مش عيب».. مبادرة رائدة من مؤسسة «خير ورحمة» بحلوان لكسر حاجز الصمت حول البلوغ والصحة الإنجابية ومواجهة الفقر الحيضي
في خطوة مجتمعية تستهدف كسر الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالصحة النسائية، تبرز مبادرة «مش عيب» التي أطلقتها مؤسسة «خير ورحمة – يد المعونة لتنمية المجتمع» بحلوان، باعتبارها أحد أبرز مشروعاتها التوعوية والتمكينية، حيث تجمع بين نشر الوعي الصحي، ومواجهة الوصمة المجتمعية، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن السيدات والفتيات، وفتح آفاق جديدة للتمكين الاقتصادي للمرأة.
وتنطلق المبادرة من رسالة واضحة مفادها أن الحديث عن البلوغ والدورة الشهرية والصحة الجنسية والإنجابية ليس أمرًا يدعو إلى الخجل، بل ضرورة صحية وتوعوية تساعد الفتيات على فهم التغيرات الطبيعية التي يمررن بها، وتمكن الأمهات من التعامل مع بناتهن وأبنائهن بوعي وثقة، بعيدًا عن الصمت والمعلومات المغلوطة.
وتسعى المبادرة إلى تحويل الموضوعات التي ما دام أحاطت بها الحواجز الاجتماعية إلى مساحة آمنة للحوار والتعلم، بما يتيح للفتيات الحصول على المعلومات الصحيحة، ويشجع الأسر على مناقشة القضايا الصحية الحساسة بصورة مسؤولة تتناسب مع أعمار الأبناء واحتياجاتهم.
مواجهة الفقر الحيضي.. لأن الاحتياجات الصحية ليست رفاهية
من أبرز الملفات التي تتناولها مبادرة «مش عيب» قضية الفقر الحيضي، التي تتمثل في صعوبة حصول بعض السيدات والفتيات على منتجات النظافة الصحية اللازمة خلال الدورة الشهرية، نتيجة الظروف الاقتصادية أو نقص الوعي والموارد المتاحة.
وتزداد أهمية القضية لدى الأسر محدودة الدخل، التي تضطر إلى ترتيب أولوياتها بين الغذاء والتعليم والعلاج ومختلف متطلبات المعيشة، وهو ما يجعل توفير المستلزمات الصحية عبئًا إضافيًا على بعض الأمهات والفتيات.
ومن هنا، لا تتعامل المبادرة مع القضية باعتبارها مجرد احتياج إلى منتجات صحية، بل تسعى إلى مواجهتها من خلال مسارين متكاملين؛ أولهما نشر الوعي وتصحيح المفاهيم المرتبطة بالدورة الشهرية، وثانيهما توفير بدائل مستدامة تساعد على تخفيف الأعباء الاقتصادية عن المستفيدات.
أكثر من 2000 فوطة صحية مستدامة تصل إلى 700 سيدة وفتاة
حققت المبادرة نتائج ميدانية في هذا المجال، من خلال توزيع أكثر من 2000 فوطة صحية قماشية مستدامة على نحو 700 سيدة وفتاة، في خطوة تستهدف المساهمة في تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالاحتياجات الشهرية.
وتعتمد هذه المنتجات على إمكانية غسلها وإعادة استخدامها، مع ضرورة الالتزام بقواعد النظافة والتجفيف الكامل والتخزين الصحي، بما يضمن استخدامها بصورة آمنة ومناسبة.
وتعكس هذه الخطوة توجهًا نحو تقديم حلول عملية تراعي الظروف الاقتصادية للأسر، بالتوازي مع تعزيز المعرفة الصحية لدى المستفيدات، والتأكيد على أن احتياجات المرأة الصحية تستحق الاهتمام والتوعية والدعم، دون خجل أو وصمة اجتماعية.
تمكين اقتصادي للمرأة.. تدريب أكثر من 60 سيدة على التصنيع
لم تتوقف المبادرة عند توزيع المنتجات الصحية، بل امتدت إلى جانب أكثر استدامة، من خلال تدريب أكثر من 60 سيدة على حرفة تصنيع الفوط الصحية القماشية القابلة لإعادة الاستخدام.
ويمثل التدريب فرصة لاكتساب مهارة إنتاجية يمكن الاستفادة منها في التصنيع المنزلي، بما يفتح المجال أمام بعض المشاركات لتطوير مصادر دخل، إلى جانب الاستفادة من المنتجات في تلبية الاحتياجات الشخصية والأسرية.
وتجمع هذه الخطوة بين هدفين أساسيين؛ أولهما تخفيف الأعباء المرتبطة بتوفير المستلزمات الصحية، وثانيهما تعزيز قدرة المرأة على الإنتاج واكتساب مهارات عملية قد تساعدها على تحسين ظروفها الاقتصادية.
وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في ضوء التحديات التي تواجهها المرأة المعيلة، إذ إن إتاحة فرص التدريب والإنتاج يمكن أن تمثل بداية لمسار أوسع نحو الاستقلال المالي، عندما تتوافر الإمكانات والفرص المناسبة لتطوير المهارات وتسويق المنتجات.
حوار بين الأمهات والفتيات.. كسر حاجز الخجل بالمعلومة الصحيحة
تولي مبادرة «مش عيب» اهتمامًا كبيرًا بالتوعية المجتمعية، من خلال خلق مساحة للحوار بين الأمهات وبناتهن وأبنائهن في مرحلة البلوغ، وتقديم المعلومات العلمية بأساليب مبسطة وقصص تفاعلية تساعد على توصيل الرسائل الصحية بصورة مفهومة.
وتستهدف هذه اللقاءات تشجيع الأمهات على التعامل مع تساؤلات الأبناء بهدوء ووعي، بدلًا من تركهم عرضة للمعلومات غير الدقيقة أو المفاهيم المغلوطة التي قد يتلقونها من مصادر غير موثوقة.
كما تسعى المبادرة إلى تعزيز الثقة داخل الأسرة، والتأكيد على أن التغيرات المصاحبة للبلوغ جزء طبيعي من النمو، وأن فهمها والتعامل معها بصورة صحيحة يساعدان على حماية الصحة الجسدية والنفسية للفتيات والفتيان.
ويمثل هذا التوجه جانبًا مهمًا من العمل التوعوي، خاصة في المجتمعات التي قد تحول فيها الحساسية الاجتماعية دون مناقشة بعض الموضوعات الصحية، رغم ارتباطها المباشر بحياة الأبناء واحتياجاتهم.
من حلوان إلى حكر التبين.. التوعية تصل إلى الأهالي في الميدان
تعتمد مؤسسة «خير ورحمة» في تنفيذ مبادرة «مش عيب» على التواصل المباشر مع الأهالي، والنزول إلى المناطق الشعبية للوصول إلى الفئات المستهدفة، وتقديم التوعية بصورة تتناسب مع طبيعة المجتمع المحلي واحتياجاته.
ويعكس هذا النهج إيمان المؤسسة بأن التغيير المجتمعي يبدأ من الاستماع إلى الناس وفهم التحديات التي تواجههم، ثم تقديم المعلومات والحلول التي يمكن أن تحدث فارقًا في حياتهم اليومية.
ولا تقتصر أهمية الوصول الميداني على زيادة عدد المستفيدات، بل تمتد إلى توفير مساحة أكثر قربًا للحوار، تتيح للسيدات والفتيات طرح الأسئلة والتعبير عن احتياجاتهن والتعرف على المعلومات الصحية بصورة مباشرة.
قياس الأثر.. كيف تغير المبادرة وعي المشاركات؟
من الجوانب المهمة في المبادرة اهتمامها بتقييم نتائج الأنشطة التوعوية، من خلال استخدام استمارات لقياس التغير المعرفي والسلوكي لدى المشاركات قبل تنفيذ الأنشطة وبعدها.
ويساعد هذا النهج على التعرف على مدى استفادة المشاركات من المعلومات المقدمة، ورصد التغيرات في فهمهن للقضايا المرتبطة بالبلوغ والدورة الشهرية والصحة الإنجابية.
كما تهتم المبادرة بتوثيق قصص التحول الإيجابي في وعي الأسر، بما يساعد على تحديد الاحتياجات التوعوية وتطوير الأنشطة المستقبلية وفقًا لما تكشف عنه التجربة الميدانية.
«مش عيب».. رسالة تتجاوز التوعية إلى التمكين والكرامة
تمثل مبادرة «مش عيب» نموذجًا للعمل المجتمعي الذي يجمع بين التوعية الصحية والتمكين الاقتصادي والاستجابة للاحتياجات الفعلية للمرأة، من خلال التعامل مع قضية حساسة بأسلوب يقوم على المعرفة والاحترام والحوار.
فالمبادرة لا تكتفي بتقديم المعلومات أو توزيع المستلزمات الصحية، بل تسعى إلى مواجهة أسباب متعددة للمشكلة، من بينها الحرج الاجتماعي، ونقص المعرفة، والأعباء الاقتصادية التي قد تواجه بعض الأسر.
ومن خلال تدريب السيدات على التصنيع، وتوفير منتجات صحية مستدامة، وتنظيم اللقاءات التوعوية، تعمل المبادرة على توسيع دائرة الاستفادة، وتعزيز قدرة النساء والفتيات على التعامل مع احتياجاتهن الصحية بثقة ووعي.
وتبقى الرسالة الأبرز التي تحملها المبادرة: أن التوعية حق، والصحة ضرورة، والحديث عن احتياجات المرأة ليس عيبًا، بل خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر وعيًا واحترامًا واحتواءً.
مبادرة «مش عيب».. لأن المعرفة تحمي، والتمكين يصنع الفرص، والكرامة تبدأ بالوعي.