المستشار وليد عز الدين يكتب: حوالة الحق في عقود المطورين العقاريين بين أحكام القانون المدني وضوابط الرقابة المالية
أثارت حوالة الحق في عقود المطورين العقاريين جدلًا قانونيًا، خصوصًا بشأن الحقوق المالية الناشئة عن بيع الوحدات العقارية، وإمكان تمويل المطورين بضمان هذه الحقوق أو إحالتها إلى جهات التمويل.
ويعود جانب من هذا الجدل إلى ما أثير مؤخرًا بشأن موقف الهيئة العامة للرقابة المالية من «حوالة الحق» في عقود المطورين العقاريين، حيث أوضحت الهيئة أنها لم تصدر أي قرارات أو تعليمات جديدة في هذا الشأن، ولم تحظر تضمين العقود بندًا يسمح بـ«حوالة الحق»، مؤكدة أن القانون المدني ينظم حوالة الحق وفقًا لأحكامه.
ومن ثم، فالسؤال ليس: هل يجوز للمطور العقاري إحالة حقوقه؟ فالأصل أن ذلك جائز في الحدود التي يقررها القانون، وإنما السؤال الأهم هو: متى تنفذ الحوالة في مواجهة المشتري؟ وهل يكفي قبوله المسبق لها في العقد؟ وهل يمثل التمويل بضمان العقود حوالة فعلية للحقوق؟
وهنا تظهر أهمية التمييز بين الترخيص بالحوالة، والقبول المسبق لها، والحوالة الفعلية للحقوق، وهي مسائل يختلف أثر كل منها وفقًا لأحكام القانون المدني وصياغة العقد وظروف كل حالة.
أولًا: حوالة الحق ونفاذها في مواجهة المدين
نظم القانون المدني حوالة الحق في المواد من 303 وما بعدها، وأجاز للدائن إحالة حقه إلى الغير دون حاجة إلى رضاء المدين، ما لم يمنع ذلك القانون أو الاتفاق أو طبيعة الالتزام.
وبالتالي، يجوز للمطور العقاري إحالة حقوقه في الأقساط المستحقة أو المستقبلية إلى شركة تمويل أو غيرها ممن يجوز قانونًا انتقال الحق إليه، ولا يمثل مجرد النص في عقد البيع على إمكان الحوالة مخالفة قانونية في ذاته.
إلا أن المادة 305 مدني اشترطت لنفاذ الحوالة في مواجهة المدين أو الغير قبول المدين لها أو إعلانه بها.
ومن هنا يجب التمييز بين صحة الحوالة وإنتاج آثارها بين المحيل والمحال إليه، وبين نفاذها في مواجهة المشتري.
ثانيًا: التمييز بين الترخيص بالحوالة والقبول بها
لا تؤدي كل صياغة تعاقدية إلى النتيجة القانونية ذاتها.
فالنص الذي يقرر مثلًا:
«للطرف الأول الحق في حوالة حقوقه الناشئة عن هذا العقد إلى الغير.»
قد لا يتجاوز كونه ترخيصًا للمطور بإجراء الحوالة مستقبلًا، ولا يعني بالضرورة قبول المشتري للحوالة التي تتم لاحقًا.
أما إذا تضمن العقد نصًا أكثر تحديدًا، مثل:
«وقد قبل الطرف الثاني هذه الحوالة باعتبارها نافذة ومنتجة لآثارها بمجرد إتمامها، ويحل المحال إليه محل الطرف الأول في الحقوق المحالة.»
فإن هذا النص يكشف بدرجة أكبر عن اتجاه إرادة المشتري إلى قبول انتقال الحق وآثاره.
وقد قضت محكمة النقض في الطعن رقم 201 لسنة 25 قضائية – جلسة 19/11/1959 بأن مجرد تخويل الدائن، في سند سابق على الحوالة، إحالة الحق إلى من يشاء لا يعد قبولًا بالحوالة وفقًا للمادة 305، متى لم يكشف هذا التخويل عن الحوالة التي تمت أو يحدد نطاقها على نحو واضح.
وعليه، فالعبرة ليست بمجرد العلم بإمكان الحوالة، وإنما بمدى انصراف إرادة المشتري إلى قبول انتقال الحق وآثاره في حدود الحوالة التي تمت فعلًا.
ثالثًا: أثر القبول المسبق للحوالة
ويكتسب القبول المسبق للحوالة أهمية خاصة في عقود المطورين العقاريين؛ إذ قد يتضمن العقد اتفاقًا سابقًا على قبول المشتري لحوالة الحقوق التي تنشأ عنه مستقبلًا.
وهنا يجب التمييز بين صورتين:
الأولى: أن يقتصر النص على منح المطور الحق في إحالة حقوقه إلى الغير، كأن ينص العقد على أن:
«للطرف الأول الحق في حوالة حقوقه الناشئة عن هذا العقد إلى الغير.»
فهذا النص قد لا يعدو أن يكون ترخيصًا بإجراء الحوالة، ولا يكشف بذاته عن قبول المشتري للحوالة التي قد تتم مستقبلًا.
الثانية: أن يتضمن العقد قبولًا صريحًا من المشتري للحوالة وآثارها، وأن يقرر أن المحال إليه يحل محل المطور في الحقوق المحالة، وأن هذا الأثر يتحقق بمجرد إتمام الحوالة.
ففي هذه الحالة يكون القبول قد انصرف إلى انتقال الحق وآثاره، وليس مجرد السماح للمطور بإجراء الحوالة.
وتظهر أهمية هذا التمييز في أن القبول المسبق، متى كان واضحًا ومحددًا وانصرفت إرادة المشتري فيه إلى قبول انتقال الحقوق محل الحوالة، قد يحقق الغرض الذي اشترطته المادة 305 مدني لنفاذ الحوالة في مواجهته، دون حاجة إلى إعادة الحصول على قبوله عند إتمام الحوالة.
غير أن ذلك لا يعني أن مجرد ورود عبارة عامة عن قبول الحوالة يكفي في جميع الأحوال؛ إذ يجب بحث مدى وضوح القبول، ونطاق الحقوق التي شملها، وما إذا كانت الحوالة التي تمت فعلًا تدخل في هذا النطاق.
ومن ثم، فإن الأثر القانوني للقبول المسبق لا يتحدد من لفظ «القبول» وحده، وإنما من مضمون الاتفاق واتجاه الإرادة ونطاق الحقوق محل الحوالة.
وبعبارة أخرى، فإن القبول المسبق قد ينقل الحوالة من مجرد كونها إجراءً يحتاج إلى إعلان لاحق للمشتري إلى كونها حوالة سبق للمشتري أن ارتضى نفاذها في مواجهته، متى استوفى النص التعاقدي الدلالة اللازمة على ذلك.
وهذا هو الفارق الجوهري بين أن يقول العقد:
«للمطور أن يحيل حقوقه»
وبين أن يقول:
«قبل المشتري مسبقًا حوالة هذه الحقوق وآثارها، ويحل المحال إليه محل المطور فيها بمجرد إتمام الحوالة».
فالأولى أقرب إلى الترخيص، بينما الثانية تتجه إلى القبول المسبق لآثار الحوالة.
رابعًا: أثر الصياغة التعاقدية والإعلان
قد تتضمن بعض العقود صياغة تجمع بين تقرير حق المطور في الحوالة، وعدم اعتراض المشتري عليها، وقبوله نفاذها بمجرد إتمامها، وحلول المحال إليه محل المطور في الحقوق المحالة.
ومن أمثلة ذلك:
«يحق للطرف الأول أن يحيل كافة حقوقه الواردة بهذا العقد أو جزءًا منها إلى الغير، ليحل هذا الغير محل الطرف الأول باعتباره محالًا إليه، دون اعتراض من الطرف الثاني حالًا أو مستقبلًا، وقد قبل الطرف الثاني هذه الحوالة باعتبارها نافذة ومنتجة لآثارها بمجرد إتمامها، ويحل المحال إليه محل الطرف الأول في كافة حقوقه الناشئة عن هذا العقد، ودون المساس بحقوق الطرف الثاني المقررة وفقًا لهذا العقد.»
وهذه الصياغة أقوى من مجرد الترخيص بالحوالة؛ لأنها تتضمن قبولًا صريحًا لانتقال الحقوق وآثاره.
ومع ذلك، لا يكفي وجودها وحده دون التحقق من أن الحوالة التي تمت لاحقًا تقع فعلًا ضمن نطاق الحقوق التي شملها هذا القبول، وأن إرادة الطرفين قد انصرفت إلى انتقال الحق محل الحوالة على نحو واضح.
فإذا كان النص واضحًا ومحددًا، فقد يتمسك المطور أو المحال إليه بتحقق أحد طريقي النفاذ المنصوص عليهما في المادة 305 مدني.
أما إذا اقتصر النص على مجرد تخويل المطور في إجراء الحوالة مستقبلًا، فقد يظل الإعلان بالحوالة لازمًا لنفاذها في مواجهة المشتري.
خامسًا: حوالة الحق لا تعني حوالة العقد
من المسائل المهمة كذلك عدم الخلط بين حوالة الحق وحوالة العقد.
فانتقال الحقوق المالية للمطور، وبخاصة الحق في استيفاء الأقساط، لا يعني بالضرورة انتقال العقد بأكمله أو المركز التعاقدي الكامل.
فقد يحل المحال إليه محل المطور في الحقوق المالية المحالة، بينما تظل التزامات المطور الأخرى تجاه المشتري قائمة، ما لم يوجد اتفاق مستقل على حوالة المركز التعاقدي بأكمله.
ومن ثم، يجب التمييز بين حوالة الحق التي تنقل حقًا أو حقوقًا محددة، وبين حوالة العقد التي قد يترتب عليها انتقال المركز التعاقدي بما له من حقوق وما عليه من التزامات.
وهذا التمييز تترتب عليه آثار مهمة في تحديد مسؤولية المطور تجاه المشتري، وحدود ما ينتقل إلى المحال إليه.
سادسًا: التمويل بضمان الحقوق لا يساوي بالضرورة حوالة الحق
قد يحصل المطور العقاري على تمويل من جهة مالية، ويقدم عقود البيع أو الحقوق المستقبلية الناشئة عنها كضمان لهذا التمويل.
ولا يعني ذلك تلقائيًا انتقال هذه الحقوق إلى جهة التمويل.
فإذا ظل المطور هو الدائن، وظل المشتري ملتزمًا بالسداد له، وكانت العقود أو الحقوق مقدمة ضمانًا للتمويل، فنحن أمام تمويل بضمان الحقوق وليس بالضرورة أمام حوالة حق.
أما إذا اتفق الطرفان على انتقال الحقوق المالية فعلًا إلى جهة التمويل، بحيث أصبحت هي صاحبة الحق في استيفائها، فهنا نكون أمام حوالة حق، ويثور بحث نفاذها في مواجهة المشتري وفقًا للمادة 305 مدني.
ولا تحسم طريقة التحصيل وحدها طبيعة التصرف؛ فقد يستمر المطور في تحصيل الأقساط لحساب الجهة المحال إليها.
ومن ثم، فإن العبرة بحقيقة الاتفاق، وتحديد صاحب الحق، ونطاق الحقوق المنقولة، وترتيبات التحصيل، وليس بمجرد استمرار المطور في التعامل مع المشتري أو تحصيل الأقساط.
سابعًا: الضوابط التنظيمية وحماية المشتري
إن عدم وجود حظر على حوالة الحق لا يعني بالضرورة الإعفاء من أي ضوابط تنظيمية قد ترتبط بعملية التمويل أو التحصيل إذا كانت خاضعة للقواعد المنظمة للنشاط المالي.
ومن ثم، يجب التمييز بين نفاذ الحوالة وفقًا لأحكام القانون المدني، وبين الالتزامات التنظيمية والإفصاحية التي قد تترتب على ممارسة نشاط مالي منظم.
كما أن انتقال الحق المالي لا يسقط حقوق المشتري ولا يعفي المطور من التزاماته التي لم تشملها الحوالة، وإنما يتغير، في حدود الحق المحال، صاحب الحق في اقتضاء الأقساط أو غيرها من المستحقات محل الحوالة.
الخلاصة
حوالة الحق في عقود المطورين العقاريين جائزة من حيث الأصل، إلا أن تحديد آثارها القانونية يتطلب التمييز بين عدة صور:
الأولى: النص على أن للمطور الحق في إحالة حقوقه، وهو قد يمثل مجرد ترخيص بالحوالة ولا يغني بذاته عن استيفاء طريق نفاذها في مواجهة المشتري.
الثانية: النص على قبول المشتري للحوالة وآثارها، أو استخلاص هذا القبول من صياغة واضحة أو من سلوكه اللاحق. وقد يحقق هذا القبول أحد طريقي النفاذ المنصوص عليهما في المادة 305 مدني، حسب ظروف الواقعة ونطاق الحوالة.
الثالثة: حصول المطور على تمويل بضمان العقود أو الحقوق دون انتقالها فعليًا إلى جهة التمويل، وهذه لا تعد حوالة حق إلا إذا ثبت انتقال صفة الدائن والحقوق محل التصرف.
ومن ثم، فإن السؤال الحاسم في كل نزاع لا ينبغي أن يكون مجرد وجود بند للحوالة، وإنما:
ما طبيعة هذا البند؟ وهل يمثل ترخيصًا أم قبولًا؟ وهل تمت الحوالة فعلًا؟ وما الحقوق التي شملتها؟ ومن أصبح صاحب الحق في مواجهة المشتري؟ وهل استوفيت إجراءات نفاذها؟
فحوالة الحق ليست مجرد أداة تعاقدية، وإنما هي وسيلة قانونية واقتصادية مهمة لتمويل النشاط العقاري وإدارة الحقوق المالية، بشرط وضوح الإرادة، واحترام أحكام القانون، وحماية المشتري، وتحديد جهة السداد، وعدم الخلط بين انتقال الحق وتقديمه ضمانًا للتمويل.