رئيس التحرير
خالد مهران

حجز "السبائك" وتأجيل استلامها… أسرار حيلة المواطنين للهروب من ارتفاع أسعار الذهب

شراء الذهب بالحجز
شراء الذهب بالحجز

اللجنة الدائمة للإفتاء: لا يجوز بيع الذهب إلا «يدًا بيد» وتحذير من الوقوع في الربا

حكم حجز الذهب وتأجيل استلامه في ظل ارتفاع الأسعار

عضو لجنة الفتوي: البيع بالحجز للذهب محرم شرعًا وفق الفقه الإسلامي

رد دار الإفتاء على بيع الذهب بالحج وأحكام عقد السلم

 

مع الارتفاع المستمر لأسعار الذهب، لجأ بعض المواطنين بالتعاون مع أصحاب محلات الذهب والصاغة إلى أسلوب جديد يُعرف بـ "حجز الذهب"، على غرار طريقة شراء مواد البناء أو السلع الأخرى، حيث يتفق المشتري مع المحل على حجز كمية معينة من الذهب مقابل الحصول عليها بعد فترة محددة، قد تصل إلى 30 يومًا، مع تثبيت السعر عند يوم الحجز. يستفيد أصحاب المحلات من الأموال المحجوزة في استثماراتهم أو معاملات اليومية، فيما يضمن المشتري الحصول على الذهب بالسعر المتفق عليه، سواء ارتفع أو انخفض سعر السوق لاحقًا.

وقد انتشر هذا الأسلوب بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث روى بعض الأشخاص تجاربهم مع هذه الطريقة، مثل دفع جزء من الثمن عند الحجز وتأجيل استلام الذهب، أو دفع المبلغ كاملًا عند الاستلام بعد عدة أيام أو أسابيع، مع تثبيت السعر مسبقًا.

وتثار التساؤلات الشرعية حول هذا النوع من المعاملات: "سأل أحد المواطنين عن حكم دفع جزء من الثمن مقابل حجز منتج ذهبي، على أن يتم استلامه بعد ثلاثة أيام.،وأوضح آخر أنه يحجز سبائك ذهب مع تثبيت السعر، على أن يسدد المبلغ عند الاستلام لاحقًا، سواء ارتفعت أو انخفضت قيمة الذهب في السوق قبل الاستلام.،وهناك من يسافر خارج الدولة ويريد حجز الذهب، وتحويل قيمة الشراء، واستلام الذهب فور عودته إلى الوطن".

من الناحية الشرعية، أوضح الفقهاء أن شراء الذهب يجب أن يتم بالتسليم الفوري مقابل الدفع، فيما يجوز دفع عربون لحجز الذهب إذا كان العقد واضحًا ومحددًا من حيث الوزن والنوع والسعر وموعد التسليم، أما حجز الذهب مع تحديد السعر واستلامه لاحقًا دون التزام شروط البيع الشرعي فيُعد غير جائز شرعًا بل ربا، لما فيه من غرر ومقامرة على فرق الأسعار.

رد دار الإفتاء على بيع الذهب بالحج وأحكام عقد السلم

 

قالت دار الإفتاء المصرية إن المعاملة الواردة في السؤال تُعد من قبيل عقد السَّلَم، ولا تصح بالصورة المذكورة، وتصحيحها يكون بدفع كامل الثمن عند الاتفاق، كما هو الأصل في عقد السَّلَم، أو بتأخير دفع كامل الثمن مدة لا تزيد عن ثلاثة أيام، مع مراعاة وجوب عدم توافق زمن تسليم الثمن مع زمن تسليم المبيع، وذلك أخذًا بقول المالكية.

وقد استقرت الفتوى على أن الذهب والفضة المصوغين خرجا بذلك عن كونهما أثمانًا ووسيطًا للتبادل، وانتفت عنهما علة النقدية التي توجب اشتراط التماثل والحلول والتقابض، ويترتب عليها تحريم التفاضل وتحريم البيع الآجل، فصارَا في حكم السلع الأخرى التي يُراعى فيها اعتبار قيمة الصنعة، وهي هنا الصياغة؛ إذ من المعلوم أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.

وقد اشترط جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة لصحة عقد السلم تسليم كامل الثمن في مجلس العقد، فإذا افترق البائع والمشتري قبل تسليم الثمن كاملًا بطل العقد.

وذهب المالكية في مشهور المذهب إلى جواز تأخير تسليم الثمن مدة لا تتجاوز ثلاثة أيام، كما نص على ذلك الإمام القرافي في الذخيرة (5/230، ط. دار الغرب الإسلامي)، حيث ذكر أنه لا يشترط قبض رأس المال في المجلس، ولا يفسد العقد بتأخيره يومًا أو يومين أو ثلاثة.

غير أن المالكية اشترطوا لجواز تأخير الثمن أن يكون التأخير لجميع الثمن لا بعضه، فلا يصح عقد السلم مع دفع بعض الثمن وتأخير الباقي، وألا يزيد أجل تسليم المسلم فيه عن ثلاثة أيام، وألا يُؤجل إلى وقت استلام المبيع، تجنبًا للوقوع في بيع الدين بالدين.

ويُستند في مشروعية القول بجواز تأخير الثمن في عقد السلم إلى أن هذا التأخير، وإن كان ظاهرًا، إلا أنه في حكم المقبوض قبضًا حكميًا، ومن القواعد التي بني عليها القول بجواز التأخير: ما قارب الشيء أُعطي حكمه.

ضوابط بيع الذهب والفضة وأحكام التقابض الفور

أكد مجمع الفقه الإسلامي أن بيع الذهب، سواء بالذهب أو بالفضة أو بالنقود، يشترط فيه حضور العوضين في مجلس العقد، بحيث يتم التبادل مباشرة يدًا بيد أو هاء وهاء، وهو ما يُسمى بالتقابض الفوري.

وإذا لم يحصل التقابض، اعتُبر العقد من ربا النسيئة، وهو محرم شرعًا.

وأشار الحديث الشريف إلى ذلك، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلًا بمثل، سواء بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد" (رواه مسلم 2970).

كما نصت الفتوى على أن الأوراق النقدية تُعامل مثل الفضة، فلا يجوز بيع الذهب بالنقود إلا يدًا بيد.

وبناء على ذلك، فإن أي بيع عن بُعد أو بالتحويل المصرفي قبل حصول التقابض الفوري، مثل شراء الذهب بالجملة عن طريق الهاتف أو البنوك، يُعد محرّمًا، ويستأنف البيع فقط عند حضور الثمن والمبيع، بما يتم التبادل فيه يدًا بيد.

 

اللجنة الدائمة للإفتاء: لا يجوز بيع الذهب إلا «يدًا بيد» 

أكدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عدم جواز بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة إلا بشرط التماثل في المقدار والتقابض الفوري في مجلس العقد، مشددة على أن أي معاملة تخالف ذلك تُعد من الربا المحرم شرعًا.

وأوضحت اللجنة، في فتوى صادرة عنها، أنه إذا كان أحد العوضين ذهبًا مصوغًا أو نقدًا، وكان العوض الآخر فضةً مصوغة أو نقدًا أو من العملات الأخرى، فيجوز التفاضل في القدر بينهما، بشرط تحقق التقابض قبل التفرق من مجلس العقد. وأكدت أن الإخلال بهذا الشرط يجعل المعاملة ربوية صريحة.

وحذّرت اللجنة من خطورة التساهل في هذا الباب، مشيرة إلى أن من يخالف هذه الأحكام يدخل في عموم قوله تعالى:

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾،

وذلك حسب ما قرره كل من الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الله بن قعود.

وفي س أوضحت اللجنة أنه لا حرج في الاتصال الهاتفي بمحلات الذهب للاستفسار عن الأسعار أو التأكد من توافر الكمية المطلوبة، إلا أن عملية الشراء لا تصح شرعًا إلا عند الذهاب إلى المحل، وحصول التقابض الفوري بين الذهب والنقود في مجلس التعاقد.

وأكدت الفتوى أن تغيّر سعر الذهب بين وقت الاتصال الهاتفي ووقت الذهاب إلى المحل لا يؤثر على الحكم الشرعي، إذ إن العبرة بالسعر وقت التعاقد الفعلي داخل المحل، باعتباره الزمن الذي تنعقد فيه الصفقة شرعًا.

ويأتي هذا التوضيح في ظل انتشار أنظمة «حجز الذهب» وتثبيت الأسعار مع تأجيل الاستلام، حيث شددت اللجنة على ضرورة الالتزام بالضوابط الشرعية لتجنب الوقوع في معاملات ربوية محرمة.

البيع بالحجز للذهب محرم شرعًا وفق الفقه الإسلامي

 

أكد الشيخ سليم عبد العزيز، عضو لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف، أن بيع الذهب بالعملات الورقية أو بالفضة لا يجوز إلا بشرط التقابض الفوري، حيث يجب أن يتم التبادل يدًا بيد بين المشتري والبائع، تفاديًا لما يعرف بالرِّبا أو الغرر، مستشهدًا بحديث النبي ﷺ: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، مثلا بمثل، يدًا بيد».

وأوضح الشيخ عبد العزيز أن القبض يتحقق بالتناول باليد عند جمهور الفقهاء، سواء كان الذهب أو النقود أو الحلي، بينما يرى الحنفية أن القبض يكتمل أيضًا بالتخلية للتمكين، أي بوضع الشيء لدى المشتري أو السماح له بالاستيلاء عليه.

 أوضح أن هناك  فتوي للشيخ  ابن عثيمين أكد خلالها، أن حجز الذهب عند التاجر مقابل دفع جزء من قيمته وتأمينه لحين سداد القيمة كاملة لا يجوز شرعًا، لأن مقتضى البيع انتقال ملكية الذهب من البائع إلى المشتري فور الدفع الكامل، وأي تأجيل دون قبض الثمن كاملًا يعد مخالفًا لأحكام البيع الشرعي.

وأكدت عضو لجنة الفتوي  على أن ما يشهده السوق حاليًا من شراء الذهب بالحجز يعد ربًا ومحرّمًا شرعًا، داعية المواطنين إلى تجنب هذه الطريقة مهما ارتفع سعر الذهب يوميًا والالتزام بالبيع الشرعي الذي يحقق القبض الفوري.