رئيس التحرير
خالد مهران

من الحقل للمائدة.. خطة الحكومة لإنشاء جامعة جديدة لدعم الأمن الغذائى

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

في وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي عالميا ومحليا، وتفرض المتغيرات الاقتصادية والمناخية ضغوطا متصاعدة على منظومات الإنتاج والتصنيع والتوزيع، يعود ملف تطوير التعليم الزراعي والغذائي إلى صدارة النقاش العام في مصر، باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الاعتماد على الذات.

وبينما تسعى الدولة إلى التحول من الاقتصاد القائم على تصدير المواد الخام إلى اقتصاد يعتمد على القيمة المضافة والمعرفة، يبرز مقترح إنشاء جامعة متخصصة للغذاء كأحد المشروعات التعليمية الطموحة التي تستهدف إعداد كوادر مؤهلة للتعامل مع منظومة الغذاء بشكل متكامل، من الحقل إلى المائدة.

وخلال اجتماع عقده الدكتور أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مع الدكتور علاء فاروق وزير الزراعة واستصلاح الأراضي، تم بحث الخطوات التنفيذية الخاصة بإنشاء جامعة الغذاء في مصر، وذلك في إطار توجه الدولة نحو إنشاء جيل جديد من الجامعات المتخصصة الداعمة للتنمية المستدامة، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.

وأكد الوزيران أن الجامعة المقترحة تمثل إضافة نوعية لمنظومة التعليم العالي، تستهدف إعداد كوادر مؤهلة في تخصصات الغذاء والزراعة وسلسلة القيمة المرتبطة بها، وترسيخ التكامل بين التعليم والبحث العلمي والتطبيق العملي، بما يسهم في دعم الصناعات الغذائية وتعزيز سوق العمل والابتكار في القطاع.

 فرص عمل متميزة للخريجين

في هذا السياق، أكد الدكتور عاصم حجازي، الخبير التربوي وأستاذ علم النفس التربوي المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن الهدف الأساسي من إنشاء جامعة الغذاء في مصر يتمثل في تأسيس جامعة متخصصة تضم مختلف التخصصات المرتبطة بملف الغذاء، بما يمكنها من تقديم الدعم العلمي والفني اللازم لكافة القضايا المرتبطة بالغذاء، ودعم خطط التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، خاصة في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه منظومة الأمن الغذائي.

وأضاف «حجازي» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن الجامعات المتخصصة، ومنها جامعة الغذاء، تلعب دورا محوريا في التنمية المجتمعية، نظرا لطبيعتها القائمة على التركيز والتخصص بما يتوافق مع احتياجات المجتمع وسوق العمل، مشيرا إلى أن التوسع في إنشاء هذا النوع من الجامعات في المرحلة الحالية يُعد خطوة مهمة نحو تقديم تعليم نوعي متميز، يمكن توظيف مخرجاته بصورة مباشرة لدعم مسيرة التنمية الشاملة.

وأوضح أن دمج التعليم الأكاديمي بالتدريب العملي يسهم في تحقيق قدر كبير من التوافق مع متطلبات سوق العمل، ويتيح فرصا حقيقية للنمو المتبادل بين المؤسسات التعليمية وقطاعات الإنتاج، بما يضمن قدرا أعلى من الاتساق والمنفعة المشتركة، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد القومي ودعم المشروعات القومية، حيث تمثل هذه الجامعات بيوت خبرة متخصصة قادرة على تقديم الدعم العلمي وإعداد خريجين مؤهلين بشكل أفضل للعمل في المجالات المرتبطة بالغذاء.

وأشار الدكتور عاصم حجازي إلى أن الجامعات المتخصصة تعتمد في الأساس على شراكات علمية مع كبرى الجامعات الأجنبية، بما يتيح تبادل الخبرات وتنفيذ بحوث علمية مشتركة، وهو ما يعزز من كفاءة الخريجين ويرفع من جودة العملية التعليمية، فضلًا عن دعم الابتكار من خلال نظم تعليمية حديثة تركز على تنمية الإبداع وتوجيه الجهود البحثية نحو مجالات محددة ذات أولوية.

وحول التخصصات المتوقعة، أوضح أن جامعة الغذاء من المنتظر أن تضم تخصصات الزراعة، والتصنيع الغذائي، والطب البيطري، باعتبارها الركائز الأساسية لمنظومة الغذاء.

وفيما يتعلق بدورها في دعم الأمن الغذائي، أكد أن الجامعة ستسهم من خلال خبراتها وبحوثها العلمية المتخصصة في تقديم حلول عملية للمشكلات المرتبطة بالغذاء، بما يدعم جهود الدولة في تحقيق الأمن الغذائي المستدام.

واختتم الدكتور عاصم حجازي حديثه بالتأكيد على أن المشروع سيوفر فرص عمل متميزة للخريجين، في ظل اعتماده على التأهيل المتخصص والتعاون الوثيق مع سوق العمل والجامعات الدولية، وهو ما يمنح الخريج ميزات تنافسية تسهم في تسهيل اندماجه في سوق العمل المحلي والدولي.

دعم الأمن الغذائي

من جانبه أكد الدكتور إبراهيم حسيني درويش، أستاذ بكلية الزراعة جامعة المنوفية ووكيل كلية الزراعة السابق، أن الهدف الأساسي من إنشاء جامعة الغذاء في مصر يتمثل في بناء منظومة تعليمية تطبيقية متخصصة تخدم سلسلة الغذاء بشكل متكامل، بدءًا من الإنتاج الزراعي، مرورًا بالتصنيع والتداول، وصولًا إلى التغذية وسلامة الغذاء وإدارة الأسواق، بما يواكب التحديات الحديثة التي تواجه الدولة في هذا الملف الحيوي.

وأضاف «درويش» -في تصريحات خاصة لـ«النبأ»- أن الجامعة المقترحة تستهدف سد الفجوة القائمة بين التعليم التقليدي واحتياجات سوق العمل في القطاع الغذائي، وإعداد كوادر قادرة على التعامل مع قضايا معقدة مثل التغيرات المناخية، والفجوة الغذائية، والهدر والفقد بعد الحصاد، إلى جانب تطبيق معايير الجودة والسلامة الدولية، ودعم توجه الدولة نحو الاقتصاد القائم على القيمة المضافة بدلًا من تصدير المواد الخام.

وأشار إلى أن دمج التعليم الأكاديمي بالتدريب العملي يُعد من أهم مكاسب المشروع، لما له من دور في تخريج متخصصين مؤهلين وجاهزين لسوق العمل، وليس مجرد حملة شهادات.

وأضاف أن مثل هذه المشروعات تعتمد عادة على شراكات دولية مع جامعات متخصصة في علوم الغذاء، ومنظمات دولية مثل الفاو والصندوق الدولي للتنمية الزراعية وبرنامج الغذاء العالمي، إلى جانب مؤسسات الاعتماد والجودة العالمية، مؤكدًا أن دور هذه الشراكات يجب أن يتركز على نقل الخبرات والمعايير الدولية، وتطوير المناهج، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، وتسهيل الاعتراف الدولي بالشهادات، مع ضرورة أن تكون شراكات حقيقية وليست شكلية أو برامج مستنسخة لا تراعي الواقع المصري.

وفيما يتعلق بدعم الأمن الغذائي، قال الدكتور إبراهيم درويش إن جامعة الغذاء يمكن أن تسهم بشكل فعّال من خلال إعداد كوادر قادرة على زيادة كفاءة الإنتاج، وتقليل الفاقد بعد الحصاد الذي يصل في بعض السلع إلى 30 و40%، ودعم البحث التطبيقي المرتبط بالمشكلات الفعلية، وتطوير صناعات غذائية محلية تقلل الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب دعم صغار المنتجين عبر الإرشاد الغذائي والتصنيعي، موضحا في الوقت نفسه أن تحقيق الأمن الغذائي لا يعتمد على التعليم وحده، بل يحتاج إلى سياسات زراعية وتسويقية عادلة، ودعم حقيقي للمزارع، وتكامل بين البحث والإنتاج والصناعة والتسويق.

وحول فرص العمل، أكد أن المشروع يمكن أن يوفر فرصًا واعدة للخريجين، شريطة أن تُصمم البرامج التعليمية وفق احتياجات السوق الفعلية، وأن ترتبط الجامعة بعقود تدريب وتوظيف حقيقية، مع دعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة، لافتًا إلى أن مجالات العمل تشمل مصانع الغذاء، وشركات الجودة وسلامة الغذاء، وسلاسل التوزيع، والمشروعات الريادية، والمؤسسات البحثية والدولية.

واختتم الدكتور إبراهيم حسيني درويش بالتأكيد على أن الأولوية الأولى يجب أن تكون للتنسيق والتكامل الحقيقي بين كليات الزراعة، ووزارة الزراعة، ومراكز البحوث، والقطاع الخاص الغذائي، مع تحديث المناهج، وإقرار إلزامية التدريب التطبيقي، وربط الخريج بسوق العمل، مشددا على أن إنشاء جامعة متخصصة للغذاء لا مانع منه بشرط ألا تكون كيانا منعزلا أو منافسا لكليات الزراعة، مؤكدًا أن مصر لا تعاني نقصا في المؤسسات التعليمية بقدر ما تعاني ضعف التكامل بينها، وأن نجاح أي جامعة جديدة مرهون بتحقيق هذا التكامل أولا.