محمد مازن يكتب من بكين: هنا هوايلاي.. زيارة خاصة إلى قلب الذكاء الاصطناعي في الصين
في حياتنا اليومية، أصبح من السهل إلى درجة أننا لا ننتبه إليها أن نفتح هاتفا محمولا، نشاهد مقطع فيديو قصيرا، نبحث عن معلومة، نطلب من الذكاء الاصطناعي أن يكتب أو يترجم أو يحلل، ثم ننتقل إلى خدمة سحابية أو تطبيق آخر. كل ذلك يحدث في ثوان، وربما في أقل من ذلك. لكن خلف هذه السهولة عالم كامل لا نراه، يحتاج إلى طاقة وكهرباء وشبكات وخوادم ومراكز بيانات تعمل بلا توقف.
كنت أفكر في هذا العالم غير المرئي وأنا في طريقي إلى محافظة هوايلاي بمدينة تشانغجياكو في مقاطعة خبي، ضمن رحلة «استشعار السعادة في الصين – خبي»، التي نظمها مكتب الإعلام بمجلس الدولة الصيني بمشاركة أكثر من 30 إعلاميا من داخل الصين وخارجها. لم أكن أبحث عن إجابة تقنية معقدة بقدر ما كنت أريد أن أعرف: ماذا يوجد بالفعل خلف الشاشة؟.
كانت الإجابة الأولى تنتظرنا في مشروع هويين لبيانات التكنولوجيا والصناعة في هوايلاي.

دخلنا قاعة العرض، فاستقبلتنا شاشات ضخمة تعرض في الوقت الفعلي منحنيات إنتاج الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية، إلى جانب منحنيات أحمال الخوادم داخل مركز البيانات. للوهلة الأولى، تبدو الأرقام والخطوط مجرد بيانات تقنية، لكن الصورة سرعان ما أصبحت أكثر وضوحا: الرياح والشمس في الخارج تتحول إلى كهرباء، والكهرباء تتحول بدورها إلى قدرة حوسبية، وهذه القدرة هي التي تجعل الخدمات الرقمية التي نستخدمها كل يوم ممكنة.
هنا تبدأ الحكاية من الطبيعة.
فمحافظة هوايلاي تقع في منطقة تتمتع بموارد جيدة من الطاقة المتجددة، كما أن موقعها القريب من بكين يمنحها ميزة إضافية. وفي مجمع هويين، الذي تصل مساحته المخططة إلى نحو ألف فدان، جرى بناء منظومة تجمع بين مصادر الطاقة والشبكة الكهربائية والأحمال والتخزين، بحيث يصبح إنتاج الطاقة الخضراء أكثر توافقا مع احتياجات مراكز الحوسبة.

لكن ما أثار انتباهي أكثر من الأرقام كان محاولة جعل هذه الصناعة الكبيرة أقل عبئا على البيئة.
فالهواء الخارجي نفسه يستخدم مصدرا للتبريد، ويعمل المجمع بأكثر من 60% من الوقت سنويا في نمط يعتمد بصورة رئيسية على الهواء، بما يوفر نحو 2.96 مليون طن من المياه سنويا. كما تستخدم أنظمة التبريد السائل لسحب الحرارة مباشرة من رقائق الخوادم.
والحرارة التي كنت أتخيل أنها مجرد ناتج جانبي لملايين العمليات الحسابية لا تضيع تماما. إذ يجري استعادتها ورفع درجة حرارتها إلى أكثر من 50 درجة مئوية، ثم استخدامها في تدفئة مدارس ومساكن قريبة، ومن المتوقع أن يوفر ذلك نحو 1.1 مليون كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنويا، ويخفض انبعاثات الكربون بنحو 700 طن.

في هويبن لم تعد الصورة بالنسبة لي مجرد «مركز بيانات». أصبحت أقرب إلى دورة متكاملة: الشمس والرياح تنتجان الطاقة، والخوادم تستهلكها في معالجة البيانات، والحرارة الناتجة عن هذه العمليات تعود مرة أخرى لتدفئة مكان يعيش فيه الناس.
حتى مياه الأمطار لا تخرج من هذه الدائرة بسهولة، إذ توجد أنظمة لجمعها وإعادة استخدامها، فيما استخدمت تقنيات البناء المركب مسبقا لخفض انبعاثات الكربون خلال مرحلة الإنشاء.
وبينما كنت أتابع هذه التفاصيل، بدأت أفهم أن وصف «الحوسبة الخضراء» ليس مجرد تعبير تسويقي، فالمسألة هنا هي محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الطاقة والبيانات والبيئة، بحيث لا تكون زيادة الطلب على الذكاء الاصطناعي سببا تلقائيا في زيادة الهدر، ثم انتقلنا إلى مجموعة تشينهواي للبيانات، وهناك بدت لي الصورة من زاوية أخرى.

إذا كان مركز هويين قد جعلني أفكر في العلاقة بين الطاقة والحوسبة، فإن تشينهواي جعلتني أفكر في البنية التحتية التي تحمل حياتنا الرقمية كلها.
قالت لنا المرشدة في الموقع فكرة بسيطة ظلت عالقة في ذهني: إذا كان نموذج الذكاء الاصطناعي هو «دماغ» العصر الجديد، فإن مركز البيانات هو «القلب» الذي يضمن استمرار عمل هذا الدماغ.
قد تبدو العبارة مجازية، لكنها تصبح مفهومة عندما ترى حجم ما يجري خلف الأبواب المغلقة. فمنذ وصول تشينهواي إلى هوايلاي عام 2017، توسعت القاعدة لتضم مراكز بيانات قيد التشغيل والإنشاء والتخطيط، ويقترب حجم معدات الحوسبة في المراكز العاملة وتلك قيد الإنشاء من 500 ميجاوات، فيما تتجاوز نسبة خزائن الخوادم المستخدمة فعليا 90%.

هذه الأرقام الكبيرة ترتبط في النهاية بأشياء صغيرة جدا في حياتنا اليومية.
ضغطة على شاشة الهاتف لفتح مقطع فيديو، بحث سريع عن معلومة، صورة يطلب المستخدم من الذكاء الاصطناعي توليدها، ملف محفوظ في السحابة أو خدمة رقمية تعمل في الخلفية. نحن نرى النتيجة فقط، ولا نرى الرحلة الطويلة التي قطعتها البيانات قبل أن تصل إلينا.
في مراكز البيانات، تتحرك هذه البيانات عبر شبكات ألياف ضوئية فائقة السرعة، وتعالجها آلاف الخوادم، بينما تعمل أنظمة التبريد والكهرباء والمراقبة على مدار الساعة للحفاظ على استقرار المنظومة.
وحتى هنا، تحاول التكنولوجيا أن تراقب نفسها.
فبدلا من انتظار حدوث العطل، تستخدم تشينهواي الروبوتات وأجهزة المراقبة الذكية ومنصات تحليل البيانات بالذكاء الاصطناعي لمتابعة المعدات والتنبؤ بالمشكلات قبل وقوعها. ووفقا لما شرح لنا العاملون في الموقع، تصل دقة التنبؤ بالأعطال إلى 98%.

أما المياه والطاقة، فلهما قصة أخرى.
تستخدم المجموعة تقنيات تبريد لا تعتمد بصورة كبيرة على تبخير المياه، كما تطبق حلول التبريد السائل على نطاق واسع. ويمكن لكل 100 ميجاوات من الحمل توفير نحو 38 مليون كيلوواط/ساعة من الكهرباء سنويا، إلى جانب توفير نحو 920 ألف طن من المياه.
كل هذه الأرقام تبدو بعيدة عن الإنسان العادي، لكنها في الحقيقة تتصل بحياته أكثر مما يتخيل.
فنحن نعيش بصورة متزايدة داخل اقتصاد لا نرى بنيته التحتية. لم تعد الطرق والجسور والموانئ وحدها هي التي تحمل الاقتصاد. هناك اليوم طرق أخرى غير مرئية، تمتد داخل الألياف الضوئية، وبين الخوادم، وعبر مراكز البيانات. وهذه البنية هي التي تجعل الاتصال الفوري والخدمات السحابية والذكاء الاصطناعي جزءا عاديا من يومنا.

وأثناء مغادرتي هوايلاي، عدت إلى السؤال الذي بدأت به الرحلة: ماذا يوجد خلف الشاشة؟ الإجابة لم تعد بالنسبة لي مجرد خوادم أو مراكز بيانات. خلف الشاشة، رياح تدور فوق الجبال، وألواح شمسية تجمع الضوء، ومحطات كهرباء وشبكات ألياف ضوئية، وخوادم تعمل دون توقف، ومهندسون يراقبون آلاف الأجهزة، وروبوتات تبحث عن عطل قبل أن يحدث، وأنظمة تبريد تحاول أن تجعل هذا العالم الرقمي أقل استهلاكا للمياه والطاقة.
والأهم أن خلف الشاشة اقتصادا جديدا يتشكل بهدوء.
أثناء مغادرتي هوايلاي، لم تعد بالنسبة لي «القدرة الحوسبية» مصطلحا تقنيا. ليست مجرد خوادم وأرقام، بل منظومة تبدأ من الرياح والشمس، وتمر بالكهرباء ومراكز البيانات، وتنتهي بخدمات نستخدمها كل يوم.

والسؤال الأهم ليس فقط كيف نبني قدرة حوسبية أكبر، بل كيف نجعلها أكثر كفاءة وأقل كلفة على البيئة. ربما يكمن ما شاهدته في خبي إجابة شافية، عبر الجمع بين الطاقة النظيفة والبيانات والتكنولوجيا.
خلف كل ضغطة على شاشة الهاتف، إذن، عالم كبير يعمل بصمت.
