رئيس التحرير
خالد مهران

تقارير رسمية ودولية وراء الإطاحة بوزراء حكومة مدبولي والتعجيل بالتغير الوزاري

النبأ

 

- فشل برامج "الإصلاح الاقتصادي" في مصر: الفقر مرتفع والتعليم في أزمة

- اختلالات مستمرة في الصحة  وسوق العمل رغم تصريحات مدبولي عن "الاستثمار في الإنسان"

-انعدام الأمن الغذائي في مصر وعبء صحي ثقيل على المواطنين

 

كرّر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي خلال عشرة أيام عدة تصريحاته التي تؤكد أن "الاستثمار في الإنسان" يمثل أولوية للدولة المصرية، وأن الحكومة حققت طفرة نوعية في هذا المجال، مشددًا على أن بناء الأوطان لا يتحقق إلا ببناء الإنسان، وأن الدولة وضعت الإنسان في صدارة أولوياتها.

 

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي عقب جولة رئيس الوزراء بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، حيث أكد أن الحكومة تولي الأولوية القصوى لملفات الصحة والتعليم والإنتاج والنمو والتشغيل، وأن مصر تحقق طفرة نوعية في كل هذه المجالات.

إلا أن بيانات مؤشرات التنمية الرسمية والدولية تظهر واقعًا مختلفًا، حيث تكشف استمرار اختلالات هيكلية في قطاعات التعليم والصحة وسوق العمل ومستويات المعيشة، وهي القطاعات التي تُعد المعيار المباشر لقياس مدى نجاح أي استراتيجية تهدف إلى "الاستثمار في الإنسان".وقد تكون تلك التقارير هي السبب الحقيقي في التعجيل بالتغير الوزاري والإطاحة بعدد من الوزراء في الحكومة الحالية وتجديد الدماء والأفكار في عدد منالملفات الهامة التي تتعلق بازمات المواطنين.

ويشير هذا التباين بين الخطاب الرسمي والبيانات الميدانية إلى أن ما أعلنته الحكومة لم يترجم بعد إلى تحول نوعي ملموس ينعكس على حياة المواطنين اليومية، ما يطرح تساؤلات حول جدوى السياسات الحالية ومدى فعاليتها في تحقيق تحسينات حقيقية في جودة الحياة.

تقارير أممية ودولية تكشف إخفاق مصر في الاستثمار في الإنسان

 

أظهرت أحدث بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقرير التنمية البشرية 2023/2024 أن مصر جاءت في المرتبة 105 عالميًا في مؤشر التنمية البشرية، وهو مؤشر مركب يعتمد في ثلثي قيمته على الصحة والتعليم، ما يشير إلى غياب أي تحسن نوعي في المكونات الأساسية لبناء الإنسان.

ويؤكد التقرير أن التحسن في المؤشر ظل محدودًا وغير تحولي، مع استمرار فجوات واضحة في جودة التعليم، ومتوسط العمر المتوقع، ومستويات الدخل الحقيقي للفرد، وهي عناصر لا يمكن تعويض ضعفها بتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي أو التوسع في تنفيذ المشروعات الكبرى.

وعلى مستوى التعليم، تشير بيانات البنك الدولي في Learning Poverty Brief – Egypt (أبريل 2024) إلى أن 56% من الأطفال بنهاية المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة وفهم نص بسيط، ما يعكس أزمة جوهرية في نواتج التعلم الأساسية ويضعف جهود إعداد "جيل واعٍ مستنير". كما يظهر الوضع أسوأ بثلاث نقاط مئوية مقارنة بمتوسط دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع ارتباط أزمة التعلم أساسًا بجودة التعليم داخل المدارس وليس الإتاحة.

أما على صعيد الإنفاق العام، فقد تراجعت نسب الإنفاق على الصحة من 1.5% إلى 1.4% من الناتج المحلي، وعلى التعليم من 3.7% إلى 1.8% بين العام المالي 2014/2015 وموازنة 2025/2026، فيما تُظهر بيانات الموازنة أن أكثر من 50% من مخصصات التعليم تُوجه لسداد فوائد الديون، بينما لا تتجاوز المخصصات الفعلية للوزارة 1.8% من الناتج المحلي مقارنة بالنسبة الدستورية البالغة 6%. وبالنسبة لقطاع الصحة، يُسدد 43% من المخصصات فوائد ديون، فيما لا تتجاوز المخصصات الفعلية 1.2% من الناتج المحلي، مقارنة بالحد الدستوري 3%.

وعلى مستوى سوق العمل، تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى تراجع معدل التشغيل من 44.5% في 2013 إلى 41.3% في 2024، ما يعكس استمرار ضعف قدرة الاقتصاد على توفير وظائف مستقرة وذات دخل حقيقي للأفراد.

وتشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن جهود الحكومة في الاستثمار في الإنسان لم تتحقق على أرض الواقع، فيما تستمر فجوات كبيرة في التعليم والصحة ومستويات المعيشة وسوق العمل، وهو ما ينفي أي قفزة نوعية ملموسة على مدار السنوات الماضية.

 

 ارتفاع الفقر وانعدام الأمن الغذائي في مصر وعبء صحي ثقيل على المواطنين

 

أظهرت بيانات رسمية وتقارير أممية صدرت بين 2022 و2024 تدهور الوضع المعيشي في مصر، مع ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي وتزايد العبء المالي على المواطنين في قطاع الصحة.

 

وأشار تقرير أممي رسمي لعام 2024 إلى أن معدل انعدام الأمن الغذائي المعتدل أو الشديد ارتفع من 26.4% بين عامي 2014–2016 إلى 29.8% بين عامي 2021–2023، ما يعني أن نحو ثلث السكان يواجهون صعوبة مستمرة في الحصول على غذاء كافٍ، فيما يدفع ارتفاع كلفة الأنظمة الغذائية الصحية الأسر للاعتماد على أطعمة أرخص وأقل قيمة غذائية.

كما ارتفع معدل الفقر من 26.3% في 2012/2013 إلى 32.5% في 2017/2018، قبل أن يتراجع إلى 29.7% في 2019/2020، غير أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء توقف عن إصدار النشرات بسبب توصية الأجهزة الأمنية، ما أدى إلى نقص في البيانات الرسمية الدقيقة.

وعلى صعيد الإنفاق الاجتماعي، بلغت مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في موازنة العام المالي 2025/2026 نحو 3.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، في حين تشير بيانات البنك الدولي إلى استمرار فجوة كبيرة في توزيع الدخل، حيث يحصل أعلى 20% من السكان على 38.6% من إجمالي الدخل، مقابل 9.7% فقط لأدنى 20%.

وفي القطاع الصحي، أظهرت بيانات البنك الدولي لعام 2022 أن الإنفاق المباشر من جيب الأسر المصرية شكل 53.83% من إجمالي الإنفاق الصحي، مقارنة بمتوسط عالمي يبلغ 17.23%، ما يعكس ضعف الحماية المالية للمواطنين وارتفاع مخاطر الفقر أو الاستدانة بسبب المرض، سواء في الأدوية أو الكشف أو العمليات، مع اعتماد محدود للتمويل العام على الخدمات الصحية.

فشل برامج "الإصلاح الاقتصادي" في مصر: الفقر مرتفع والتعليم في أزمة

 

منذ إطلاق الحكومة المصرية برنامج الإصلاح الاقتصادي عام 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، استهدف البرنامج معالجة اختلالات الاقتصاد الكلي، من تحرير سعر الصرف وضبط المالية العامة، وقد قُدم باعتباره مدخلًا لتحقيق الاستقرار والنمو وخفض الفقر.

 

إلا أن التقييمات الاجتماعية والبيانات الرسمية تشير إلى مسار مختلف. فحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع معدل الفقر من 26.3% في 2012/2013 إلى 32.5% في 2017/2018، قبل أن يتراجع مؤقتًا إلى 29.7% في 2019/2020. ويشير أحدث موجز للبنك الدولي في أكتوبر 2025 إلى أن نحو 33.5% من السكان تحت خط الفقر، أي نحو ثلث المصريين، وهو ما يعكس عدم تحقق أي تراجع ملموس في الفقر خلال السنوات الماضية.

 

وتؤكد بيانات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن برامج صندوق النقد الدولي لم تسهم في معالجة أسباب الفقر البنيوية، بل زادت الضغوط المعيشية عبر سياسات رفعت الأسعار وقلصت القدرة الشرائية، دون توفير فرص عمل منتجة ومستقرة، فيما ربط البنك الدولي الفقر أيضًا باختلالات سوق العمل وتراجع مشاركة القوى العاملة، خاصة النساء.

 

على صعيد التعليم، تكشف بيانات البنك الدولي في تقرير Learning Poverty Brief – Egypt (أبريل 2024) أن 56% من الأطفال بنهاية المرحلة الابتدائية لا يجيدون القراءة، وهو معدل أسوأ من متوسط المنطقة بمقدار 3 نقاط مئوية، كما تظهر نتائج اختبارات PIRLS أن 55% من التلاميذ لا يحققون الحد الأدنى العالمي لمهارات القراءة.

 

وتضيف تقارير اليونيسف أن نحو ستة من كل عشرة أطفال في سن العاشرة غير قادرين على قراءة أو كتابة نص بسيط، فيما يوضح تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة أن مصر جاءت في المرتبة 105 عالميًا في مؤشر التنمية البشرية، مع استمرار فجوات واضحة في جودة التعليم ومستوى الدخل الحقيقي.

 

ورغم النصوص الدستورية التي تحدد نسبًا ملزمة للإنفاق على التعليم، تشير بيانات موازنة 2025/2026 إلى أن غالبية المخصصات توجه لسداد فوائد الديون، فيما لا يتلقى قطاع التعليم سوى 1.8% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تنص الدستور على 6%، ما يعكس فجوة كبيرة بين المخصصات الرسمية والنفقات الفعلية.

 

تشير هذه المؤشرات مجتمعة إلى أن برامج الإصلاح الاقتصادي منذ 2016 لم تحقق أهدافها المعلنة على صعيد الفقر والتعليم، في حين تستمر الضغوط المعيشية على الأسر المصرية، ويبقى الاستثمار في الإنسان بعيدًا عن الواقع الميداني، على عكس ما يعلن المسؤولون الحكوميون.