ads

المظلة الإنسانية.. الحلقة الـ«17» الرقي الإنساني

الدكتور أحمد على عثمان
الدكتور أحمد على عثمان
الدكتور أحمد على عثمان


الرقي الإنساني لابد أن ينبع أولاً وأخيرًا من جهات ثلاث وهي الجسد، العقل، القلب.


ترقية الجسد:-
وترقية الجسد تكون بالرياضة، والنظر إلى الخضرة والماء والكعبة، وسماع الجميل من القول ، وشم الروائح الطيبة، والأكل من الحلال الطيب، والمحافظة على الكون بما فيه من نبات وحيوان وجماد ..إلخ.

وأنماط الجسد قوة الغدد، وبها النشور والنمو، ومن أجل أن نحافظ على هذه القوة فلابد من أن يتغذى الإنسان من نبات ليس فيه مبيدات كيماوية، والحيوان لا يتغذى بمواد هرمونية؛ فقد وصلت البشرية بتغذية الحيوان إلى جنون البقر وأنفلونزا الطيور والأمراض المسرطنة.

والخلاص من ذلك يكون بترك التربة كما هي، وأن يتغذى الحيوان نباتًا طيبًا، مع المحافظة على الهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والبعد عن المهلوسات والمنشطات والمنومات والعقاقير بشتى أنواعها.


والقوة الحسية بها الإحساس واللذة والألم. والقوة التخيلية بها تصور أعيان الأشياء بعد غيبتها عن الحس، أو تخيل شيء غير موجود؛ فهذه هي أنماط الجسد المركب من جسم مدرك للبصر والبصيرة، والقوة الروحانية في إدراك رسوم المعلومات؛ فإن الخيال يتصور عن المحسوس؛ فالإنسان له يد عاملة، ولسان ناطق، وانتصاب في القامة الدالة على استيلائه وخلافته للكون. 

قال الحق سبحانه وتعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.    التين: (4).

ومع ذلك فإن جسم الإنسان ضعيف، يحتاج إلى مقويات، قال الله سبحانه وتعالى: {وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا}.  نساء: (28).

ويحتاج إلى السلاح والملبس، والمطعم والمشرب، والمنام.

والإنسان الراقي هو الذي يوظف هذه الحاجات، ويعمل الأعمال الحسنة من حيث النمو والنسل.

ترقية العقل:-
كل إنسان في هذه الدنيا مطالَب بأن يرتقي بنفسه في مجال العقل الذي ينقسم بدوره إلى خمس مراتب:-
المرتبة الأولى: العقل الوازع، وبه يستطيع الإنسان أن يأكل ويشرب وينام ويستخدم ما أنتجه غيره، وهو عقل مقلد بصفة عامة؛ سواء كان مقلدًا للغرب أم مقلدًا للأباء.
والقاعدة تقول: "إيمان المقلد لا يجوز".
ومن خلال هذه القاعدة يجب على الإنسان أن يرتقي بهذا العقل إلى مراحل أخرى وأنماط أفضل وأنفع، وذلك بدخوله إلى المراحل الأربعة الآتية.

المرتبة الثانية: وهو العقل المدبر أو المفكر، وهو عقل يفكر فيما حوله، ويعرف ما حوله من الكون، ويعرف ما في هذا العصر من مستجدات. 
وقد قال الحق سبحانه وتعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ...}.  محمد: (24).
وتدبر القرآن يوصل إلى 
المرحلة الثالثة: وهي العلم؛ فإن أول آية نزلت على قلب الرسول الكريم (اقرأ) ولم تكن مع الرسول ورقة ليقرأها، ولم يكن مع جبريل كذلك، ولكن الأمر بالقراءة قراءة الكون، وذلك واضح بالتكرار ثلاث مرات، وعندما قال الحبيب خاتم الأنبياء سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم    : "ما أنا بقارئ" ـ قرأ عليه جبريل عليه السلام قول الله تبارك وتعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}.  العلق: (1).

المرحلة الثالثة: العقل العالم، وهو الذي يستنبط ما في الكون من قدرات ليفيد بها الإنسانية جمعاء، سواء كان هذا العلم علمًا روحيًّا أم علمًا ماديًّا، وذلك بالنظر والاستدلال.

المرحلة الرابعة: العقل الحكيم: وهو العقل الذي يخرج ما تعلمه الإنسان ليصل إلى الإنسان على حسب قدرته العقلية مخاطبًا البشر بما يفهمون وبما يعرفون على اختلاف درجاتهم في الثقافة والفهم.

وبعد ذلك يدخل الإنسان إلى علم من عند الله، وهو الرشد الذي تمثله المرحلة الخامسة.

المرحلة الخامسة: العقل الرشيد: والعقل الرشيد هبة من الله تعالى إلى عباده؛ ولذلك  قال موسى عليه السلام للخضر عليه السلام: {...هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا}. الكهف: (66).

فموسى عليه السلام عنده العقل الوازع والمدبر والعالم والحكيم، وطلب من العبد الصالح  العقل الراشيد.

يقول الحق سبحانه وتعالى: {..وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ..} البقرة (282).
ويقول أيضًا: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.   طه: (114).
ويقول أيضًا: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}.   يوسف: (76).

ترقية القلب:-
وترقية القلب لابد منها في طريق الرقي الإنساني، وذلك عن طريق الفرار من الله تعالى إليه؛ حيث لا منجى منه إلا إليه، يقرمن شديد العقاب الى غافر الذنب وقابل التوب، ويكون الفرار من الضجر والسخط  إلى السلام النفسى والتسليم ، ومن التسليم  إلى التصديق ، ومن التصديق  إلى الإحسان والإتقان ، ومن الإحسان والإتقان  إلى الله سبحانه وتعالى، وبذلك يكون الإنسان عبدًا مخلصًا لله عز وجل، ويكون خارجًا من حوله وقوته إلى حول الله وقوته.
ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: { يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ. إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ }. الشعراء: (88، 89).

والإنسان وسط بين جوهرين، قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}.البلد: (10).

ومن شأن القلب أن يرى ويختار الأصلح في العواقب الدنيوية أو الأخروية.

والإنسان في الاعتقاد قد اختلف في الدين الواضح، وفي الشرائع السماوية، وفي النِّحَل الأرضية.
والأفضل للإنسان أن يرتبط قلبه بفطرته، التي يصل الإنسان من خلالها إلى معرفة حقيقة وجوده، وهي عبادة الله تبارك وتعالى.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ترتقي الإنسانية إلى أبعد مدى في جسدها وعقلها وقلبها.


 تحياتى بالرقى للإنسانيه كلها، الدكتور أحمد على عثمان