وزير المالية يفتح ملف الإصلاح الضريبي مع المحاسبين (صور)
في إطار توجه الدولة نحو ترسيخ الشراكة مع المجتمع الضريبي، عقد أحمد كجوك، وزير المالية، حوارًا مفتوحًا مع شعبة مزاولي المهن الحرة للمحاسبة والمراجعة بنقابة التجاريين، كشف خلاله عن ملامح المرحلة المقبلة من الإصلاح الضريبي، مؤكدًا أن الوضع الاقتصادي والمالي يشهد تحسنًا ملحوظًا، وأن الحكومة تعمل على إدارة المالية العامة “بتوازن شديد” يضمن دفع معدلات النمو، دون الإخلال بمسار الانضباط المالي.
الحوار لم يكن بروتوكوليًا بقدر ما حمل رسائل سياسية واقتصادية مباشرة، عكست رغبة وزارة المالية في بناء مسار إصلاحي توافقي، ينطلق من الواقع، ويضع الممولين وشركاء المنظومة الضريبية في قلب عملية التطوير.
تحسن اقتصادي وانضباط مالي
أكد وزير المالية أن المؤشرات الاقتصادية والمالية تسير في اتجاه إيجابي، رغم التحديات الداخلية والخارجية، مشيرًا إلى أن إدارة المالية العامة باتت تعتمد على موازنة دقيقة بين تحفيز النشاط الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار المالي.
وأوضح أن هذا التوازن هو الركيزة الأساسية لسياسات الوزارة في المرحلة الحالية، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها الموازنات العامة، والحاجة إلى توفير موارد مستدامة تُمكّن الدولة من الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية والتنموية.
توسيع القاعدة الضريبية أولوية المرحلة
ووضع كجوك توسيع القاعدة الضريبية على رأس أولويات الإصلاح، معتبرًا أن العدالة الضريبية لا تتحقق فقط من خلال زيادة الحصيلة، بل عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي، وتخفيف العبء عن الملتزمين، وتحفيز مجتمع الأعمال.
وقال إن توسيع القاعدة الضريبية هو المدخل الحقيقي لتحفيز الاستثمار وزيادة الإنفاق على التنمية البشرية، بما يشمل قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مؤكدًا أن أي إصلاح ضريبي حقيقي يجب أن ينعكس في النهاية على تحسين جودة حياة المواطنين.
التسهيلات الضريبية… صوت المجتمع الضريبي
وشدد الوزير على أن مسار التسهيلات الضريبية لم يُفرض من أعلى، بل جاء نتاجًا مباشرًا لتفاعل الوزارة مع المجتمع الضريبي، قائلًا: «كل اللي بنعمله في مسار التسهيلات جاي من المجتمع الضريبي، وندرك التحديات وسنتعامل معها بكل جدية».
وأضاف أن الوزارة تمتلك رؤية واقعية للتحديات التي تواجه المنظومة الضريبية، سواء تلك المرتبطة بالتشريعات أو بالإجراءات أو بالخدمات المقدمة للممولين، مشيرًا إلى أن التعامل مع هذه التحديات يتم عبر معالجات مرنة ومحفزة ومتطورة، تضع الممول كشريك لا كمجرد طرف خاضع للضريبة.
تطبيق فعلي قبل الانتقال لحزم جديدة
وفي رسالة تعكس حرص الحكومة على استعادة الثقة، أكد وزير المالية أن الوزارة لن تنتقل إلى أي حزمة جديدة من التسهيلات قبل التأكد من التطبيق الكامل والفعلي للحزمة الحالية على أرض الواقع.
وأوضح أن هذا النهج يستهدف ترسيخ “شراكة الثقة” بين مصلحة الضرائب والممولين، مشددًا على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار القرارات، بل في حسن تنفيذها وضمان وصول أثرها الإيجابي إلى المجتمع الضريبي.
خدمات ضريبية أفضل وعوائد تنموية
وأشار كجوك إلى قناعة الوزارة الكاملة بضرورة حصول الممولين على أفضل مستوى من الخدمات الضريبية، معتبرًا أن تحسين الخدمة هو جزء أصيل من الإصلاح، لا يقل أهمية عن التعديلات التشريعية.
وأكد أن الهدف النهائي هو تحقيق عوائد تنموية حقيقية يشعر بها المواطن في مختلف مناحي الحياة، موضحًا أن الإصلاحات المستهدفة يجب أن “تكون لايقة علينا وتناسب أولوياتنا واحتياجاتنا”، في إشارة إلى رفض استنساخ نماذج جاهزة لا تتوافق مع الواقع المصري.
دور محوري لشعبة مزاولي المهن الحرة
وفي خطوة تعكس الرهان على الخبرات المهنية، أعلن وزير المالية عن بدء مرحلة جديدة من التعاون مع شعبة مزاولي المهن الحرة للمحاسبة والمراجعة بنقابة التجاريين، مؤكدًا أن الشعبة، بما تمتلكه من خبرات ميدانية، تعد أكثر قدرة على شرح التسهيلات الضريبية، ومتابعة تطبيقها، وتقييم آثارها على أرض الواقع.
وأوضح أن الوزارة تعوّل على هذا الدور في سد الفجوة بين السياسات المعلنة والتطبيق العملي، خاصة في ظل الدور المحوري الذي يلعبه المحاسبون والمراجعون في المنظومة الضريبية.
مساندة حكومية مقابل خدمة المجتمع الضريبي
وأكد كجوك استعداد وزارة المالية لتقديم كل أشكال المساندة والدعم لشعبة مزاولي المهن الحرة، مقابل خدمات تصب في مصلحة المجتمع الضريبي، سواء على مستوى التوعية أو التدريب أو نقل الملاحظات والتحديات من أرض الواقع إلى صانع القرار.
وشدد على أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تقوم على التعاون وتبادل الثقة، وليس على الصدام أو سوء الفهم، معتبرًا أن نجاح الإصلاح الضريبي مرهون بمدى اقتناع الشركاء به.
مقترحات الشعبة في صدارة الاهتمام
واختتم وزير المالية حديثه بالتأكيد على أن جميع مقترحات وتوصيات شعبة مزاولي المهن الحرة للمحاسبة والمراجعة محل اهتمام ودراسة، وأن الوزارة ستستفيد منها تدريجيًا في صياغة مسار إصلاح ضريبي مستدام.
وأوضح أن الإصلاح لن يكون قرارًا لحظيًا، بل عملية تراكمية تستند إلى الحوار، والتقييم المستمر، وتصحيح المسار، بما يضمن بناء منظومة ضريبية عادلة ومحفزة، وقادرة على دعم الاقتصاد الوطني في المدى الطويل.
بهذا الحوار، يفتح وزير المالية صفحة جديدة في العلاقة مع المجتمع الضريبي، عنوانها الشراكة والثقة، ومضمونها إصلاح واقعي يستهدف النمو والتنمية، بعيدًا عن الحلول الشكلية أو الإجراءات المعزولة عن الواقع.







