خبير تربوى: "الحضور المدرسي وكثافة الفصول".. إنجازات حقيقية أم أرقام مبالغ فيها؟
قدّم الدكتور محمد كمال، أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، قراءة تحليلية لتصريحات وزير التربية والتعليم والتعليم الفني أمام لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، والتي استعرض خلالها الحساب الختامي للوزارة عن العام الماضي، إلى جانب أبرز مؤشرات تطوير المنظومة التعليمية وخطط الإصلاح الجاري تنفيذها.
ارتفاع الحضور المدرسي.. تحسن ملحوظ دون بلوغ 90%
أشار الوزير إلى ارتفاع نسب الحضور المدرسي من 9% – 15% في فترات سابقة إلى نحو 90% حاليًا، بما يعكس –حسب عرضه عودة الطلاب للمدارس وتقليل الاعتماد على الدروس الخصوصية.
وفي تعليقه، أكد الدكتور محمد كمال أن نسب الحضور شهدت بالفعل تحسنًا خلال العام الماضي مقارنة بأعوام سابقة، إلا أنها – وفق تقديره – لم تصل إلى 90%، خاصة في المدارس الثانوية والتعليم الفني (الدبلومات). كما دعا إلى إعادة النظر في حجم التكليفات الدراسية، مشيرًا إلى أنها لا تستند دائمًا إلى أسس تقييم تربوي منضبط.
تخفيض كثافة الفصول.. إنجاز فعلي دون تحميل الموازنة أعباء جديدة
واعتبر أستاذ الفلسفة أن خفض كثافة الفصول إلى أقل من 50 طالبًا يُعد من الإنجازات الحقيقية للوزارة، لافتًا إلى أن بعض المدارس كانت تصل كثافتها سابقًا إلى 200 طالب في الفصل الواحد.
وأوضح أن الوزارة نجحت في معالجة الأزمة عبر إعادة هيكلة المواد واستغلال الفراغات المتاحة، دون التذرع بضعف المخصصات المالية، مشيرًا إلى أن إنشاء الدولة نحو 150 ألف فصل خلال السنوات العشر الماضية لم يكن كافيًا بمفرده لحل الأزمة، لولا الإجراءات التنظيمية المصاحبة.
عجز المعلمين.. حلول جزئية وحاجة إلى تعيينات عاجلة
وفيما يتعلق بإعلان القضاء على عجز المعلمين في المواد الأساسية، قال الدكتور محمد كمال إن الوزارة عالجت الأزمة عبر إلغاء بعض المواد ودمج أخرى، إلى جانب خفض عدد الحصص، إلا أن العجز ما زال قائمًا بدرجة غير قليلة.
وطالب بسرعة استكمال إجراءات تعيين عشرات الآلاف ممن أنهوا متطلبات التوظيف، مؤكدًا أن دعم الدولة لهذه الخطوة ضروري لإنجاح خطة الإصلاح.
تطوير 94 منهجًا.. تقليل التكلفة لا يعني خفض الجودة
أشاد كمال بجهود الوزارة في وقف إهدار المال العام في ملف الكتب المدرسية، معتبرًا ذلك خطوة تستحق التقدير، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تخفيف العبء المالي لا يجب أن ينعكس على جودة المناهج، خاصة في ظل تطورات عام 2026 ومتطلبات التعليم الحديثة.
مقترح مدّ التعليم الإلزامي إلى 13 عامًا
وتطرق إلى مقترح زيادة سنوات التعليم الإلزامي لتصبح 13 عامًا بضم مرحلة رياض الأطفال خلال عامين أو ثلاثة، معتبرًا أن القرار يتطلب تأنّيًا، في ظل استمرار عجز المعلمين والحاجة إلى بيئة تعليمية مؤهلة قبل تطبيقه فعليًا.
إنهاء الفترات المسائية بحلول 2027
ورحّب بالخطة المعلنة لإلغاء الفترات المسائية في المدارس الابتدائية بحلول عام 2027، معربًا عن أمله في الالتزام بالجدول الزمني المحدد.
الثانوية العامة ونظام البكالوريا.. الحكم مؤجل وأزمة الغش قائمة
وفي ملف تطوير الثانوية العامة، أشار إلى أن إعادة هيكلة مواد نظام البكالوريا الجديد من 32 مادة إلى عدد أقل يُعد توجهًا يتماشى مع النظم العالمية، إلا أن الحكم على التجربة يظل مرهونًا بالتطبيق العملي.
ولفت إلى أن الوزير لم يتطرق بشكل كافٍ إلى أزمة تأمين الامتحانات ومنع الغش الإلكتروني ولجان الغش الجماعي، معتبرًا أن هذه الأزمة الممتدة قد تنتقل إلى نظام البكالوريا إذا لم تُعالج جذريًا.
التعليم الفني.. أولوية للورش لا للأجهزة
وفيما يتعلق بالتعليم الفني، ثمّن خطوات التعاون الدولي لتطوير 103 مدارس بالشراكة مع إيطاليا، والتفاوض مع الجانب الإنجليزي لإنشاء 100 مدرسة، إضافة إلى التعاون مع ألمانيا.
لكنه انتقد التوسع في توزيع أجهزة “التابلت”، معتبرًا أن استخدامها بالشكل الحالي يمثل إهدارًا للمال العام، ما لم يتحول إلى بديل حقيقي للكتاب المدرسي وأداة لدخول منصات الوزارة، دون الاعتماد عليه في إجراء الامتحانات.
وأكد أن الأولوية لطلاب التعليم الفني يجب أن تكون لتوفير الورش والمعامل والتدريب العملي، باعتبارها الركيزة الأساسية لإعداد خريج مؤهل لسوق العمل.
البرمجة والذكاء الاصطناعي.. بين الطموح والتطبيق
وفي ما يخص تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الأول الثانوي بالتعاون مع اليابان ومنح شهادة معتمدة من جامعة هيروشيما، أشار كمال إلى أن التجربة شهدت مشكلات تقنية، من بينها تعطل المنصة وخروج الطلاب من الامتحان وظهور محتوى بلغة غير مترجمة.
وشدد على ضرورة إجراء الامتحانات بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الإنترنت، موضحًا أن الاستفادة الفعلية من مادة البرمجة قد تقتصر على طلاب المسار الهندسي، بينما تمثل الشهادة الممنوحة إثباتًا لدراسة المادة أكثر من كونها تأهيلًا مهنيًا حقيقيًا.
غياب ملف تحسين أوضاع المعلمين
واختتم الدكتور محمد كمال قراءته بالتأكيد على أن الوزير حقق نجاحات ملموسة في بعض الملفات خلال ولايته الأولى، إلا أن هناك تحديات لم تُحسم بعد، بعضها يرتبط بضعف الإمكانات أو بعوامل مجتمعية أوسع.
كما لفت إلى غياب أي تصريحات واضحة بشأن تحسين دخول المعلمين والإداريين وظروف عملهم، معتبرًا ذلك ملفًا أساسيًا لضمان استدامة الإصلاح.
وفيما يتعلق بتراجع الدروس الخصوصية بنسبة 50% وفق ما أُعلن، رأى أن الواقع في بعض المحافظات الكبرى لا يعكس تغيرًا جذريًا حتى الآن، وإن كان يتوقع تراجعها تدريجيًا حال استمرار معالجة أسباب اللجوء إليها، خاصة في ظل تطبيق نظام البكالوريا الجديد.