مع تفاقم الكارثة الإنسانية.. سيناريوهات تحرك مصر لوقف الحرب فى السودان
في ظل استمرار الحرب في السودان وما تفرضه من تداعيات خطيرة على الأوضاع الإنسانية والأمنية في المنطقة، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وتحوله إلى أزمة إقليمية ممتدة، في وقت بات فيه المدنيون يدفعون الثمن الأكبر من استمرار العمليات العسكرية والانقسام الداخلي.
وتشير التقديرات إلى أن الأزمة السودانية تجاوزت كونها صراعا داخليا، لتتحول إلى ملف معقد تتداخل فيه الأبعاد السياسية والإنسانية والأمنية، وسط تحذيرات من أن استمرار الوضع الراهن يهدد بتفكيك الدولة السودانية وتعميق حالة عدم الاستقرار في محيطها الإقليمي.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المصري كأحد أهم محاور التحرك الإقليمي الهادف إلى احتواء الأزمة السودانية، حيث كثفت القاهرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية منذ اندلاع الصراع، انطلاقا من حرصها على الحفاظ على وحدة السودان واستقراره، باعتباره عنصرًا أساسيا في منظومة الأمن القومي المصري والعربي.
ويرى خبراء أن الجهود المصرية تمثل ركيزة رئيسية في الدفع نحو وقف إطلاق النار وفتح المسارات السياسية، بما يهيئ المناخ لحل شامل ومستدام ينهي الصراع ويضع حدًا لمعاناة الشعب السوداني.
وحدة السودان واستقراره
أكد اللواء سمير فرج، الخبير الاستراتيجي والعسكري، أن السودان يمثل العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر، مشيرا إلى أن الجغرافيا والتاريخ يجعلان من البلدين كيانا واحدا لا يمكن فصله، خاصة أن السودان يُعد الامتداد الطبيعي لمصر في اتجاه منابع نهر النيل.
وأوضح «فرج» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن «مصر والسودان يجمعهما نهر واحد ومصير مشترك، وقد كانا دولة واحدة حتى عام 1952، حين كان الملك فاروق الأول ملكا لمصر والسودان»، لافتا إلى أن ما شهدته الدولة السودانية خلال العقود الماضية من انقسامات، بداية من انفصال جنوب السودان، وصولا إلى محاولات تفكيك جديدة في إقليم دارفور، يمثل تهديدا مباشرا لوحدة الدولة السودانية واستقرار المنطقة بأكملها.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن مصر تُعد أكثر الدول حرصا على وحدة السودان واستقراره، موضحًا أن «استقرار الأوضاع في السودان ينعكس بشكل مباشر على الأمن القومي المصري»، مشددا على أن القاهرة كانت ولا تزال داعما رئيسيا لوحدة الأراضي السودانية ورافضة لأي مخططات تستهدف تقسيمها.
وأضاف أن الموقف المصري، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية، جاء واضحا في رفض أي سيناريو لتفكيك السودان، مع التأكيد على أولوية وقف إطلاق النار فورا، خاصة في ظل ما يشهده السودان من أوضاع إنسانية كارثية، حيث يعاني من أكبر موجة مجاعة في القارة الأفريقية، إلى جانب واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية على مستوى النزوح والجوع.
وشدد «فرج» على أن «الخطوة الأولى لأي حل حقيقي تبدأ بوقف إطلاق النار، يليها إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة إلى الأشقاء في السودان»، مؤكدا أن الحل العسكري لم ولن يكون سبيلا لإنهاء الأزمة، موضحا أن التجارب التاريخية تثبت أن النزاعات العسكرية تنتهي دائما على طاولة المفاوضات باتفاق سياسي.
وتابع أن هناك آمالا كبيرة في أن تسفر الجولة الجديدة من المشاورات التي تستضيفها القاهرة عن نتائج إيجابية، قائلا: «نحن نثق أن ما يحدث في السودان سيتم حسمه داخل غرف التفاوض في القاهرة، من خلال حوار يهدف إلى الحفاظ على وحدة السودان ومنع تفككه».
وأكد اللواء سمير فرج أن المجتمع الدولي بأكمله يدعم وحدة السودان، وعلى رأسه الاتحاد الإفريقي، الذي يرفض بشكل قاطع أي محاولات لتجزئة الدول الإفريقية، معتبرا أن هذا الدعم الدولي يمثل عنصر قوة للمسار السياسي المرتقب.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد وقفًا شاملًا لإطلاق النار، وإعادة توحيد الدولة السودانية، وتشكيل حكومة جديدة، وتوحيد المؤسسة العسكرية، حتى يعود السودان دولة مستقرة وقادرة على تجاوز أزمته الحالية واستعادة دوره الإقليمي المهم.
الأزمة تجاوزت البعد الداخلي
ومن جانبه أكد الدكتور محمد صادق إسماعيل، أستاذ العلوم السياسية ومدير المركز العربي للدراسات السياسية والاقتصادية، أن الأزمة السودانية تُعد من أخطر وأعقد الأزمات التي تشهدها المنطقة العربية في الوقت الراهن، سواء على المستوى العسكري أو الإنساني، مشيرا إلى أن استمرار العمليات القتالية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يمثل استنزافا مباشرا لقدرات الدولة السودانية دون أي أفق حقيقي للحسم.
وأوضح «إسماعيل» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن «الأزمة العسكرية في السودان لا يمكن حسمها بالسلاح، ولن تفرز منتصرا أو مهزوما بقدر ما تؤدي إلى تآكل مؤسسات الدولة وتدمير مقدراتها»، لافتا إلى أن التجربة أثبتت أن الحل العسكري غير قابل للاستدامة، وأن البديل الوحيد يتمثل في حل سياسي شامل يقوم على التفاوض المباشر بين طرفي الصراع.
وأشار إلى أن مصر بذلت -خلال الفترة الماضية- جهودا واضحة من أجل احتواء الأزمة، عبر طرح مبادرات سياسية والسعي إلى تهيئة مناخ يسمح بوقف إطلاق النار والدخول في مسار تفاوضي جاد، مؤكدا أن الدور المصري يأتي انطلاقًا من إدراك عميق لخطورة ما يحدث في السودان على الأمن القومي العربي والإفريقي.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية، أن «الطرف الغائب تماما عن معادلة الصراع هو الشعب السوداني، وهو في الوقت ذاته الطرف الأكثر تضررًا»، موضحا أن الأرقام الإنسانية تعكس حجم الكارثة، حيث نزح ما يقرب من نصف سكان السودان من مناطقهم، بينما اضطر أكثر من 10 ملايين سوداني إلى مغادرة البلاد، في ظل تقديرات أممية تؤكد أن السودان يواجه أسوأ كارثة إنسانية خلال عامي 2024 و2025.
وشدد على أن الأزمة تجاوزت البعد الداخلي، وأصبحت ذات تداعيات إقليمية خطيرة، خاصة في ظل الموقع الجيوسياسي المهم للسودان، سواء فيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، أو أمن شرق إفريقيا، فضلًا عن امتداد التأثيرات السلبية إلى دول الجوار مثل تشاد وليبيا وإثيوبيا، بالإضافة إلى استمرار التوترات في إقليم دارفور.
وأكد أن أي تسوية سياسية لا بد أن تكون تسوية مستدامة، تقوم على وقف كامل للدعم الخارجي للأطراف المتصارعة، مع توفير ضمانات إقليمية ودولية تحول دون تجدد المواجهات المسلحة مرة أخرى، منوها إلى أهمية انخراط أطراف دولية فاعلة مثل الولايات المتحدة، إلى جانب رعاية عربية أو أفريقية أو أممية.
وشدد الدكتور محمد صادق إسماعيل على أن غياب المكون المدني والقوى السياسية السودانية عن المشهد يمثل أزمة إضافية»، متسائلا عن دور الأحزاب والقوى المدنية التي لم يعد لها حضور مؤثر، معتبرًا أن إعادة الاعتبار للعمل السياسي والمدني تمثل حجر الزاوية لأي حل حقيقي يعيد السودان إلى مسار الاستقرار وبناء الدولة.



