عادل توماس يكتب: كبار السن ليسوا وحدهم.. أين القانون الذي يحميهم من العقوق والاعتداء؟
في الوقت الذي تتزايد فيه المخاوف المجتمعية من وقائع الاعتداء على الآباء والأمهات على أيدي أبنائهم، ومن التعدي على كبار السن من جانب غرباء، تبرز قضية إنسانية ومجتمعية تستحق أن توضع على رأس أولويات المشرّع المصري: كيف نحمي كبار السن من العنف والإهانة والاستغلال، ونضمن لهم حياة آمنة تحفظ كرامتهم؟
لم يعد من المقبول أن يواجه أب أو أم تقدما في العمر الخوف داخل منزلهما، أو أن يجد أحد كبار السن نفسه عاجزًا عن حماية نفسه أمام اعتداء أو استغلال، سواء كان مصدره أحد أفراد الأسرة أو شخصًا غريبًا. فهذه الفئة التي أفنت سنوات عمرها في العمل وتربية الأبناء وخدمة المجتمع، تستحق أن تحظى بالحماية والرعاية، لا أن تتحول سنواتها الأخيرة إلى رحلة من المعاناة والخوف.
عقوق الوالدين.. جريمة لا ينبغي أن تمر دون مواجهة حاسمة
إن الاعتداء على الوالدين، سواء بالضرب أو التهديد أو الإهانة أو الاستيلاء على الأموال والممتلكات أو استغلال حالة الضعف الناتجة عن التقدم في العمر، يمثل خطرًا لا يتوقف عند حدود الأسرة، بل يمتد أثره إلى المجتمع بأكمله.
فالأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، واحترام الوالدين ورعايتهما ليسا مجرد واجب أخلاقي وديني، بل مسؤولية إنسانية يجب أن تحظى بالحماية القانونية عندما تتحول الإساءة إلى اعتداء أو استغلال.
ولا يجوز أن يصبح الرابط الأسري سببًا في إفلات المعتدي من المساءلة، أو أن يُترك الأب أو الأم فريسة للخوف من الإبلاغ عن ابنهما خشية الفضيحة أو تفكك الأسرة أو التعرض لمزيد من الإيذاء.
نحتاج إلى قانون خاص لحماية كبار السن
من هنا، تبرز ضرورة فتح نقاش جاد حول إصدار قانون متكامل لحماية كبار السن في مصر، أو تطوير التشريعات القائمة بما يضمن توفير حماية قانونية واضحة وفعالة لهذه الفئة، أسوة بالتجارب التشريعية في عدد من الدول التي وضعت آليات خاصة لمواجهة إساءة معاملة كبار السن.
ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على تشديد العقوبات فقط، بل يجب أن يمتد إلى إنشاء منظومة متكاملة للوقاية والتدخل والحماية، تتضمن آليات واضحة للإبلاغ عن الاعتداءات، وسرعة فحص الشكاوى، وتوفير الحماية العاجلة للمجني عليهم عند الضرورة، مع ضمان سرية بياناتهم ومنع تعرضهم للانتقام بسبب الإبلاغ.
كما يجب أن تشمل هذه المنظومة مواجهة الإهمال المتعمد، والاستغلال المالي، والضغط على كبار السن للتنازل عن ممتلكاتهم، والاعتداء البدني أو النفسي عليهم، مع مراعاة الظروف القانونية لكل واقعة، وضمان حقوق جميع الأطراف أمام جهات التحقيق والقضاء.
ومن المهم أيضًا توفير الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني للضحايا، وتعزيز دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وتيسير وصول كبار السن إلى الجهات المختصة دون تعقيدات إدارية أو مالية تحول دون حصولهم على حقوقهم.
الحماية لا تعني العقوبة فقط.. بل التدخل قبل وقوع الجريمة
القانون الفعال ليس هو الذي يعاقب المعتدي بعد وقوع الجريمة فحسب، بل الذي يستطيع حماية الضحية قبل أن تتفاقم معاناتها.
فكم من أب أو أم قد يتعرضان للإيذاء داخل المنزل، ولا يجرؤان على تقديم بلاغ؟ وكم من مسن قد يتعرض للاستغلال بسبب ضعف قدرته على الحركة أو حاجته إلى الآخرين؟ وكم من واقعة قد تمر دون تدخل لأن الضحية لا تعرف إلى من تلجأ، أو تخشى أن يؤدي الإبلاغ إلى زيادة معاناتها؟
هذه الأسئلة تفرض ضرورة وجود آلية واضحة للتدخل السريع، بالتعاون بين الجهات الأمنية والاجتماعية والصحية، مع توفير وسائل آمنة للإبلاغ، وإجراء تقييم جاد للمخاطر التي قد يتعرض لها كبار السن.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا تتحول الحماية إلى ذريعة للتدخل غير المبرر في شؤون الأسر، بل ينبغي أن تقوم على أدلة وإجراءات قانونية واضحة، توازن بين حماية المسن واحترام حقوقه واستقلاله وكرامته.
رسالة إلى مجلس النواب والحكومة
إن حماية كبار السن ليست قضية هامشية، ولا مطلبًا لفئة محدودة من المواطنين، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تمس كل أسرة مصرية.
ومن هنا، نطالب بفتح حوار مجتمعي وتشريعي جاد حول إصدار قانون متكامل لحماية كبار السن من الاعتداء والإهمال والاستغلال، مع مراجعة التشريعات الحالية لتحديد أوجه القصور، والاستفادة من التجارب الدولية التي تتناسب مع طبيعة المجتمع المصري.
كما نطالب بدراسة إنشاء آلية وطنية متخصصة لتلقي بلاغات إساءة معاملة كبار السن، وتنسيق التدخل العاجل لحمايتهم، وتقديم الدعم اللازم لهم، مع ضمان المساءلة القانونية لكل من يثبت تورطه في الاعتداء عليهم.
إن كرامة الأب والأم ليست شأنًا عائليًا خاصًا عندما تتعرض للاعتداء، بل قضية تستوجب حماية القانون.
فالمجتمع الذي لا يستطيع حماية كبار السن، الذين صنعوا حاضره وضحوا من أجل مستقبل أبنائه، يحتاج إلى مراجعة أولوياته، وإلى تشريعات تترجم احترامهم إلى حماية حقيقية على أرض الواقع.
كبار السن ليسوا عبئًا على المجتمع.. بل هم أصحاب فضل وحق، وحمايتهم واجب لا يحتمل التأجيل.