بين الدستور والتنظيم الإدارى.. لغز حرمان النساء من الحق فى الإقامة داخل الفنادق السياحية
في الأيام الأخيرة أثارت واقعة رفض أحد الفنادق في محافظة بورسعيد تسكين سيدة وحدها في غرفة للإقامة جدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية والقانونية في مصر.
دفعت الواقعة كثيرين للتساؤل عن مدى قانونية هذه الممارسات، وهل هي مجرد سياسة خاطئة تتبعها بعض الفنادق أم أنها مبنية على نص قانوني رسمي.
وتناقل رواد وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع وصورًا توثق رفض إدارة الفندق حجز الغرفة لفتاة بمفردها، وهو ما اعتبره الكثيرون تمييزًا ضد المرأة وغير قانوني.
وعلى الرغم من نفي وزارة السياحة والجهات الرسمية، وجود أي تعليمات تمنع إقامة السيدات وحدهن في الفنادق، إلا أن حالات مشابهة ظهرت في محافظات أخرى، ما دفع النواب والحقوقيين وخبراء السياحة للتدخل وإبداء آرائهم بشأن هذه القضية.
السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه الآن هو ما إذا كان هذا الرفض تعسفيا أم له أي سند قانوني؟، وما الدور الذي يلعبه البرلمان والجهات الرقابية في حماية حقوق المرأة في مواجهة مثل هذه الممارسات؟
كما أثارت الواقعة نقاشا أوسع حول الفجوة بين النصوص القانونية والتنفيذ الفعلي، وضرورة وجود آليات رادعة لضمان تطبيق القانون على أرض الواقع ومنع تكرار مثل هذه الحوادث التي تمس حقوق المواطنين والمواطنات على حد سواء.
احترام حق المرأة
في هذا الإطار، أكدت النائبة عبلة الهواري، عضو مجلس النواب، أن رفض تسكين السيدات وحدهن في الفنادق يمثل، إذا ثبت حدوثه، إجراءً غير قانوني وغير دستوري.
وأوضحت «الهواري» أن الدستور يكفل مبدأ المساواة وعدم التمييز بين المواطنين على أساس الجنس، بما يشمل الحق في الإقامة والتنقل، وأن أي منشأة فندقية لا يحق لها منع المرأة من الإقامة وحدها، لأن ذلك يُعد انتهاكًا مباشرًا للحقوق الدستورية.
وأضافت أن البرلمان يتابع مثل هذه الممارسات عن كثب، وقدمت طلب إحاطة رسمي لرئيس الوزراء ووزير السياحة لمتابعة ما إذا كانت هناك تعليمات فعلية تُقيّد إقامة النساء وحدهن، مطالبة بإصدار توجيهات واضحة لجميع الفنادق تلزمها باحترام حق المرأة في الإقامة دون تمييز.
وأكدت أن استمرار هذه الممارسات في بعض المنشآت، إذا لم يتم مواجهتها، يمثل سابقة خطيرة قد تؤثر على حقوق المواطنة وتتنافى مع توجهات الدولة في دعم تمكين المرأة والمساواة بين المواطنين.
كما شددت على أن دور البرلمان ليس مقتصرا على التشريع فقط، بل يمتد إلى مراقبة تطبيق القوانين وحماية حقوق المواطنين، مشيرة إلى أن أي تجاوز أو تمييز يمارس ضد المرأة في مجال الخدمات الفندقية يجب أن يُحاسب عليه قانونيا، خصوصا أن هذه الممارسات قد تكرّس أفكارا خاطئة في المجتمع عن محدودية حقوق المرأة.
تطبيق القانون
على الجانب الحقوقي، عبّرت المحامية نهاد أبو القمصان، رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة، عن موقف حاد ينتقد ما وصفته بـ«غياب آليات الرقابة والتنفيذ الفعلي» فيما يتعلق بحق المرأة في الإقامة وحدها في الفنادق.
وقالت «أبو القمصان» -في تصريحات متلفزة- إن الدستور والقوانين المصرية واضحين في حظر التمييز ضد المرأة في تقديم الخدمات، وأن المشكلة تكمن في عدم تطبيق هذه القوانين على أرض الواقع، ما يجعل بعض الفنادق تتعامل مع إقامة المرأة بمفردها كمسألة اختيارية أو عرف اجتماعي، وليس كحق قانوني مكفول.
وأضافت أن استمرار مثل هذه الممارسات يعكس ضعف التوعية القانونية لدى إدارات الفنادق والعاملين فيها، مشيرة إلى أن التدريب القانوني ورفع الوعي بحقوق النزلاء يمثلان عنصرين أساسيين لمنع مثل هذه الانتهاكات.
وشددت «أبو القمصان» على ضرورة وجود عقوبات رادعة وإجراءات واضحة للردع لضمان احترام حقوق المرأة، معتبرة أن مجرد نفي وزارة السياحة لأي تعليمات تمنع الإقامة وحدها ليس كافيا ما لم يتحول إلى تنفيذ صارم وملزم على جميع المنشآت الفندقية.
كما أوضحت أن أي ثغرة في الرقابة التنفيذية تشجع بعض الفنادق على الاستمرار في هذه السياسات الخاطئة، ما يستدعي تدخلا عاجلا من السلطات المعنية للتأكد من تطبيق القانون على الأرض وحماية حقوق جميع المواطنين، خاصة النساء اللائي قد يتعرضن لمثل هذه الممارسات بشكل متكرر.
خلل في التطبيق العملي
ومن منظور قطاع السياحة، قال مجدي صادق، عضو غرفة شركات السياحة، إن قانون تنظيم السياحة لا يعرف التمييز بين المواطنين في تقديم الخدمات الفندقية، وأن أي منشأة فندقية ملزمة قانونا باستقبال جميع الضيوف دون تمييز على أساس الجنس أو الحالة الاجتماعية ما دام توفرت الغرفة المطلوبة.
وأوضح «صادق» أن بعض المشكلات التي تظهر في بعض الفنادق تعود في كثير من الأحيان إلى سياسات إدارية فردية وليست نتيجة نصوص قانونية أو تعليمات رسمية من وزارة السياحة، مؤكّدا أن أي رفض لإقامة سيدة وحدها يُعد مخالفة صريحة للقانون، وأن القانون يتيح للمتضررة تقديم شكوى للجهات الرقابية أو للشرطة والنيابة لضمان حقها.
وأضاف أن القانون يحمي جميع النزلاء، لكن غياب الرقابة الفعلية على بعض المنشآت يسمح لهذه الممارسات بالاستمرار، رغم وضوح النصوص القانونية.
وشدد على أن المسألة ليست نقصا في التشريع، بل خلل في التطبيق العملي والسياسات الداخلية لبعض الفنادق، وهو ما يجب معالجته من خلال توجيهات واضحة من وزارة السياحة وفرض رقابة مستمرة على تنفيذ القوانين وعدم السماح بأي تجاوز أو تمييز في تقديم الخدمات السياحية.



