< حقيقة ظهور التوراة ودفن نبي الله موسى في شمال السودان
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

الدكتور محمد حمزة المورخ وخبير الآثار والتراث وعميد آثار القاهرة سابقا يكشف في حوار لـ "النبأ"

حقيقة ظهور التوراة ودفن نبي الله موسى في شمال السودان

الدكتور محمد حمزة
الدكتور محمد حمزة مع النبأ

الدكتور محمد حمزة  المورخ وخبير الآثار والتراث وعميد آثار القاهرة سابقا يكشف  في حوار لـ "النبأ"

حقيقة ظهور التوراة ودفن نبي الله موسى في شمال السودان

مفهوم «مصر العليا» لا يقتصر على الأراضى المصرية المعروفة تاريخيًا وإنما يمتد لشمال الخرطوم

روايات البعض عن أن الله كلم سيدنا موسى على جبل بالخرطوم قراءة جغرافية بديلة لا تستند على نتائج علمية مستقرة

حوار: أحمد بركة

شهدت السنوات الأخيرة ظهور عدد من الطروحات والقراءات التي تعيد تفسير بعض جوانب تاريخ مصر القديم، فضلًا عن التشكيك في جغرافية الأحداث المرتبطة بقصص عدد من الأنبياء التي ارتبطت في المصادر الدينية والتاريخية بمصر ووادي النيل.أخبار عاجلة

 

ومؤخرًا، برزت روايات منسوبة إلى بعض الكتاب والباحثين السودانيين، تذهب إلى أن أحداثًا مرتبطة بسيدنا يوسف وسيدنا موسى عليهما السلام، إلى جانب وقائع مرتبطة ببني إسرائيل والتوراة، جرت في مناطق تقع داخل السودان حاليًا، في محاولة لإعادة رسم الخريطة الجغرافية للأحداث القديمة بصورة تختلف عن القراءات التاريخية والأثرية الشائعةأدلة سفر وقصص الرحلات

 

وفي هذا السياق، تفتح «النبأ» ملف الجدل حول تاريخ مصر القديم وجغرافية قصص الأنبياء، من خلال حوار مطول أجرته مع الدكتور محمد حمزة،  المورخ وخبير الآثار والتراث وعميد كلية الآثار بجامعة القاهرة سابقًا ومساعد رئيس جامعة القاهرة سابقا، لمناقشة ما تطرحه هذه الروايات من ادعاءات، والوقوف على مدى توافقها مع الأدلة الأثرية والتاريخية، وإلى نص الحوار..

 

هل يتعرض تاريخ مصر القديم للتشويه من الداخل والخارج؟

 

خلال السنوات الأخيرة، ظهرت كتابات وتصريحات من باحثين وكتّاب مصريين وغير مصريين تتبنى قراءات مختلفة لبعض وقائع التاريخ المصري القديم، سواء فيما يتعلق بأصول الشعوب القديمة أو جغرافية الأحداث الواردة في الروايات الدينية، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول حدود التفسير العلمي للتاريخ.

 

ويزداد الجدل عندما تتعارض بعض هذه القراءات مع الروايات التاريخية والأثرية المستقرة، أو عندما يتم تقديم فرضيات غير محسومة باعتبارها حقائق نهائية دون الاستناد إلى الأدلة الأثرية والنقوش والمصادر القديمة.

 

وماذا عن آخر مزاعم تزوير التاريخ المصري من الخارج؟

أثارت -خلال الفترة الأخيرة- بعض الأطروحات المنسوبة إلى كتاب وباحثين سودانيين جدلًا بشأن جغرافية الأحداث الواردة في الروايات الدينية والتاريخية المرتبطة ببني إسرائيل والخروج والتوراة، إذ تذهب هذه الرؤى إلى أن عددًا كبيرًا من الأحداث التي ارتبطت تاريخيًا بجنوب مصر وشبه جزيرة سيناء وقعت في مناطق تقع داخل السودان حاليًا.

 

ومن بين الأسماء التي ترد في سياق هذه الطروحات،د انتصار الصغيرون استاذة الأثارة ووزيرة التعليم العالي سابقا، التي تُنسب إليها رؤى تعتبر أن أجزاء من جنوب مصر وما يرتبط بها من آثار وحضارات تدخل ضمن المجال التاريخي السوداني.أدلة سفر وقصص الرحلات

 

وتتجاوز هذه الرؤية حدود إعادة تفسير الخرائط التاريخية، حسب ما يرد في الطروحات المنسوبة إليها، إلى القول بأن بعض الآثار والمناطق الواقعة في صعيد مصر لها ارتباط بالسودان، فضلًا عن تداول مزاعم بشأن تقديم مثل هذه الأفكار للطلاب في السودان.

 

وتظهر أطروحة أخرى منسوبة إلى الدكتور محمود عثمان رزق، تقوم على إعادة رسم جغرافية الأحداث المرتبطة ببني إسرائيل والخروج، ووضع الجزء الأكبر منها في شمال ووسط السودان.

 

وبحسب ما يرد في هذه الرواية، فإن مفهوم «مصر العليا» لا يقتصر على الأراضي المصرية المعروفة تاريخيًا، وإنما يمتد من منطقة جبل البركل، الواقعة شمال الخرطوم، وصولًا إلى أسوان في أقصى جنوب مصر.

 

وتذهب النظرية إلى أن ما بين 80 و90% من الأحداث المرتبطة ببني إسرائيل وقعت في مناطق شمال ووسط السودان، خصوصًا على امتداد وادي النيل، كما تعيد تفسير عدد من المواقع الواردة في الروايات الدينية بما يتوافق مع الجغرافيا السودانية.

 

ومن بين أكثر الطروحات إثارة للجدل في هذا السياق القول إن «مجمع البحرين» يمكن تحديده عند ملتقى النيلين الأزرق والأبيض في الخرطوم، وأن جبل البركل يمكن أن يكون هو الموقع المقصود بجبل سيناء، إلى جانب ربط صحراء بيوضة بأحداث التيه.

 

«السودان مهد أحداث التوراة».. ماذا تقول الروايات التي تنقلها بعض الكتابات السودانية؟

 

من أبرز ما تطرحه هذه الروايات اعتبار جبل البركل في شمال السودان، على بعد نحو 400 كيلومتر شمال الخرطوم، هو الجبل الذي كلم الله عنده موسى عليه السلام، بدلًا من المواقع التي ارتبطت تاريخيًا بجبل الطور في سيناء.

 

وتستند هذه الطروحات إلى محاولة مطابقة الأوصاف الواردة في القرآن والتوراة مع جغرافية وادي النيل، فضلًا عن الربط بين جبل البركل والموروث الديني القديم في المنطقة.

 

إلا أن هذا الطرح يمثل قراءة جغرافية بديلة، ولا يُعد من النتائج المستقرة في علم الآثار أو الدراسات التاريخية المتعلقة بتاريخ بني إسرائيل والخروج.

 

ما قصة سيدنا موسى والخضر «مجمع البحرين»؟

 

من بين الادعاءات التي تطرحها هذه الرؤية تحديد مجمع البحرين، الوارد في قصة موسى والخضر، عند نقطة التقاء النيل الأزرق والنيل الأبيض في الخرطوم.

كما تحاول هذه القراءة تفسير ألفاظ قرآنية مثل «اليم» و«المشارق والمغارب» في إطار جغرافية نهر النيل ومناطق السودان، وربط بعض الألفاظ بموروثات لغوية لدى قبائل سودانية في شرق البلاد.

لكن تحديد الموقع الجغرافي لمجمع البحرين اعتمادًا على هذه المطابقات اللغوية والجغرافية يحتاج إلى أدلة تاريخية وأثرية مستقلة، ولا يكفي التشابه في الأسماء أو الألفاظ لإثبات الموقع.

 

وكيف تفسر تلك الروايات قصة خروج فرعون؟

تذهب الرواية محل الجدل إلى أن خروج موسى عليه السلام وقع على مرحلتين، وأن الجزء الأخير من رحلة الخروج وغرق فرعون حدث في منطقة السُبُلوقة شمال الخرطوم، مستندة إلى طبيعة المنطقة الجيولوجية ووجود صدع في مجرى النيل، وإلى روايات محلية تتحدث عن انشقاق النهر.

 

كما تربط هذه الرؤية بين صحراء البُيُوضة وشمال السودان وبين فترة التيه التي عاشها بنو إسرائيل، وتذهب إلى أن نزول التوراة وواقعة عبادة العجل وقعتا في المنطقة نفسها.

 

هل أحداث قصة سيدنا يوسف حدثت في شمال السودان ؟

في سياق أطروحته بشأن نقل جغرافية أحداث بني إسرائيل والخروج إلى السودان، يذهب الدكتور محمود عثمان رزق إلى أن أصول بني إسرائيل تعود إلى ما يسميه «الأصول الكوشية »، في إشارة إلى قبائل أو جماعات يربطها بمنطقة قوص والصحراء الشرقية.

 

وبحسب الرواية التي ينقلها رزق، فإن سيدنا يوسف عليه السلام كان موجودًا في منطقة قوص، وأن استقبال يعقوب وأبنائه والأسباط جرى هناك، قبل أن تنتقل جماعة بني إسرائيل، وفق تصوره، من قوص باتجاه مناطق شمال السودان.؛ إذ يربط رزق منطقة «سكوت» بموقع في شمال السودان، ثم يذهب إلى أن «جوشن» لم تكن المنطقة المعروفة في شرق دلتا النيل، وإنما موقع آخر في شمال السودان. ويرى رزق أن زواج موسي  من صفورة السودانية ارتبط بمنطقة قوص، ويصف صفورة بأنها ذات أصول سودانية، مستندًا في ذلك إلى ربطه الجغرافي بين قوص والمناطق التي يعتقد أنها كانت ضمن المجال السوداني القديم.

كما يستند في بعض جوانب طرحه إلى أوصاف موسى وقومه، محاولًا الربط بين ما يرد في الروايات الدينية من أوصاف وبين السمات الجسدية لسكان شمال السودان.

ويذهب، وفق هذه الرواية، إلى أن موسى كان أسمر أو داكن البشرة، وأن شعره كان أجعد، معتبرًا أن هذه الصفات تتوافق مع سكان شمال السودان.

 

ماذا يقول علم الآثار عن السودان القديم؟

تشير الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن حضارة كرمة تمثل إحدى أهم المراحل المبكرة في تاريخ النوبة والسودان، وازدهرت خلال الألفية الثالثة والثانية قبل الميلاد، قبل ظهور مملكة كوش في مراحلها اللاحقة.

أما مروي، فقد أصبحت مركزًا رئيسيًا للمملكة الكوشية في مرحلة لاحقة، وارتبطت بها حضارة متميزة امتدت لقرون، وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين المراحل المختلفة في تاريخ السودان وعدم التعامل معها باعتبارها دولة واحدة امتدت بالتسلسل نفسه عبر آلاف السنين.

في المقابل، شهدت مصر خلال الدولة الحديثة توسعًا كبيرًا جنوبًا، خصوصًا خلال الأسرة الثامنة عشرة، حيث امتد النفوذ المصري داخل النوبة، ووصل خلال عهد تحتمس الأول إلى مناطق جنوبية بعيدة على النيل.أدلة سفر وقصص الرحلات

وتكشف الآثار والتحصينات والمعابد والنقوش الموجودة في النوبة عن طبيعة هذا الوجود المصري، وعن العلاقة السياسية والعسكرية والاقتصادية بين مصر والمناطق الواقعة جنوبها.

ومن ثم، فإن الحديث عن سيطرة مصرية على أجزاء من النوبة خلال الدولة الحديثة يستند إلى شواهد أثرية وتاريخية، وليس مجرد رواية حديثة.

وفي مرحلة تاريخية لاحقة، تمكن حكام كوش من بسط نفوذهم على مصر، فيما عُرف بالأسرة الخامسة والعشرين، التي تمثل إحدى أبرز مراحل التداخل السياسي بين مصر وكوش.

وانتهى هذا الحكم مع صعود الأسرة السادسة والعشرين، التي شهدت عودة الحكم المصري وتوحيد البلاد بعد مرحلة من السيطرة الكوشية والاضطرابات السياسية.

 

أين تكمن المشكلة في نظرية «السودان مهبط التوراة»؟

المشكلة الأساسية ليست في دراسة تاريخ السودان أو إبراز الدور الحضاري لممالك كرمة وكوش ومروي، فهذا التاريخ مدعوم بكم كبير من الأدلة الأثرية، وإنما تكمن المشكلة في الانتقال من حقائق تاريخية ثابتة، مثل وجود الحضارات الكوشية وامتداد النفوذ المصري جنوبًا، إلى استنتاج أن أحداث الخروج وبني إسرائيل والتوراة وقعت في السودان.

فإثبات مثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة، مثل النقوش أو الوثائق أو الشواهد الأثرية المرتبطة بالأحداث نفسها، وليس مجرد التشابه في أسماء المواقع أو إعادة تفسير النصوص الدينية وفق جغرافيا حديثة.

 

هل يمكن وصف هذه الطروحات بأنها «تاريخ زائف»؟

الأدق صحفيًا وعلميًا عدم إطلاق وصف «التاريخ الزائف» على أي باحث أو كتاب قبل فحص المصادر الأصلية ومناقشة المنهج والأدلة التي يستند إليها.

لكن يمكن القول إن أي ادعاء تاريخي يعيد تحديد مواقع أحداث كبرى بصورة تخالف ما هو مستقر في الدراسات التاريخية والأثرية يحتاج إلى أدلة استثنائية وقابلة للفحص، ولا يكفي فيه الاستناد إلى التشابه في أسماء الأماكن أو الروايات الشعبية أو التأويلات اللغوية وحدها.

كما أن الحديث عن «مصر العليا» باعتبارها تمتد من جبل البركل إلى أسوان، أو إعادة تعريف مواقع أحداث التوراة والقرآن وفق حدود سياسية حديثة، يحتاج إلى تدقيق تاريخي؛ لأن الحدود السياسية الحالية بين مصر والسودان لا يمكن إسقاطها ببساطة على الجغرافيا السياسية للعالم القديم.