محمد مازن يكتب من بكين: كيف حولت الصين تصعيد ترامب العسكري إلى فرصة دبلوماسية؟
في ظل التصعيد العسكري الأمريكي مؤخرا الذي تجلى في اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، والتهديدات الصريحة بضرب إيران، تبرز الصين كحاضنة للدبلوماسية الدولية عبر سياسة القوة الناعمة والانفتاح الاقتصادي. وعلى النقيض من ميل واشنطن نحو الأحادية والعسكرة، فإن بكين آخذة في التحول إلى وجهة مفضلة للزعماء العالميين الساعين لشراكات بديلة. وفي هذا السياق، تشهد العاصمة الصينية منذ بداية الشهر تدفقًا متعاقبًا لوفود رفيعة المستوى، بدءًا بالرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ الذي قام الأسبوع الماضي بأول زيارة رئاسية له منذ عام 2019، مرورًا برئيس الوزراء الكندي مارك كارني حاليًا، والذي يهدف إلى إنهاء عقد من الفتور الدبلوماسي، ووصولًا إلى الزيارات المرتقبة للمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قريبا.
وتتجه أنظار المراقبين إلى هذه الزيارات لما تحمله من دلالات استراتيجية خاصة. فزيارة كارني تمثل محاولة كندية متأنية لإعادة ضبط العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر، حيث تم التوقيع على عدد من وثائق التعاون في مجالات مختلفة. ويُتوقع أن يتركز الحوار على ملفات تجارية محددة تشمل التفاوض حول الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية وضمان وصول المنتجات الزراعية الكندية إلى السوق الصينية. بالإضافة إلى ذلك، يُتوقع أن تثار قضايا تتعلق بموارد الطاقة والمعادن النادرة، في إطار سعي كندا لتعزيز موقعها كشريك بديل في ظل التوترات الأمريكية.
أما زيارة ستارمر، والتي ستكون الأولى لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين منذ عام 2018، والتي سيسبقها حسب تقارير موافقة بريطانيا على مبنى السفارة الصينية الحديد المثير للجدل، فتهدف بدورها إلى إعادة ربط الاقتصاد البريطاني بآفاق النمو الصينية، مع تركيز خاص على قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة. وبشكل أكثر تحديدًا، يُنتظر أن تتركز المباحثات على تخفيض الحواجز التجارية وتوسيع الاستثمارات المتبادلة، في محاولة من بريطانيا لتعويض الخسائر الناجمة عن خروجها من الاتحاد الأوروبي ومواجهة التعريفات الأمريكية الجديدة. كما من المتوقع أن يبحث الجانبان، علاوة على ما سبق، سبل التعاون في مشاريع البنية التحتية العالمية، بما فيها تلك التي تندرج تحت مبادرة الحزام والطريق.
وفي الحقيقة، تعكس في هذه الزيارات قناعة أوروبية متزايدة بأن الاعتماد التقليدي على التحالف مع واشنطن لم يعد مجديًا في عهد سياسات ترامب الانعزالية. وتعود أسباب هذا التوجه إلى عوامل اقتصادية واستراتيجية متشابكة، يأتي في مقدمتها الخوف من التهميش في ظل حرب تجارية أمريكية فرضت تعريفات جمركية حتى على الحلفاء القدامى. وكذلك، تدفع الحاجة إلى تأمين إمدادات المعادن النادرة، التي تحتل الصين الصدارة في إنتاجها العالمي، الدول الصناعية إلى التعجيل بالتقارب مع بكين. ويضاف إلى ذلك، أخيرًا، سعي الاقتصادات الأوروبية، التي تعاني من بطء النمو، إلى استكشاف فرص جديدة في السوق الصينية الواسعة.
بناءً عليه، يظهر المشهد الدولي الحالي تناقضًا واضحًا بين نهجين: فأمريكا تعتمد على الأدوات العسكرية والعقوبات الاقتصادية، كما تجلّى في السيطرة على موارد فنزويلا النفطية والتهديدات الموجهة لإيران، بينما تقدم الصين نفسها كشريك تجاري ودبلوماسي قائم على المصالح المتبادلة، مستفيدة من الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الأمريكي من عدد من المنظمات الدولية.
في هذا الصدد، يلاحظ كيرت تونج، الدبلوماسي الأمريكي السابق في آسيا، أن "أسباب عدم التعاون مع الصين تلاشت... فكل الدول تحتاج إلى التجارة مع الصين". وبتعبير آخر، هذه الرؤية تلخص التحول الاستراتيجي الذي تشهده العديد من الدول، التي ترى في الصين شريكًا لا غنى عنه في ظل السياسات الأمريكية المتقلبة. وبالتالي، إن المعركة الجيوسياسية الراهنة تتجاوز التنافس التقليدي إلى صراع بين نموذجين: أحادي القطب تعمل واشنطن على الحفاظ عليه بالقوة، ومتعدد الأقطاب تروج له بكين عبر الدبلوماسية والاقتصاد.
على المدى القصير، قد تحقق واشنطن مكاسب تكتيكية عبر السيطرة على موارد طبيعية وإضعاف خصوم إقليميين، إلا أن هذه السياسة قد تؤدي في المقابل حسب مراقبين إلى تآكل التحالفات التقليدية وعزلة متصاعدة في المحافل الدولية. في حين تعزز الصين، على النقيض، نفوذها الاقتصادي عبر اتفاقيات تجارية جديدة وتوسيع نطاق المنافع المتبادلة عبر مبادراتها التنموية مثل الحزام والطريق، ما يسهم في ترسيخ نموذجها التنموي كبديل مقبول.
وعلى المدى الطويل، يتوقع المراقبون أن يواجه الموقف الأمريكي تحديات عميقة، منها استنزاف الموارد في صراعات متعددة وتآكل المصداقية الأخلاقية، مما يقوّض دورها كـ "شرطي عالمي". ومع تسارع التوجه التدريجي لحلفاء تقليديين، مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية، نحو التعاون الاقتصادي مع الصين يتحول النظام الدولي نحو التعددية القطبية. وفي المقابل، تتعزز مكانة اليوان كعملة تبادل دولية، وتملأ الصين الفراغ في المؤسسات العالمية، وتوسع نطاق شراكاتها، مقدمة نموذجا يجمع بين النمو الاقتصادي والاستقرار السياسي.
وعلى ضوء ذلك، تشكل موجة الزيارات الأوروبية إلى الصين إشارة واضحة إلى إعادة تشكيل التحالفات العالمية في القرن الحادي والعشرين. فبينما تعتمد واشنطن على لغة التهديد والعقاب، تختار بكين لغة الفرص والتعاون، مما يضع الدول الأوروبية أمام خيار صعب بين الولاء التقليدي والضرورة الاقتصادية. وباختصار، يؤكد هذا المشهد أن القوة الفاعلة في عالم اليوم لم تعد تقاس بالقدرة على الإرغام العسكري، بل بالقدرة على خلق الاعتماد الاقتصادي المتبادل وبناء شبكات المصالح المشتركة التي تتخطى الحدود والأيديولوجيات.
ما يجري حاليا وغدا في بكين ليس مجرد محطات دبلوماسية عابرة، بل مؤشرات على تحول عميق في الجغرافيا السياسية العالمية، حيث تتحول الصين تدريجيًا من مصنع العالم إلى مركز للجاذبية الاستراتيجية والدبلوماسية.