رئيس التحرير
خالد مهران

المهندس محمد الفيشاوى يكتب: رمضان ولصوص الوقت

المهندس محمد الفيشاوى
المهندس محمد الفيشاوى

يأتي شهر رمضان كل عام حاملا معه فرصة  فريدة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، حيث تتهيأ النفوس للارتقاء في مدارج القرب من الله تعالى، غير أن واقعا مؤلما يتكرر كل عام وكل مرة نقرر فيها ان نتغير للأفضل ؛ إذ يدخل كثير من الناس رمضان ويخرجون منه دون تحول حقيقى يظهر فى السلوك البشرى أو الارتقاء الروحى.

والسبب في كثير من الأحيان لا يكون فى ارتكاب المعاصيى الصريحة بقدر ما يكون وراء  ذلك، هو العدو الخفى الذي يتسلل بهدوء إلى أيام الشهر الكريم، إنهم لصوص الوقت.

هؤلاء اللصوص لا يلفتون الانتباه، ولا يثيرون الضجيج، بل يعملون فى صمت عبر عادات يومية لا نعبأ بها، حتى نكتشف انقضاء رمضان دون أن نبلغ الغاية التي شُرع الصيام من أجلها، وهي التقوى، حيث قال تعالى:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
والتقوى، هى الغاية العظمى للصيام. 
التقوى ليست مفهوما وعظيا مجردا، بل هي حالة وعى دائم تضبط السلوك وتهذب الدوافع وتنشئ الرقابة الداخلية لدى الإنسان. 
.ومن منظور نفسى، فإن الصيام يمثل برنامجا تدريبيا عالى الكثافة شديد التركيز لضبط النفس، وارتقاء الروح، وتقوية الإرادة، وشد العزيمة، وإعادة تشكيل العادات.

للأسف فإن هذا البرنامج يفقد أثره حين يُستنزف الوقت فيما لا ينفع، فيتحول الصيام إلى ممارسة شكلية في امتناع المسلم عن شهوتى البطن والفرج، بلا مردود تربوى مأمول.

من أبرز مظاهر سرقة الوقت في رمضان:

- الاستهلاك الرقمى المفرط والتصفح العشوائى ومتابعة المقاطع القصيرة بلا هدف، يستنزفان الانتباه ويضعفان الحضور القلبي، ومع توالى الدقائق المهدرة، يتراجع نصيب القرآن والذكر دون أن يشعر المرء.
-،السهر غير المنضبطة، حيث يتحول الليل إلى سهر فارغ، تكون النتيجة نوما عن الفجر وخمولا فى النهار، فتضيع بركة الوقت فى شهر يفترض أن يكون موسم قيام وإحياء.
- الانشغال بما لا يفيد فى الجدل والمتابعات الهامشية، مما يبدد الطاقة الذهنية ويقسى القلب، بينما القاعدة النبوية  تقرر أنه "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". 
- اختزال رمضان فى المظاهر، تجهيز الطعام المثير، والبرامج الترفيهية، والمسلسلات التلفزيونية وهذه بذاتها تبدد الوقت وتهوى بالنفس إلى مفاسد كثيرة لا حصر لها. 
كل هذا يفقد الصيام روحه التربوية، ويتحول إلى عادة اجتماعية أكثر منها عبادة روحية راقية ومشروع سنوى كبير. 
- التسويف الدينى بتأجيل الاجتهاد إلى "وقت لاحق"، هو من أخطر الآفات النفسية ؛ لأنه يمنح شعورا زائفا بالقدرة على السيطرة، بينما الوقت يتسرب فى هدوء ويتسلل فى خفية.

لنحعل إذا من رمضان مشروع سنوى يحقق التقوى وحمايته من الضياع باتباع بعض الإجراءات العملية:
- تحديد هدف إيمانى واضح يتجاوز مجرد الصيام إلى تحقيق نقلة سلوكية حقيقية.
- إدارة واعية لليوم وتوزيع متوازن للوقت بين العبادة والعمل والراحة.
- تطبيق نظرية الاستبدال بملأ أوقات الفراغ بأنشطة إيمانية نافعة مثل الذكر وقراءة القرآن، بدلا من المنع، لما للمنع من آثار سلبية. 
- المراجعة اليومية للنفس بقياس مؤشرات التحسن فى السلوك والعبادة " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ".

إن أخطر ما يواجه المسلم في رمضان ليس قلة القدرة على الطاعة، بل تسرب الوقت في هدوء حتى تنقضى أيام الشهر دون أثر باق.
رمضان فى جوهره ليس موسم امتناع جسدى فحسب، بل هو مشروع تغيير شامل يعيد تشكيل الإنسان.
فليكن إذا  الوعى بالوقت هو خط الدفاع الأول. 
لنجعل شعارنا هذا العام 
" ليس المهم أن نصوم فقط، بل أن نخرج من رمضان أكثر تقوى".