الكاش بدل السلع.. العالم الخفي لإغراق المواطنين فى «دوامة الديون» باستخدام تسييل التمويل الاستهلاكى
في الوقت الذي تتوسع فيه سوق التمويل الاستهلاكي في مصر، ويزداد اعتماد المواطنين على الشركات والتطبيقات للحصول على السلع والخدمات بالتقسيط، نشأت على هامش السوق ممارسة أخرى دفعت الجهات الرقابية إلى وضعها تحت المجهر: تسييل التمويل الاستهلاكي.
الفكرة تبدو بسيطة؛ مواطن يمتلك حدًا ائتمانيًا يمكنه من شراء سلعة، لكنه لا يحتاج إلى السلعة بقدر حاجته إلى الأموال النقدية، فيلجأ إلى وسيط أو تاجر لتنفيذ عملية شراء ثم الحصول على جزء من قيمتها نقدًا، بينما يظل ملتزمًا بسداد قيمة التمويل لشركة التمويل الاستهلاكي.
وبينما يرى المواطن في العملية طريقًا سريعًا للحصول على السيولة التي يحتاج إليها، يدفع في المقابل عمولة قد تكون مرتفعة، ويتحمل تكلفة تمويل تظل قائمة حتى بعد حصوله على مبلغ أقل من قيمة العملية الأصلية.
لكن الظاهرة لم تعد مجرد تعاملات متفرقة خارج الإطار الرسمي؛ فقد دفعت الهيئة العامة للرقابة المالية إلى إصدار قرار تنظيمي خاص بالتسييل النقدي، وإنشاء آليات لرصده ومنعه، وصولًا إلى إعداد قوائم حظر وقاعدة بيانات مركزية تضم الجهات والأشخاص الذين يثبت تورطهم في هذه الممارسات.
ووفق أحدث بيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، بلغت قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح في مصر 96.3 مليار جنيه خلال عام 2025، مقابل 61.3 مليار جنيه خلال 2024، بمعدل نمو بلغ 57%.
كما استفاد من نشاط التمويل الاستهلاكي أكثر من 10.8 مليون عميل خلال 2025، فيما بلغ عدد شركات التمويل الاستهلاكي المرخصة 48 شركة.
هذا التوسع يعني أن ملايين المواطنين أصبحوا جزءًا من سوق التمويل الاستهلاكي، وهو ما يفسر في الوقت نفسه أهمية إحكام الرقابة على كيفية استخدام الحدود الائتمانية، خصوصًا عندما تتحول من وسيلة لشراء سلعة أو خدمة إلى وسيلة للحصول على النقد.
كنت محتاج فلوس العملية
بالنسبة إلى «كريم»، مسؤول مبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لم يكن اللجوء إلى التسييل بحثًا عن أموال سهلة، وإنما محاولة للتعامل مع ظرف صحي طارئ.
كانت والدته تحتاج إلى جراحة عاجلة بتكلفة تقارب 50 ألف جنيه، بينما لم يكن يملك المبلغ المطلوب، وفي الوقت نفسه، كان يمتلك حدًا ائتمانيًا قريبًا من قيمة الجراحة على أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي، لكن هذا الحد كان مخصصًا لشراء السلع وليس دفع تكاليف العلاج.
بدأ «كريم» البحث عن وسيلة للحصول على السيولة، حتى وصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى مكتب يعرض خدمة تسييل التمويل.
العرض كان شراء هاتف بقيمة 40 ألف جنيه من متجر متعاقد مع شركة التمويل، ثم تسليم الهاتف للوسيط مقابل الحصول على قيمته نقدًا.
نفذ «كريم» العملية، لكنه لم يحصل على 40 ألف جنيه؛ إذ خصم المكتب عمولة بلغت 25%، وتسلم 30 ألف جنيه فقط، بينما ظل ملتزمًا بسداد التمويل، الذي وصلت قيمته بعد إضافة تكلفة التمويل إلى نحو 46 ألف جنيه.
وهكذا، حصل على 30 ألف جنيه نقدًا، لكنه أصبح مطالبًا بسداد التزام مالي أكبر بكثير من المبلغ الذي وصل إلى يده.
استكمال تشطيب شقة الزوجية
«عمر»، الذي يعمل في قسم الجودة بإحدى شركات الخرسانة الجاهزة، احتاج إلى 70 ألف جنيه لاستكمال تشطيب شقة الزوجية.
حاول الحصول على قرض شخصي من البنك، لكنه واجه اشتراطات لم يتمكن من توفيرها، من بينها وجود وديعة أو شهادة تغطي نسبة كبيرة من قيمة القرض، أو تقديم خطاب من جهة العمل يتضمن تحويل راتبه إلى البنك طوال فترة السداد.
وبحسب روايته، لم يكن يمتلك وديعة أو شهادة، كما لم تكن جهة عمله مستعدة لتقديم تعهد بتحويل راتبه لمدة عامين.
وأمام صعوبة الوصول إلى القرض، لجأ إلى سوق التسييل، رغم معرفته بأن التكلفة ستكون مرتفعة.
إبراهيم خسر 3 آلاف جنيه.. لكنه حصل على «الكاش»
«إبراهيم»، موظف بأحد فروع شركات الاتصالات وأب لطفلين، احتاج إلى أموال لتغطية مصروفات مدرسة ابنه.
استخدم أحد تطبيقات التمويل الاستهلاكي لشراء هاتف بقيمة 18 ألف جنيه بالتقسيط، ثم باعه في اليوم نفسه إلى وسيط مقابل 15 ألف جنيه نقدًا.
خسر إبراهيم 3 آلاف جنيه من قيمة العملية، لكنه حصل في المقابل على الأموال التي كان يحتاج إليها.
الرقابة المالية تضع التسييل تحت الرقابة
في سبتمبر 2025، أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية قرار مجلس إدارتها رقم 222 لسنة 2025 بشأن إعداد قاعدة بيانات بالأشخاص والجهات التي تقوم بالتسييل النقدي في نشاط التمويل الاستهلاكي وحظرهم.
وألزم القرار شركات التمويل الاستهلاكي بوضع الآليات والإجراءات اللازمة لرصد ومنع حالات التسييل النقدي للتمويل الممنوح للعملاء، إلى جانب إعداد سجلات تتضمن البيانات الخاصة بالبائعين ومقدمي السلع والخدمات والسماسرة والعملاء والعاملين بالشركات ممن يثبت تورطهم في هذه الممارسات.
ولم تتوقف الإجراءات عند الرصد؛ ففي سبتمبر 2025 أعلنت الهيئة إلزام اتحاد التمويل الاستهلاكي بإعداد قائمة حظر للجهات والأشخاص الذين يثبت تورطهم في عمليات التسييل.
وتشمل القائمة البائعين ومقدمي السلع والخدمات والسماسرة والعملاء والعاملين بشركات التمويل، مع وقف التعامل مع من يثبت تورطه واستبعاده من شبكات البائعين ومقدمي الخدمات.
كما ألزمت الهيئة شركات التمويل باتخاذ الإجراءات القانونية ضد العاملين لديها الذين يثبت اشتراكهم في عمليات التسييل، وإخطار الاتحاد بالمتورطين والمستندات المؤيدة لذلك، فضلًا عن إخطار شركات الاستعلام الائتماني ببيانات العملاء الذين يثبت اشتراكهم في تلك العمليات.
المواطن عايز كاش
من جانبه، قال الدكتور الحسين حسان، خبير التطوير الحضاري والتنمية المستدامة، إن تسييل التمويل الاستهلاكي يمثل جرس إنذار اقتصاديًا واجتماعيًا، لأنه يكشف عن فجوة بين المنتجات المالية المتاحة والاحتياجات الفعلية للمواطن.
وأشار «حسان»، إلى أن المواطن قد يحصل على حد ائتماني مخصص لشراء سلعة، لكنه في الحقيقة يكون في حاجة إلى أموال نقدية لتغطية مصروفات علاج أو تعليم أو التزامات أخرى، فيبحث عن وسيلة لتحويل الحد الائتماني إلى «كاش»
وأضاف أن الخطر الأساسي يتمثل في دخول المواطن في دائرة من الديون؛ إذ يحصل على سيولة قصيرة الأجل، بينما يظل مطالبًا بسداد التزام مالي طويل الأجل، فضلًا عن خسارة جزء من قيمة التمويل لصالح الوسيط.
وأكد أن مواجهة الظاهرة لا يجب أن تعتمد على الرقابة وحدها، وإنما تحتاج إلى توفير قنوات رسمية وآمنة للحصول على السيولة، بالتوازي مع تشديد الرقابة على الوسطاء والإعلانات الرقمية التي تروج لخدمات التسييل.
كما شدد على أهمية توعية المواطنين بتكلفة التمويل الفعلية، وقيمة الأقساط، والعمولات، والمخاطر المترتبة على التعثر.
المشكلة ليست في المواطن وحده
ومن زاوية اقتصادية، قال الدكتور السيد خضر الخبير الاقتصادي إن ظاهرة التسييل تعتبر انعكاسًا لفجوة بين طبيعة التمويل المتاح وبين احتياجات بعض الأسر.
وأضاف أن المواطن قد يكون قادرًا على السداد، وقد يحصل بالفعل على تمويل لشراء سلعة، لكنه عندما يواجه ظرفًا طارئًا يحتاج فيه إلى مبلغ نقدي، لا يجد المنتج المالي المناسب بالسرعة المطلوبة.
وتابع: «من هنا تظهر السوق الموازية التي تستفيد من عنصر الوقت، إذ يصبح الوسيط قادرًا على فرض عمولة مرتفعة لأن المواطن لا يبحث فقط عن المال، وإنما يبحث عن الحصول عليه فورا».
واستكمل: «تكمن الخطورة في أن المواطن قد يحسب المبلغ الذي سيحصل عليه نقدًا، لكنه لا يحسب دائمًا القيمة الإجمالية للدين الذي سيظل مطالبًا بسداد».
وأوضح: «لذلك، فإن الحل لا يتمثل في تحميل البنوك وحدها مسؤولية الظاهرة، وإنما في تطوير منتجات نقدية صغيرة ومتوسطة، منظمة وواضحة التكلفة، تعتمد على تقييم حقيقي لقدرة العميل على السداد»، مضيفا أن الشمول المالي لا يعني فقط امتلاك حساب أو بطاقة، وإنما يعني أن يجد المواطن المنتج المالي المناسب عندما يحتاج إليه.