< محمد مازن يكتب من بكين: بعيدا عن سخافات التريند الصيني
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: بعيدا عن سخافات التريند الصيني

النبأ

في ظهيرة يوم إجازة، خرجت بلا بوصلة ولا خطة، هربا من رتابة الأيام. كان كل شيء حولي يئن من نفاد طاقته، الإسكوتر لم يكن مشحونا بما يكفي، وهاتفي المحمول لفظ أنفاسه الأخيرة أمام مركز تجاري قديم. مركز كاد يطويه النسيان في مخيلتي منذ أن انتقلت إلى منزلي الجديد قبل عام، وكأنه كان ينتظرني بجوار منزلي القديم ليعيدني إلى نفسي.

وضعت الإسكوتر على شاحن خارجي، ودلفت إلى الداخل أبحث عن شاحن تشاركي للموبايل، مدفوعا بجوع مضن عند الساعة الثانية ظهرا. وكالعادة، لم أجد ما يروق لي من طعام. وقادتني خطواتي الحائرة إلى الدور الثاني، ذلك الفضاء المخصص لأنشطة الأطفال.

المكان يفوح ببراءة افتقدتها ويعج بطيور منزلية كأنها مرآة مكسورة تذكرني ببيتي القديم في الوطن. فالمدن اليوم، ومنذ أزمة إنفلونزا الطيور، لم تعد تسمح بتداول الطيور الحية في شوارعها وأسواقها، وباتت مثل هذه الأنشطة التفاعلية في المولات هي المحميات الأخيرة للحياة الفطرية البسيطة داخل الغابات الخرسانية.

سرت أتحسس المكان، خطوة للأمام وأخرى للخلف، أراقب المحلات المختلفة. كان أكثر ما يميزها هو ذلك الغياب البهيج للطابع التجاري الاستهلاكي. لم تعد هناك واجهات زجاجية مكدسة بالملابس والأحذية كما زمان، وهو تحول طبيعي نتيجة سطوة التجارة الإلكترونية، لكنه هنا ترك مساحة لشيء أعمق-- الرسم، الموسيقى، الفنون الشعبية، وحدائق الطيور البسيطة التي تتيح للأطفال فرصة التفاعل مع الطبيعة والجمال.

وفجأة، استوقفتني طاولة كبيرة تتوسط المكان، كأنها مغناطيس للروح.

كانت الطاولة محاطة بسيدات صينيات وقورات، نسج الزمان خطوطه على وجوههن، يجلس معهن أطفال يتأملون بأعين لامعة. تناثرت فوق الطاولة مقصات معدنية صغيرة وأكوام من الأوراق الحمراء القانية. وقفت لأتأمل هذا المشهد البصري الآسر، فلمحتني إحدى الجدات. التقت عيناي بعينيها، فدعتني بلطف وجلال للجلوس. ترددت قليلا محرجا، واكتفيت بالاستئذان لالتقاط صورة تذكارية. لكن كرمها العفوي تجاوز توقعاتي، نهضت نحو مقعدها وأحضرت لي ورقة حمراء، مقصوصة بدقة تناهز الإعجاز، على شكل طائر الفنيق العتيق.

كان هذا هو فن قص الورق الصيني التقليدي، غمرني شعور جارف بالتأثر. كيف لامرأة التقيها لأول مرة، بلا موعد، ولا تخطيط، ولا لغة مشتركة، أن تهديني عملا فنيا استغرق من وقتها وجهدها وتركيز بصرها الكثير؟ لم يكن هذا الكرم سوى شرارة أشعلت الطاولة بالترحاب. انهالت علي الدعوات للمشاركة. جلست بينهن، وناولتني سيدة وقورة ورقة حمراء، وهي اللون الذي يحمل في الوجدان الصيني تميمة الحظ، والطاقة الإيجابية، والابتهاج. 

حاصرتني ابتسامات دافئة، وترمقتني عيون سعيدة بمشاركتي، في لغة مشاعر كونية لا تحتاج إلى مترجم. إحداهن أعطتني مقصا، وأخرى راحت تشرح لي بالإشارات واللمسات رقة استخدام الأدوات.

كانت الورقة التي بين يدي عبارة عن نموذج دليل باللونين الأبيض والأسود لثمرة الخوخ، وتحتها تستقر الورقة الحمراء. كان علي أن أقص المساحات البيضاء فقط، ليبرز في النهاية شكل ثمرة خوخ متكاملة ناضجة. والخوخ في الثقافة الصينية ليس مجرد فاكهة، بل هو رمز أصيل للرخاء، والازدهار، والصحة، وطول العمر.

أثناء القص، تذكرت الفلسفة العميقة التي يقوم عليها هذا الفن، إذ يعتمد على تقنية "اتصال الخطوط بالكامل". يعني ذلك أن اللوحة المفرغة، مهما بلغت تعقيداتها وتفاصيلها الدقيقة، يجب أن تظل متصلة ببعضها البعض كخيط واحد لا ينقطع من بدايتها إلى نهايتها. إنها محاكاة بصرية لفلسفة الكون والحياة في الشرق، حيث كل شيء متصل، وكل إنسان هو جزء من نسيج أكبر. 

بدأت بالقص وتوقفت متأملا، وكلما تعثر مقصي، كانت تمتد إلي يد أستاذة كبيرة بروح أسرية حانية لتقوم الاعوجاج. وعندما انتهيت، كانت النتيجة مبهرة، وقرأت في ملامح الحاضرين من سيدات وأطفال علامات الفخر والبهجة، وكأنني تلميذ نجب نجح في اختباره الأول.

ظننت أن هذه هي نهاية النشاط، لكن السحر الحقيقي كان يخبئ فصلا أكثر شجنا.

فجأة، صدح هاتف بجواري بأغنية صينية تقليدية دافئة. لم تكن مجرد موسيقى، بل كانت ترنيمة تفيض بالحنين. تحمل نبرة تمس القلوب، كلمات تتحدث عن دفء البيت، وطعام الأمهات وتجاعيد الأب والسعادة والسلام الذي لا يستمتع به الإنسان إلا في أحضان أسرته. تحول المكان فجأة إلى لوحة حية، تشابكت الأيدي، وتحلق الجميع في دائرة حول الطاولة، يقلدون بحركات إيقاعية رشيقة إشارات الجدات، من حركة اليدين المضمومتين كـ "سقف البيت"، إلى حركة الذراعين الهادئة التي ترمز لـ "هدهدة الطفل الصغير". تشابكت المشاعر وترابطت التعبيرات، ليتجلى لي الدور الأسمى لفن قص الورق. تاريخيا لم يكن حرفة للزينة، بل

كان "الرحم الاجتماعي" الذي تجتمع فيه الأمهات والجدات لتمرير الحكمة، وتقوية الروابط، وغزل شبكة أمان عائلية تجمع الأجيال تحت سقف واحد.
انتهت الأغنية مخلفة صمتا مهيبا، وتحولت الأنظار نحو إحدى السيدات. نظرت إليها، فإذا بعينيها تفيضان بالدموع، متأثرة بكلمات الأغنية وألحانها التي نبشت في وجدانها حنينا أو فقدا.

في تلك اللحظة، رأيت العائلة في أبهى صورها الإنسانية، لم يتركوها لوحدتها، بل سارعت البقية لمواساتها، إحداهن تربت على كتفها، وأخرى تحتضنها بحنان، وثالثة تتمتم لها بلغة صينية دافئة "لا تبكي.. نحن هنا أسرتك".

شعرت بالخجل والمهابة من أن أسأل عن السبب، لكن الإجابة كانت شاخصة أمام عيني؛ لقد اختصرت اللحظة والمكان كل شيء. في غياب التكنولوجيا التي استنزفت طاقة هواتفنا، ووسط دفء اللون الأحمر وحفيف الورق والمقصات، لم نكن مجرد غرباء التقت صدفهم في مركز تجاري، بل كنا في تلك اللحظة عائلة واحدة، يربطنا خيط إنساني متصل لا ينقطع.. تماما كخطوط لوحة قص الورق الصيني.

تركتني هذه التجربة أمام تساؤلات عميقة حول هويتنا وثقافتنا. مصر، بلدنا الغني بتراثه الثقافي والتقليدي الضارب في عمق التاريخ، يمتلك كنوزا موازية لا تقل سحرا، فما بين فن الخيامية، وصناعة الفخار، وفنون الرسم والتطريز السيناوي والنوبي...، نملك إرثا هائلا، لكننا، وللأسف، نفتقد بشدة إلى مثل هذه الأنشطة المجتمعية الحية في حياتنا اليومية، تلك المساحات الدافئة التي يمكن من خلالها تمرير الفن، والقيم، والأخلاق التي تعبر عن مجتمعنا وتعززه إنسانيا وروحيا. نحن بحاجة لطاولات تجمع الجدات بالأطفال في مولاتنا وحدائقنا، ليتعلم الصغار الصبر، والترابط، وقيمة الحرفة، بدلا من الانعزال خلف شاشات الهواتف.

الصين بلد غني ثقافيا وحضاريا، وهناك أشياء لا حصر لها يمكننا استلهامها من تجربتهم. كيف يحافظون على هويتهم وسط التطور التكنولوجي المرعب؟ كيف يحولون الحرف التقليدية إلى اقتصاد إبداعي يدرس في المدارس؟ كيف يقدسون الروابط الأسرية وبر الوالدين كجزء من عقيدتهم الاجتماعية اليومية؟

اكتب وأنا أتطلع إلى ثقافة الآخر تطلعا نحو مكامن القوة والجمال والحكمة الإنسانية لديه، بدلا من أن تضيق شاشاتنا وبرامجنا بالتركيز السطحي على غرائب الأمور مثل قصص زواج مصرية من صيني أو العكس، أو تصدير محتوى تافه يتمحور حول أكل العقارب والصراصير. 

علينا أن نسأل أنفسنا بجدية ما الذي سيفيد الوعي الإنساني والتطور المجتمعي من هذه السخافات؟