< محمد مازن يكتب: كيف أعادت الصين هندسة علاقة شعبها بالكتاب؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب: كيف أعادت الصين هندسة علاقة شعبها بالكتاب؟

النبأ

لا يمكن خلق أمة قارئة بالاعتماد فقط على الشعارات الرنانة، فالقراءة سلوك مجتمعي يتطلب بيئة متكاملة تخترق تفاصيل الحياة اليومية وتجعل المعرفة الخيار الأسهل والأقرب، وهذا ما يحدث في الصين حاليا.

 خلال خمسة عشر عاما من إقامتي في الصين، عشت تجربة استثنائية ورصدت عن قرب كيف تحولت علاقة هذا الشعب بالكتاب من مجرد هواية تقليدية محصورة بين رفوف المكتبات، إلى منظومة سلوكية وتكنولوجية شاملة غيرت مفهوم تلقي المعرفة بالكامل. عندما وصلت قبل نحو 15 عاما، لم يكن مشهد القراءة يختلف عن مصر كثيرا، كان كلاسيكيا يتلخص في مسارات ثلاثة، شراء كتاب من متجر، استعارته من مكتبة عامة، أو القراءة في القاعة أو البيت. وإذا أرادت الجهات الحكومية تشجيع الثقافة، اعتمدت على الحملات والمعارض المؤقتة. 

لكن هذا المشهد تغير بتسارع مذهل مع ظهور الشاشات والهواتف الذكية، وتطبيقات القراءة، والكتب الصوتية، ومنصات الفيديو، وصولا إلى الذكاء الاصطناعي. وفي كل مرحلة، لم تتبدل وسيلة القراءة فحسب، بل أعيد تعريف المكان والوقت والطريقة التي يصل بها الكتاب إلى القارئ. واليوم، يقرأ المواطن الصيني ورقيا في بيته، أو يطالع هاتفه في المترو، أو يستمع للكتب أثناء القيادة، أو يكتشفها عبر فيديو قصير، أو يستعين بالذكاء الاصطناعي.
وكان التحول الأبرز في هذا السياق هو انتقال الثقل إلى الهاتف المحمول. فعبر تطبيقات مثل "ويتشات ريدينغ" لم تعد القراءة الرقمية مجرد نسخ لصفحات الورق، بل أضافت أبعادا اجتماعية، حيث يضع القارئ علامة على فقرة، ويشارك اقتباسا، ويناقش تعليقات قراء آخرين على النص ذاته، كما يمكنه أن يدخل في تحديات مع اخرين.
ويتجلى مبدأ المشاركة بوضوح في "أدب الإنترنت الصيني"، حيث تنشر الروايات كفصول متتابعة، ليتفاعل القراء مباشرة مع المؤلف ويؤثروا في مجرى الحبكة.
وبرز التغيير أيضا في تحرير وقت القراءة، فبفضل منصات الكتب الصوتية أصبح استهلاك المعرفة ممكنا أثناء التنقل والقيادة أو الأعمال المنزلية. وتشير البيانات الوطنية الصينية إلى أن 38.7% من البالغين يمارسون القراءة استماعا، وهي نسبة تلائم من يقضون أوقاتا طويلة في المواصلات. وترافق ذلك مع انتشار ملخصات الكتب والمحتوى المعرفي المدفوع، الذي يقدم أفكارا مركزة في الإدارة والاقتصاد خلال دقائق تناسب إيقاع العصر السريع.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل اقتحمت منصات الفيديو القصير مثل "دوين" النسخة الصينية من تيك توك  و "شياوهونغشو" سوق النشر. وبات بإمكان المستخدم مشاهدة مراجعة بصرية مشوقة لكتاب أو توصية برواية، وشراءها مباشرة عبر رابط مدمج. وقد غير هذا التحول هندسة التعرف على الكتب، فبدلا من الذهاب للمكتبة، يقتحم الكتاب خوارزميات المستخدم أثناء تصفحه محتوى ترفيهيا، وتحول صناع المحتوى إلى الوسطاء الجدد بين القارئ والمؤلف.

وقد حمل التحول الرقمي بعدا تنمويا عميقا خارج الإطار التجاري. فخلال زيارتي لمدرسة في الريف بمقاطعة خبي مؤخرا، رأيت أجهزة لوحية وشاشات تفاعلية تتيح للطلاب الوصول إلى ذخيرة معرفية هائلة لا تستوعبها رفوف مكتبة مدرسية صغيرة. وتستخدم بعض هذه الخدمات أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتصحيح النطق واقتراح مواد تتناسب مع قدرات الطلاب واهتماماتهم. وهذا التطور كسر العزلة المعرفية للمناطق النائية، ويمتد ليشمل كبار السن من خلال تحويل النصوص إلى مواد صوتية أو كلمات مكبرة تذلل صعوبات القراءة.
ورغم هذا الطوفان الرقمي، لم تتخلَ الصين عن المكتبة التقليدية، بل طورت وظيفتها. ففي منطقة "شيونغآن" الجديدة التي تعرف بمدينة المستقبل، تمتد خدمات القراءة خارج المبنى الرئيسي الذي زرته لمكتبتها عبر نقاط مجتمعية، وأكشاك استعارة ذاتية، وعربات روبوتية متنقلة، تجسيدا لمفهوم "دائرة القراءة خلال 15 دقيقة". المستهدف هنا هو أن يجد الساكن خدمة قراءة متميزة على بعد خطوات من بيته، لتتحول المكتبة من وجهة جغرافية ثابتة يقصدها القارئ، إلى شبكة خدمات مرنة تلاحقه أينما كان.

وفي أحدث التطورات، تجاوز الذكاء الاصطناعي دور الموفر للكتاب إلى دور "المحاور". وبات الطلاب يستخدمون أدوات ذكية لطرح أسئلة حول النصوص، ومحاورة الشخصيات التاريخية افتراضيا. كما تم توظيف التقنيات في رقمنة التراث الصيني القديم، وتحويل المخطوطات الكلاسيكية إلى نصوص رقمية قابلة للبحث المعقد ومزودة بشروح حية. لكن هذا التوسع الرقمي السريع أثار نقاشا ثقافيا حول "القراءة المتعمقة"، حيث يخشى أن تلتهم الملخصات السريعة الوقت المخصص لقراءة الكتاب كاملا، مما دفع الجهات الرسمية لإطلاق حملات موازية تدعو للقراءة الرصينة. 
ويقف خلف هذا المشهد دور حكومي حاسم انتقل من مربع تنظيم الفعاليات والمهرجانات الترويجية، إلى مربع سن اللوائح والتشريعات التي تدعم خدمات القراءة العامة، وتأسيس غرف القراءة الريفية، وتنظيم فعاليات وطنية مثل "أسبوع القراءة الوطني" في أبريل. وركزت الدولة جهودها على هندسة الظروف اللوجستية التي تجعل القراءة الخيار الأسهل، مثل كتاب متاح ومنصة مجانية، ومحتوى صوتي بجودة عالية، لتصبح القراءة جزءا من بنية التقييم التنموي للمجتمعات المحلية.

ورغم كل هذا التحول، لم يلفظ الكتاب الورقي أنفاسه، إذ تشير أحدث البيانات الإحصائية الرسمية الصينية لعام 2025 إلى أن 45.9% من البالغين ما زالوا يفضلون الكتب المطبوعة. واستقر معدل القراءة الشاملة عند 82.3%، بمتوسط 8.39 كتابا سنويًا للفرد، ورقيًا وإلكترونيا. وفي المقابل، مارس 80.8% شكلا من القراءة الرقمية وسط حجم أعمال منشورة تجاوز 70 مليون عنوان. وتكشف الأرقام أن التحول لم يكن إحلالا للرقمي محل الورقي، بل كان توسيعا لأوعية القراءة وطرقها المتنوعة.
قبل 15 عاما، كان السؤال الذي كان يراودني "أين أجد الكتاب؟"، أما اليوم، فقد انعكست الآية وبات الكتاب هو من يسأل كيف يصل إلى. 
في الصين الأمر لم يعد يتعلق بالوعظ والحث على القراءة، بل بتصميم بيئة حياتية ذكية وشاملة تجعل المعرفة تتدفق إلى الإنسان بسلاسة عبر الهاتف والسماعة والشاشة والمكتبة القريبة.