رئيس التحرير
خالد مهران

من فنزويلا إلى إيران.. هل تنجح استراتيجية "القوة القصوى" لواشنطن تجاه الصين؟

النبأ

عندما تصبح الموازين الاقتصادية ساحة الحرب الجديدة في عالم اليوم، لم تعد الحروب تخاض بالدبابات والطائرات فقط، بل بالموازين المالية ومسارات النفط والديون.

المشهد الذي تتصدره الولايات المتحدة الآن يبدو يتجاوز الصراع العسكري المباشر إلى حرب استباقية تستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية العالمية، خاصة فيما يتعلق بمنافستها الأولى في استراتيجية الأمن القومي-- الصين. أحدث تجليات هذه الاستراتيجية المثيرة للجدل التى نشرت نهاية العام الماضي ظهرت جليا في فنزويلا، وهي تلوح في الأفق في إيران، حيث تستخدم "الأزمات الداخلية" و"التهديدات النووية" كأقنعة لأهداف أمريكية: عرقلة تحركات الصين الاستراتيجية والحفاظ على هيمنة الدولار.

لم يكن التدخل الأمريكي في فنزويلا مجرد "عقاب" لنظام نيكولاس مادورو، الذي اعتقل بالقوة ونقل إلى الولايات المتحدة في ٣ يناير، بل كان رسالة واضحة للدول التي تسعى إلى تحرير تجارتها النفطية والمالية من النظام الدولاري. تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي في العالم، وتعاونها المتزايد مع الصين في معالجة وتصدير النفط كان من الممكن أن يخفض-- حسب تقديرات خبراء-- استخدام الدولار في التجارة العالمية بنسبة تصل إلى 20%.

هذا الانخفاض، وإن بدأ هامشيا كان سيشكل سابقة خطيرة تهدد موقع الدولار كعملة الاحتياط العالمية، وهو ما لم تستطع واشنطن تجاهله. وقد سبق أن هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مناسبات عدة وبشكل مباشر الدول التي تحاول الابتعاد عن الدولار أو التي تشارك في إلغاء الدولرة بالعقاب بفرض رسوم بنسبة ١٠٠ بالمئة، ثم اخيرا تهديده للدول التي تتعامل مع ايران تجاريا، في خطوة تستهدف بالاساس دولا مثل الصين وروسيا وبلدان أخرى تسعى إلى إنشاء قنوات تجارية باستخدام أنظمة أو عملات أخرى.

الرسالة التي أرسلتها الولايات المتحدة عبر احتجاز الرئيس مادورو ونقله إلى نيويورك لم تكن موجهة إلى كاراكاس فقط، بل إلى كل دولة تفكر في التحول عن الدولار. وينظر إلى التدخل العسكري والاقتصادي في فنزويلا، في جوهره، كضربة استباقية لقطع أحد أهم المسارات المحتملة للتعاون الصيني-الفنزويلي، وإعادة تأكيد السيطرة الغربية على تدفق الطاقة العالمية.

وإذا كانت فنزويلا تمثل "التحذير"، فإن إيران قد تكون الهدف التالي في الاستراتيجية الأمريكية الأوسع. وتظهر الأحداث الأخيرة في ايران وتهديد ترامب نفسه في حال أقدمت طهران على قتل المتظاهرين في الشوارع، أن القضية الإيرانية تجاوزت مرحلة "الضغط" عبر العقوبات إلى مرحلة "الإنذار" الذي قد يتضمن خيارات عسكرية.

السبب الجوهري، وفقا للمحللين ليس البرنامج النووي الإيراني في حد ذاته، بل دور إيران كشريك استراتيجي للصين في مجال الطاقة، وتأثير ذلك على النظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن وتريد استمرار هيمنتها عليه.

فعلى الصعيد الثنائي، اتجهت إيران، التي عانت لعقود من العزلة الاقتصادية بسبب العقوبات، بشكل متسارع نحو تعميق تعاونها مع الصين، بما في ذلك اتفاقات طويلة الأجل لبيع النفط والغاز باليوان الصيني وتطوير مشاريع بنية تحتية مشتركة. هذا التعاون تراه الولايات المتحدة يهدد مصالحها في الشرق الأوسط ويعزز الاتجاه نحو إنشاء نظام مالي بديل، مما يضعف أحد أهم أركان القوة الأمريكية الا وهو الدولار.

وعلى هذا النحو، تشكل الاضطرابات الداخلية في إيران، والتي تفاقمت بسبب الأزمة الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية، بيئة خصبة للتدخل الخارجي. وفي المشهد، يظهر التحالف الأمريكي-الإسرائيلي تصلبا غير مسبوق في حرمان إيران من أي هامش للمناورة.

إن الخيط المشترك بين فنزويلا وإيران هو الصين. تدرك الولايات المتحدة أن تفوقها العالمي لم يعد مضمونا في مواجهة الصعود الصيني السريع، لا اقتصاديا فحسب، بل عسكريا وتكنولوجيًا. لذلك، تحولت الاستراتيجية الأمريكية من "الاحتواء" إلى "العرقلة" عبر قطع أهم مصادر الطاقة والشراكات الاستراتيجية لبكين.

الهدف ليس منع الصين من الوصول إلى النفط فحسب، بل حرمانها من القدرة على بناء نظام اقتصادي عادل بعيدا عن الهيمنة الغربية.

فنزويلا وإيران تمثلان أهم حلقتي وصل في مشروع "الحزام والطريق" الصيني، خاصة في مجال الطاقة. والسيطرة على هذين البلدين أو إضعافهما بشكل كاف يعني عرقلة واحدة من أهم استراتيجيات الصين للقرن الحادي والعشرين.

هكذا ترى وتتصرف إدارة ترامب، دون وعي بان سياساتها الاقتصادية الجديدة هي التي أدت بالفعل إلى تراجع الثقة بالدولار، بوضعها الاقتصاد العالمي على مسار مضطرب من خلال فرض الرسوم الخرافية والتدخل في سياسات الاحتياطي الفيدرالي والنهج التصادمي في الشؤون الدولية، وكلها بين عوامل أخرى ادت إلى اهتزاز الثقة العالمية بالولايات المتحدة.

إن أخطر ما في الأمر حاليا هو تحول التهديد الأمريكي-الإسرائيلي تجاه إيران إلى تدخل عسكري مباشر، فإن التداعيات ستكون كبيرة.

وفي هذا الصدد، يحذر الخبراء من تصعيد عسكري إقليمي اذ يمكن أن تمتد المواجهة إلى دول أخرى بالمنطقة، مما يشعل حربا واسعة النطاق في الشرق الأوسط، ناهيك عن أزمة طاقة عالمية قد تلوح في الافق، فقد يؤدي قطع إمدادات النفط الإيراني إلى صدمة في أسواق الطاقة، مما يعطل التعافي الاقتصادي العالمي فضلا عن تأثير ذلك على الدول النامية والفقيرة التي تعاني بالأساس.

وبالتاكيد، لا يمكن استبعاد خطر تقسيم النظام الدولي من الحسبان. فقد تدفع هذه الخطوة قوى كبرى مثل الصين وروسيا إلى تعزيز بناء هياكل أمنية واقتصادية بديلة، مما يسرع في نهاية النظام الدولي أحادي القطبية.

إن الاستراتيجية الأمريكية الحالية، التي تجمع بين القوة العسكرية والضغوط الاقتصادية، تظهر أن واشنطن مستعدة لدفع العالم إلى حافة الهاوية من أجل الحفاظ على هيمنتها.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، فهي تعيد إنتاج منطق الحرب الباردة في عصر الاعتماد الاقتصادي المتبادل. كما أنها تغذي عدم الاستقرار العالمي بدلا من معالجته. والأهم، أنها قد تسرع في ظهور نظام عالمي أكثر تعددية، ولكن أيضًا أكثر انقسامًا وخطورة.

السؤال الحقيقي الآن هو: هل ستنجح الولايات المتحدة في عزل الصين وقطع تحركاتها الاستراتيجية؟ أم أن هذه السياسة ستفجر أزمات متتالية تسرع في انهيار النظام الذي تسعى إلى الحفاظ عليه؟ الإجابة قد تحددها الأحداث القادمة في إيران، والتي قد تكون الفصل التالي في صراع القوى العظمى الذي يعيد تشكيل عالمنا.