هل توسل عمر بالعباس يمنع التوسل بالنبي بعد وفاته؟.. الأعلى للشئون الإسلامية يوضح
أكد المجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن توسل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه في الاستسقاء لا يُعد دليلًا على منع التوسل بالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، موضحًا أن الاستدلال بهذه الواقعة على المنع يتطلب تفسيرًا لا ينص عليه الحديث صراحة.
حديث توسل عمر بالعباس في الاستسقاء
واستشهد المجلس بما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، وقال: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قال أنس: «فَيُسْقَوْنَ».
وأوضح المجلس أن الحديث لا يتضمن نصًا صريحًا على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، معتبرًا أن اختيار عمر رضي الله عنه التوسل بالعباس لا يستلزم نفي مشروعية صور التوسل الأخرى التي يستند إليها عدد من العلماء بأدلة شرعية.
أدلة يستند إليها المجلس في بيان مشروعية التوسل
وعرض المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سبعة أوجه للاستدلال على أن واقعة استسقاء عمر بالعباس لا تكفي وحدها لإثبات منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته.
أولًا: أثر بلال بن الحارث المزني
أشار المجلس إلى الرواية المنقولة عن مالك الدار بشأن إتيان بلال بن الحارث المزني القبر الشريف متوسلًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، موضحًا أن هذه الرواية من الأدلة التي يستند إليها القائلون بمشروعية التوسل بالنبي بعد وفاته.
ثانيًا: مشروعية الاستشفاع بأهل الصلاح
استشهد المجلس بما ذكره عدد من شراح صحيح البخاري، ومنهم ابن حجر العسقلاني والكرماني والبرماوي والعيني والقسطلاني وزكريا الأنصاري، بشأن استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة، موضحًا أن توسل عمر بالعباس يبرز هذه المشروعية ولا ينفي غيرها من صور التوسل.
ثالثًا: دلالة قول عمر «كنا نتوسل بنبينا»
أوضح المجلس أن عبارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا تنص صراحة على اقتصار التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم على فترة حياته، معتبرًا أن حملها على هذا المعنى يحتاج إلى دليل.
رابعًا: عدم ذكر صورة من التوسل لا يعني منعها
أكد المجلس أن اختيار الصحابة صورة معينة من صور التوسل لا يعني منع الصور الأخرى التي يستند القائلون بمشروعيتها إلى أدلة شرعية، موضحًا أن عدم ذكر نوع معين في واقعة الاستسقاء لا يكفي وحده للحكم بمنعه.
خامسًا: اختيار العباس لا يعني منع التوسل بالنبي
أشار المجلس إلى أن اختيار العباس رضي الله عنه للاستسقاء لا يدل بذاته على منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، موضحًا أن اختيار شخص معين للدعاء لا يستلزم نفي المشروعية عن غيره.
سادسًا: ارتباط الواقعة بصلاة الاستسقاء والدعاء
لفت المجلس إلى أن الاستسقاء من الأعمال المشروعة عند انقطاع المطر، وأن طلب الدعاء من أهل الصلاح يأتي في هذا السياق، معتبرًا أن لجوء عمر إلى العباس لا ينفي مشروعية صور أخرى من التوسل إذا ثبتت بأدلة مستقلة.
سابعًا: ضرورة جمع الأدلة وفهم دلالاتها
خلص المجلس إلى أن واقعة توسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما لا تكفي وحدها لإثبات منع التوسل بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، مؤكدًا ضرورة جمع الأدلة والنظر في دلالاتها وفق مناهج الاستدلال الفقهي.
ونقل المجلس عن الإمام محمد زاهد الكوثري اعتراضه على الاستدلال بالواقعة لمنع التوسل بالنبي بعد وفاته، معتبرًا أن العدول إلى العباس في الاستسقاء لا يثبت وحده هذا المنع.
التوسل من المسائل التي تناولها العلماء بالبحث
وأكد المجلس أن واقعة استسقاء عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما ينبغي فهمها في سياقها، مع التمييز بين نص الحديث وما يستنبطه العلماء منه من أحكام.
وتُعد مسألة التوسل من المسائل التي تناولها العلماء بالبحث والاستدلال، واختلفت آراؤهم في بعض صورها وكيفياتها، وهو ما يستدعي عرض الأدلة وأقوال العلماء بدقة، مع مراعاة آداب الخلاف العلمي.