ads

نجيب محفوظ والطبخة «المسمومة»

محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ
محمد سعد عبد الحفيظ


قبل أيام قرأنا بيانا، يطالب الموقعين عليه من وزارة الثقافة التحرك ضد دار الشروق لنزع حق ملكية نشر روايات نجيب محفوظ، متهمين «الشروق» بتعمد حجب روايات صاحب نوبل، مطالبين الدولة والمصريين بـ«نزع تلك الملكية عن الجهة المحتكرة».

رغم عملى فى جريدة الشروق التى يرأس مجلس إدارتها الناشر إبراهيم المعلم، فإن شهادتى عن دار الشروق التى يملكها نفس الناشر لن تكون مجروحة، فقد جعلنى الله على يسار أى سلطة، سواء كانت تلك السلطة نظاما يحكم أو مالكا للمكان الذى أعمل فيه، وكل من يعرفنى يعلم ذلك جيدا.

ولما كان ذلك كذلك، فلن أنبرى فى الدفاع عن المعلم الذى اختلفت معه كثيرا على مدار 9 سنوات هى مدة عملى فى «الشروق» الجريدة، لكنى منذ أن طالعت البيان السالف عن «كتب محفوظ المحتكرة»، وتتبعت الصحف والبرامج التى تلقفت البيان ونشرته وأفسحت للموقعين عليه مساحات يتحدثون فيها بـ «حمقة وحذقة» عن حق المصريين فى مطالعة كلاسيكيات أدب محفوظ، أدركت أن وراء البيان «إنَّ» وأخواتها أيضا.

تحولت تلك الـ«إنَّ» إلى حقيقة كالشمس، بعد تبنى «أحد المحامين الجهابذة» الذى يعتقد انه حامى حمى الوطنية، لما جاء فى البيان وتقدم بدعوى أمام القضاء الإدارى يختصم فيها وزيرة الثقافة ويطالب فيها بنزع احتكار أعمال محفوظ من دار الشروق.

تجمعت خيوط اللعبة، مع خروج مذيع مجهول يؤلب الأجهزة ضد الشروق، ويكيل لمالكها ورئيس تحريرها ومحرريها، عبارات السب والقذف والتشهير والتى تستدعى تدخلا من النائب العام فى ضوء ما جاء فى بيانه الصادر نهاية فبراير الماضى عن تحرك النيابة للتصدى لـ «الانفلات الإعلامى».

الذين حاولوا استهداف «الشروق»، والشوشرة على الجريدة ومالكها فئتان، فئة منهم تشن هجوما على مقالات الجريدة الأكثر احتراما للقارئ، وأخرى باستهداف الدار الأكثر حرصا على نشر كنوز الثقافة وإتاحتها للجمهور.
الفئة الأولى معذورة بجهلها فهم لا يقرأون وإذا قرأوا لا يعون، أما الفئة الثانية فليس لها عذر، فهم ينعتون أنفسهم بـ«المثقفين» ومعظمهم على دراية بقوانين حماية حقوق الملكية الفكرية، ومن لا يعرفها يستطيع بضغطة زر على محرك البحث «جوجل» أن يطالع نص المادة 69 من الدستور المصرى التى تلزم «الدولة بحماية حقوق الملكية الفكرية بشتى أنواعها فى جميع المجالات»، ويقرأ مواد قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 الصادر سنة 2002، والذى يعطى الحق للمؤلف ومن خلفه فى التصرف فى مؤلفاته والتعاقد على حقوق الاستغلال المالى ولمدة 50 عاما بعد وفاته.

يعلم هؤلاء جيدا أن الراحل نجيب محفوظ تعاقد وهو فى كامل قواه العقلية مع دار الشروق لنشر رواياته، وأقر ورثته بذلك ولم يطلبوا فسخ التعاقد، ويعلمون أيضا أن إنتاج صاحب نوبل متاح فى مكتبات الشروق، وأن الدار طبعت نحو 650 ألف نسخة من كتب محفوظ خلال سنوات العقد.

أم كلثوم ابنة محفوظ ردت على ما جاء فى بيان ما اعتبروا أنفسهم مثقفين بتصريح كاشف قالت فيه: «من المفترض على من أصدر البيان أن يرجع لأصحاب الحق ويستشيرونهم، وللأسف أى شيء عن نجيب محفوظ نجد من يعطى الحق لنفسه بالحديث نيابة عنا دون العودة إلى أصحاب الشأن».

بعض ممن وقعوا على البيان زملاء كنت أثق فى استقامتهم واستقلالهم، لكن بعضهم صاروا «لا ينطقون عن الهوى وإنما بوحى»، ومنهم من وقع على البيان، دون أن يقرأ بعد أن شُرح له الأمر بشكل ملتوٍ عبر الهاتف، لكن بشكل عام طبخة البيان المسمومة أُعدت فى غرفة مظلمة لم يتح ظلامها لأصحابها أن يدركوا حقيقة ما يفعلون فى حق مصر وثقافتها وتراثها وحقوق مبدعيها الحقيقيين الأحياء منهم والأموات.

نقلًا عن «الشروق»