربات العسكرية من الخارج اقتلاعه.”
وأشار أيضًا إلى أنه منذ “حرب الاثني عشر يومًا” العام الماضي، عندما وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضربة إلى المنشآت النووية الإيرانية، كان المرشد الأعلى الراحل قد بدأ بالفعل في توزيع الصلاحيات بشكل أكثر لامركزية.
ويرى فان أنه، على الأقل بالنسبة لواشنطن، فإن الهدف الأكثر واقعية قد يتمثل في اختيار قائد إيراني “مقبول” والضغط على طهران لتقديم تنازلات كبيرة في قضايا أساسية مثل برنامجها النووي.
ويرى الخبراء الصينيين ان اشرق الأوسط يواجه الآن أحد أكبر مخاطر امتداد الصراع العسكري منذ عقود. ويعتقد سون دي قانغ، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة فودان في شنغهاي، وهو من أبرز خبراء الصين في شؤون المنطقة، أن طهران قد لا تلتزم بعد الآن بقواعد الحروب المحدودة، لأن المواجهة الحالية تتعلق بـ “بقاء النظام”.
واستشهد بما تشنه إيران من رد واسع يشمل ضربات مباشرة بصواريخ باليستية تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت نفطية استراتيجية في دول الخليج، إضافة إلى القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز.
من جانبه، اتفق ليو تشونغ مين، مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، مع تقييم سون، محذرًا من أن الصراع السياسي الداخلي في إيران قد يدفع البلاد إلى تصعيد يتجاوز حدود السيطرة.
وفي مقابلة مع موقع “قوانتشا” الإخباري القومي، قال ليو إنه من المهم مراقبة ما إذا كان الصراع قد يمتد سريعًا إلى مجمل منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف "رغم الانتكاسات الشديدة التي تعرض لها سابقًا، فإن محور المقاومة بقيادة إيران لم ينهر بعد.”
وأكد ليو أيضًا أن الصراع الحالي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة النطاق في الشرق الأوسط، وسيعمق معضلة الأمن الإقليمي، ويزيد من مخاوف الدول المختلفة، ويعقد الوضع المتشابك أصلًا في المنطقة.
وعلى صعيد مستقبل العلاقات بين الصين وايران بعد مقتل خامنئي، قال ون شياوبياو من معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية، في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام الصينية تشيانجيانغ وانباو وشياكه داو “حتى إذا حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل الدفع نحو إيران جديدة، فإن النفوذ الاقتصادي للصين يضمن استمرار الشراكة الاقتصادية، مما يجعل العلاقات الثنائية غير متأثرة بالعوامل الخارجية.”
وأضاف: “إذا تحولت إيران إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا، فلن ترفض التجارة مع الصين. حتى لو تم تشكيل حكومة جديدة وجرى لاحقًا رفع العقوبات الأمريكية عن إيران، فإن ذلك سيؤدي في الواقع إلى استقرار الاستثمارات الصينية داخل البلاد.”
وأوضح ون أن الإطاحة بالنظام القائم ستكون صعبة نظرًا لـ “الأسس الأيديولوجية والاجتماعية القوية لطهران” و”الخبرة الواسعة في مواجهة القوى الكبرى”.
وأشار دبلوماسي صيني سابق، متحدثا شريطة عدم الكشف هويته، لصحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست الصادرة من هونغ كونغ إلى أن النفوذ الاقتصادي للصين سيبقي طهران منخرطة في العلاقات الثنائية بغض النظر عن أي تحول سياسي داخلي، مستشهدًا بـ “حجم الطلب الصيني على النفط، وقوة التجارة والاستثمار، واستعداد الصين لتطوير شراكات اقتصادية غير مشروطة”.
وأوضح المحللون أن إيران أظهرت قدرة كبيرة على التكيف بعد وفاة خامنئي، بما في ذلك الانتقال السريع إلى قيادة مؤقتة وبدء عملية الخلافة السياسية، فضلًا عن قدرة الحرس الثوري الإيراني على الحفاظ على ضربات منظمة.
ورأى الخبراء أن الصين تتبع سياسة براغماتية عميقة الجذور في التعامل مع إيران، ما يضمن استمرار العلاقات رغم أي تحولات أيديولوجية.
وقالت أندريا غيسيلي، محاضرة في جامعة إكستر ورئيسة أبحاث مشروع الصين-الشرق الأوسط “الصين تتسم بقدر كبير من البراغماتية في مثل هذه القضايا. ولن يكون من المفاجئ إذا كانت القيادة الإيرانية الجديدة شخصًا سبق أن عمل مع بكين.”
وأضافت “قد ترحب الصين حتى بقيادة إيرانية أقل تشددًا وأقل أيديولوجية.”
وأوضح الخبراء أن الصين أظهرت قدرة مستمرة على إعادة بناء علاقات منتجة مع الأنظمة المتعاقبة في الدول التي شهدت تغيرًا سياسيًا غير مسبوق.
وقال ون شياوبياو أيضًا أن العلاقات الصينية-الإيرانية لن تتأثر بالعوامل الخارجية، مؤكدًا أن الصين قد تستخدم تأثيرها لاقتصادي لضمان استقرار الشراكة حتى مع أي تحول في النظام الإيراني.
وترتبط الصين وإيران بعلاقات وثيقة وقد أبرزت الصين أهمية الواردات من النفط الإيراني كجزء من الشراكة الاستراتيجية لأمن الطاقة، مشيرة إلى أن هذه التجارة “مشروعة وتخضع للسيادة الاقتصادية” ورفضت الضغوط الأمريكية الأحادية.
وقد حذر وزير الخارجية الصيني وانغ يي خلال مكالمة مع نظيره الروسي سيرجي لافروف من أن الوضع في الشرق الأوسط قد “يدفع إلى هاوية خطيرة”، داعيًا دول الخليج إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار، وقال “يجب على جميع الأطراف بذل جهود قوية لتعزيز السلام ووقف الحرب.”