42% شائعات مجتمعية وخدمية وأمنية... أبرز أنماط التضليل في مصر
أصدر المؤشر العالمي للفتوى (GFI)، التابع لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تقريرًا يرصد أنماط الشائعات والمعلومات المضللة المتداولة في مصر خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2026، بالتزامن مع انطلاق «منتدى مصر 2026» ودعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى رفع وعي المواطنين وتعريفهم بسبل مواجهة الشائعات والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة.
وكشف التقرير عن تنوع موضوعات الشائعات بين القضايا المجتمعية والخدمية والأمنية والاقتصادية والدينية، إلى جانب الأخبار المتعلقة بالصحة والأصول الوطنية والمشروعات الاستراتيجية، بما يعكس تعدد المجالات التي يمكن أن تستهدفها المعلومات غير الدقيقة، وتأثيرها المحتمل في وعي المواطنين وثقتهم بالمعلومات المتداولة.
42% للشائعات المجتمعية والخدمية والأمنية
أظهر التحليل الكمي للحالات التي رصدها المؤشر خلال الأشهر الثلاثة تصدر الشائعات المجتمعية والخدمية والأمنية بنسبة 42%، تلتها الشائعات الاقتصادية بنسبة 37%، فيما بلغت نسبة الشائعات والمعلومات المضللة المتعلقة بالقضايا الدينية 21%.
وأوضح التقرير أن تصدر الشائعات المجتمعية والخدمية والأمنية يعكس أهمية القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين، واحتياجاتهم الأساسية وشعورهم بالأمان، بينما ارتبطت الشائعات الاقتصادية بموضوعات معيشية ومالية وخدمية تمس مصالح المواطنين بصورة مباشرة.
أما الشائعات الدينية، فتضمنت أنماطًا من انتحال الشخصيات الدينية، وتوظيف الرموز والمؤسسات الدينية في محتوى مضلل، إلى جانب ادعاءات تمس سمعة الأفراد.
وأكد المؤشر أن تنوع هذه الأنماط يستدعي تطوير استجابات توعوية وإعلامية متخصصة، تراعي طبيعة كل قضية وآليات تأثيرها في الجمهور.
الأسعار والأدوية والدعم الاجتماعي في صدارة القضايا الحساسة
وأشار التقرير إلى أن الشائعات المرتبطة بالأسعار والطاقة والأدوية والدعم الاجتماعي والرسوم والخدمات العامة تحظى بحساسية خاصة، لارتباطها المباشر باحتياجات المواطنين ومصادر قلقهم.
ورصد المؤشر تداول ادعاءات بشأن زيادة أسعار البنزين والسولار دون الاستناد إلى قرار رسمي، إلى جانب مزاعم تتعلق بعدم توافر أدوية التأمين الصحي والأنسولين، وأخرى بشأن استبعاد أكثر من ثلاثة ملايين أسرة من برنامج «تكافل وكرامة».
وأوضح التقرير أنه جرى الاستناد إلى توضيحات الجهات المختصة في التحقق من هذه الادعاءات، سواء لنفي المعلومات المتداولة أو تصحيحها.
كما تناول التقرير مزاعم بشأن طرح أراضٍ ومواقع مطلة على كورنيش النيل للبيع، وادعاءات ربطت خسائر قناة السويس بمقترحات لبيعها أو مقايضتها بالمديونية، اعتمادًا على تصريحات قديمة أعيد تداولها خارج سياقها الأصلي.
ولفت المؤشر إلى أن بعض أنماط التضليل تقوم على استخدام معلومة جزئية أو قديمة، ثم بناء استنتاجات جديدة عليها دون وجود دليل يؤكدها، بما قد يوحي بصدور قرارات أو تبني توجهات رسمية لم يثبت الإعلان عنها.
وامتد الرصد إلى ادعاءات بشأن تكلفة إصلاح سفينة التغييز «إنرجوس وينتر»، ورسوم المعاملات القنصلية للمصريين بالخارج، وسلامة تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية، فضلًا عن موضوعات تتعلق بالهجرة ومياه النيل والملاحة البحرية والأوضاع داخل مراكز الإصلاح والتأهيل.
انتحال الشخصيات الدينية والترويج لمنتجات مضللة
وفيما يتعلق بالشائعات الدينية، كشف التقرير عن أنماط تتجاوز اختلاق الأحكام الشرعية إلى اجتزاء أقوال العلماء، وانتحال الشخصيات الدينية، وتوظيف الرموز الدينية في سياقات تجارية أو دعائية مضللة.
ومن أبرز الحالات التي تناولها التقرير استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج إعلانات ومقاطع تنتحل صورة وصوت الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، للترويج لأدوية ومنتجات علاجية.
وأشار التقرير إلى تحذيرات الأزهر من هذه المواد، وتأكيده عدم صلتها بالإمام الأكبر أو المؤسسة، موضحًا أن استغلال مكانة الشخصيات الدينية قد يمنح المنتجات المعلن عنها مصداقية زائفة، ويؤثر في قرارات الشراء والصحة لدى الجمهور.
كما رصد المؤشر التلاعب بمقطع صوتي مرتبط بإذاعة القرآن الكريم واستخدامه في إعلان تجاري، إلى جانب محتوى يوحي بوجود انتماء مؤسسي أو ديني دون التحقق من صحته.
وأكد التقرير أن هذه الممارسات قد تستهدف سمعة الأفراد والمؤسسات، أو تستغل ثقة الجمهور في الرموز الدينية لتحقيق أهداف تجارية، أو إثارة خلافات اجتماعية استنادًا إلى أقوال مبتورة أو منسوبة على غير وجهها الصحيح.
الذكاء الاصطناعي يزيد تحديات التحقق
وأوضح المؤشر أن التطور التقني أتاح إمكانات واسعة لإنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية تبدو واقعية، الأمر الذي يزيد صعوبة التمييز بين المحتوى الأصلي والمحتوى المصطنع أو المعدل، خاصة عند استخدام هذه التقنيات في انتحال الشخصيات العامة أو الترويج للمنتجات أو إعادة تقديم أحداث قديمة باعتبارها وقائع جديدة.
وأشار التقرير إلى أن التضليل لا يقتصر على صناعة محتوى مزيف بالكامل، بل قد يشمل اقتطاع تصريح من سياقه، أو حذف جزء منه بما يغير دلالته، أو إضافة معلومات لا يتضمنها المصدر الأصلي.
وشدد على أهمية الرجوع إلى المصدر الأول، ومقارنة النسخ المتداولة، وفحص تاريخ النشر والسياق، والاستعانة بقرائن مستقلة للتحقق من صحة المحتوى، مؤكدًا أن أدوات كشف المواد المولدة بالذكاء الاصطناعي لا تقدم بمفردها حكمًا قاطعًا، وأن نتائجها تحتاج إلى مراجعة وتدقيق.
التفاعل الرقمي لا يعني بالضرورة تصديق الشائعة
وتناول التقرير أهمية التمييز بين معدلات تداول الادعاءات، وعدد المشاركات والتعليقات، وحجم الوصول الفعلي، وطبيعة استجابة الجمهور، محذرًا من دمج هذه المؤشرات في رقم واحد أو اعتبار كل إعادة نشر دليلًا على تأييد المحتوى.
وأوضح أن بعض المستخدمين قد يعيدون تداول الشائعة بغرض التحذير منها أو انتقادها أو السخرية منها، بينما ينشرها آخرون دون التحقق من صحتها، وهو ما يستدعي التمييز بين التفاعل المؤيد للادعاء، والرافض له، والمشاركة التوعوية، والتداول غير الواعي.
كما أشار إلى أن إثبات التأثير الفعلي للشائعات يتطلب بيانات موثقة ومنهجية واضحة لقياس الوصول والتفاعل والتغير في اتجاهات الجمهور، وليس الاكتفاء بتكرار الادعاء في وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي.
توصيات لمواجهة الشائعات وتعزيز الوعي
وطرح المؤشر العالمي للفتوى مجموعة من التوصيات لتعزيز جهود مواجهة التضليل، من بينها إنشاء سجل رصد مشترك يصنف الشائعات وفق موضوعاتها وتاريخ ظهورها والجهة المنسوب إليها الادعاء ونتائج التحقق، مع أرشفة المنشورات الأصلية وتوثيق خطوات الفحص.
كما أوصى بإصدار ردود سريعة ومختصرة قابلة للمشاركة، ترتبط بمصادر تفصيلية للمعلومات الصحيحة، وتطوير آليات تتيح البحث في الفتاوى المتداولة والتحقق من نسبتها إلى العلماء والمؤسسات الدينية.
وشدد التقرير على أهمية إتاحة المعلومات الرسمية بصورة استباقية، خصوصًا في الملفات المتعلقة بالأصول العامة والدعم الاجتماعي والخدمات الأساسية، وتقديم أدلة قابلة للفحص عند تصحيح المعلومات المغلوطة، بدلًا من الاكتفاء بعبارات النفي العامة.
ودعا كذلك إلى توسيع برامج التوعية الإعلامية والرقمية، وتعريف المواطنين بطرق كشف الصور القديمة والمضللة، والتحقق من مقاطع الفيديو والتسجيلات الصوتية والمستندات المتداولة، مع تعزيز التعاون بين المؤسسات الدينية والإعلامية والجهات المختصة.
التثبت مسؤولية مشتركة
واختتم المؤشر تقريره بالتأكيد على أن مواجهة الشائعات لا تتحقق بالنفي وحده، وإنما تتطلب منظومة متكاملة تجمع بين سرعة الاستجابة، وتصحيح المعلومات، والتحقق المهني، والتوعية المجتمعية.
وأكد أن مسؤولية مكافحة التضليل لا تقع على المؤسسات وحدها، بل تمتد إلى مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي، إذ قد تسهم إعادة نشر معلومة غير موثقة في توسيع انتشارها، حتى لو كان الهدف من تداولها التحذير منها.
وشدد التقرير على أهمية الرجوع إلى المصادر الأصلية والجهات المختصة قبل تصديق المعلومات أو نشرها، وعدم اتخاذ قرارات صحية أو مالية أو اجتماعية استنادًا إلى رسائل مجهولة أو محتوى مبتور، إلى جانب احترام خصوصية الأفراد وعدم الخلط بين الاختلاف المشروع والتضليل المتعمد.
واعتبر أن ترسيخ ثقافة التحقق، وتعزيز الثقة القائمة على المعلومات الموثقة، وتكامل الأدوار بين المؤسسات الدينية والإعلامية والرسمية والمجتمع، تمثل ركائز أساسية لحماية الوعي العام ودعم الاستقرار المجتمعي