أزمة دبلوماسية بين واشنطن ولندن بسبب تصريحات هيجسيث عن حرب أفغانستان
أثارت تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث بشأن مشاركة القوات البريطانية في حرب أفغانستان موجة من الغضب في المملكة المتحدة، بعدما شكك في حجم الدور الذي لعبته القوات الحليفة للولايات المتحدة خلال العمليات العسكرية. وسارعت رئاسة الوزراء البريطانية إلى الرد على هذه التصريحات، مؤكدة أن تضحيات الجنود البريطانيين لا يمكن التقليل من شأنها، في وقت تعيد فيه الواقعة فتح ملف الخلافات بين واشنطن ولندن بشأن تاريخ مشاركتهما العسكرية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.
لندن ترد على تصريحات هيجسيث بشأن أفغانستان
رفضت رئاسة الوزراء البريطانية تصريحات وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، التي قلل فيها من حجم المشاركة العسكرية البريطانية في حرب أفغانستان، مشددة على أن الوقائع والتضحيات التي قدمتها القوات البريطانية وقوات حلف شمال الأطلسي تتحدث عن نفسها.
ونقلت صحيفة الإندبندنت عن متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني تأكيده أن آلاف العائلات البريطانية والحليفة قدمت تضحيات كبيرة خلال الحرب، دفاعًا عن الأمن الجماعي والقيم المشتركة، وردًا على الهجوم الذي استهدف أحد حلفاء الحلف.
وقال المتحدث إن أكثر من 450 جنديًا بريطانيًا فقدوا حياتهم خلال الحرب، مؤكدًا أن المملكة المتحدة تشعر بالفخر بقواتها المسلحة، وأن خدمات الجنود وتضحياتهم لن تُنسى، واصفًا التقليل من دورهم بأنه أمر خاطئ.
وجاء الرد البريطاني في مواجهة تصريحات هيجسيث، الذي أثار جدلًا واسعًا بعدما شكك في حجم مساهمة الدول المشاركة في العمليات العسكرية بأفغانستان، رغم انضمام عشرات الدول إلى المهمة التي قادتها الولايات المتحدة تحت مظلة حلف الناتو.
هيجسيث يشكك في حجم المشاركة العسكرية للحلفاء
وكان وزير الحرب الأمريكي يتحدث إلى طلاب في الكلية العسكرية الأمريكية، مستعيدًا تجربته السابقة قائدًا في أفغانستان، عندما أشار إلى وجود أعلام نحو 50 دولة في مقر القيادة بالعاصمة كابول.
وأوضح هيجسيث أن هذا المشهد عكس اتساع المشاركة الدولية في مهمة حلف الناتو، لكنه رأى أن عدد الدول التي شاركت فعليًا في العمليات القتالية كان أقل بكثير، مقدرًا إياه بنحو خمس دول، وربما دولة أو دولتين فقط في نهاية المطاف.
وأثارت هذه التصريحات انتقادات بريطانية، إذ اعتُبرت تقليلًا من الدور الذي أدته القوات المسلحة البريطانية خلال الحرب، وما تكبدته من خسائر بشرية في إطار العمليات العسكرية التي استمرت لسنوات طويلة.
وبحسب منظمة «هيلب فور هيروز» الخيرية المعنية بالمحاربين القدامى، تجاوز عدد القتلى من قوات الدول المشاركة في التحالف، باستثناء الولايات المتحدة، 1100 مقاتل، وكانت الغالبية العظمى منهم من دول حلف الناتو.
في المقابل، تجاوز عدد القتلى في صفوف القوات المسلحة الأمريكية 2300 جندي، فيما سجلت المملكة المتحدة ثاني أعلى حصيلة للقتلى العسكريين بين دول التحالف، بعد الولايات المتحدة.
خلافات متجددة بين واشنطن ولندن حول حرب أفغانستان
ولا تمثل تصريحات هيجسيث الواقعة الأولى التي تشهد انتقادات أمريكية للدور البريطاني في حرب أفغانستان، إذ سبق أن أثارت تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلًا بشأن مدى مساهمة حلف الناتو في العمليات العسكرية ودعمه للولايات المتحدة.
وكان ترامب قد شكك في وقت سابق من العام الجاري في استعداد الحلفاء الأوروبيين لتقديم الدعم لواشنطن عند الحاجة، مشيرًا إلى أن القوات التي أرسلوها إلى أفغانستان بقيت، على حد تعبيره، بعيدًا عن خطوط المواجهة.
وقال ترامب في تصريحات سابقة إن الولايات المتحدة لم تكن بحاجة إلى مساعدة الحلفاء، رغم إقراره بأن دولًا من الحلف أرسلت قوات إلى أفغانستان.
وأثارت هذه التصريحات غضبًا واسعًا في بريطانيا، ما دفع ترامب لاحقًا إلى الإشادة بالجنود البريطانيين، واصفًا إياهم بالشجعان والعظماء، بعدما طرح رئيس الوزراء البريطاني آنذاك كير ستارمر القضية خلال اتصال هاتفي معه.
المادة الخامسة تعيد التذكير بالتضامن داخل الناتو
وتأتي هذه الخلافات في وقت تظل فيه حرب أفغانستان إحدى أبرز المحطات التي جسدت التعاون العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، التي دفعت حلف شمال الأطلسي إلى تفعيل مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة الحلف.
وتُعد الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي فُعّلت المادة الخامسة لصالحها، بعدما اعتبر الحلف الهجمات التي تعرضت لها واشنطن ونيويورك اعتداءً يستوجب التضامن الجماعي.
ومن ثم، فإن الجدل الذي أثارته تصريحات بيت هيجسيث لا يقتصر على تقييم المشاركة البريطانية في حرب أفغانستان، بل يمتد إلى طبيعة العلاقات العسكرية بين واشنطن ولندن، وحدود الاعتراف بتضحيات الحلفاء في العمليات المشتركة.
وتسلط الأزمة الضوء على حساسية ملف حرب أفغانستان بالنسبة إلى بريطانيا، التي فقدت مئات الجنود خلال مشاركتها، وعلى أهمية الحفاظ على التفاهم بين الحليفين، في ظل الخلافات المتكررة بشأن تقاسم الأعباء العسكرية داخل حلف الناتو.