< صواريخ الاعتراض تحت الضغط.. كيف تواجه أوكرانيا موجات الهجمات الروسية؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

صواريخ الاعتراض تحت الضغط.. كيف تواجه أوكرانيا موجات الهجمات الروسية؟

حرب أوكرانيا
حرب أوكرانيا

تواجه أوكرانيا تحديًا متزايدًا في حماية مدنها ومنشآتها الحيوية، مع تصاعد اعتماد روسيا على هجمات مركبة تجمع بين أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة والصواريخ المجنحة والباليستية. وبينما تحاول كييف الحفاظ على مخزونها المحدود من صواريخ الاعتراض الغربية، أصبح تطوير وسائل دفاع أقل تكلفة ضرورة متزايدة للتعامل مع الهجمات واسعة النطاق.

وتكمن صعوبة المعركة في أن روسيا لا تعتمد فقط على قوة الصواريخ المستخدمة، وإنما تسعى إلى إنهاك منظومات الدفاع الجوي الأوكراني من خلال إطلاق أسراب من المسيّرات والصواريخ في موجات متزامنة، بما يفرض على كييف استهلاك ذخائر باهظة الثمن قبل وصول الأسلحة الأكثر خطورة إلى أهدافها.

هجمات روسية مصممة لاستنزاف الدفاعات

تقول السلطات الأوكرانية إن موسكو طورت أسلوبًا يقوم على دمج أنواع مختلفة من الأسلحة خلال الهجوم الواحد، فتبدأ بمسيّرات هجومية وأخرى مخصصة للخداع، إلى جانب صواريخ مجنحة، قبل استخدام الصواريخ الباليستية التي تتميز بسرعتها العالية وصعوبة اعتراضها.

وتفرض هذه الاستراتيجية على القوات الأوكرانية التعامل مع مئات الأهداف المحتملة في وقت قصير، وهو ما يجعل حماية جميع المناطق والمنشآت أمرًا بالغ الصعوبة، خصوصًا في ظل محدودية أعداد منظومات الاعتراض المتطورة.

ولا تكمن المشكلة فقط في عدد الأهداف التي تنجح القوات الأوكرانية في إسقاطها، إذ إن تسلل عدد محدود من الصواريخ أو المسيّرات يمكن أن يؤدي إلى أضرار كبيرة إذا أصاب منشأة للطاقة أو موقعًا عسكريًا أو بنية تحتية حيوية.

في المقابل، تستهلك عمليات التصدي كميات كبيرة من الذخائر، بينما تحتاج كييف إلى فترات أطول للحصول على صواريخ اعتراض جديدة، الأمر الذي يضع الدفاع الجوي الأوكراني أمام معادلة صعبة بين حماية المدن والحفاظ على مخزونه من الصواريخ.

الباليستي.. التهديد الأكثر خطورة

تظل الصواريخ الباليستية واحدة من أخطر التحديات التي تواجه أوكرانيا، بسبب سرعتها العالية ومساراتها التي تجعل عملية اكتشافها واعتراضها أكثر تعقيدًا مقارنة بالعديد من أنواع المسيّرات.

ووفق تصريحات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، شهدت بعض الهجمات الروسية الواسعة إطلاق عشرات الصواريخ الباليستية في موجة واحدة، وهو رقم يسلط الضوء على الفجوة بين حجم التهديد وقدرة كييف على توفير منظومات اعتراض كافية.

وتعتمد أوكرانيا بصورة أساسية على منظومات غربية متقدمة، وفي مقدمتها منظومات «باتريوت» وصواريخ «PAC-3»، إلا أن محدودية أعدادها تجعل من الصعب توفير حماية شاملة لجميع المدن والمنشآت الاستراتيجية.

وهنا تظهر المعضلة الرئيسية: كل صاروخ اعتراض متطور تستخدمه أوكرانيا له تكلفة مرتفعة، بينما تستطيع روسيا إطلاق عدد كبير من الأهداف الرخيصة نسبيًا في محاولة لإجبار الدفاعات على استنزاف مخزونها.

مسيرات اعتراضية.. حل أقل تكلفة

أمام ارتفاع تكلفة الصواريخ الدفاعية، اتجهت أوكرانيا إلى توسيع الاعتماد على المسيرات الاعتراضية، باعتبارها وسيلة أكثر اقتصادية لمواجهة الطائرات المسيّرة الروسية.

وتقوم الفكرة على استخدام مسيرات سريعة تستطيع مطاردة المسيّرات الهجومية وتدميرها قبل وصولها إلى أهدافها، بما يسمح بتوفير الصواريخ الاعتراضية المتطورة للتهديدات التي لا يمكن التعامل معها بوسائل أقل تكلفة.

وتعمل هذه المسيرات ضمن شبكة تعتمد على الرادارات ووسائل الرصد المختلفة وبيانات الاستطلاع، إلى جانب وحدات متنقلة مسلحة بالمدافع والرشاشات وأنظمة الدفاع قصيرة المدى.

كما تلعب الحرب الإلكترونية دورًا مهمًا في هذه المنظومة، من خلال محاولة التشويش على أنظمة الملاحة والاتصالات الخاصة بالطائرات المسيّرة، بما قد يؤدي إلى تغيير مسارها أو تعطيلها قبل وصولها إلى المناطق المستهدفة.

أرقام تكشف حجم التحول

وفق بيانات أوكرانية، أنتجت البلاد نحو 100 ألف مسيرة اعتراضية خلال عام 2025، فيما تجاوز معدل نجاح المهام 60 بالمئة، في مؤشر على محاولة كييف بناء طبقة دفاعية جديدة تكون أقل اعتمادًا على الصواريخ الغربية مرتفعة التكلفة.

وتشير التقديرات الأوكرانية إلى أن تكلفة إسقاط إحدى المسيّرات الهجومية الروسية باستخدام مسيرة اعتراضية يمكن أن تكون أقل بكثير من تكلفة استخدام صاروخ دفاع جوي غربي، وهو ما يجعل هذه الوسيلة جذابة في حرب تعتمد بصورة متزايدة على كثافة الهجمات.

وتسعى كييف من خلال هذا النهج إلى إعادة توزيع مهام الدفاع الجوي الأوكراني، بحيث تتولى الأسلحة الأرخص التعامل مع المسيّرات، بينما تحتفظ منظومات «باتريوت» وغيرها من الأنظمة المتطورة بالصواريخ الباليستية والطائرات والتهديدات الأعلى خطورة.

روسيا تطور أسلوب الهجوم

لكن موسكو لا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه الإجراءات، إذ بدأت في استخدام أنواع أكثر سرعة من المسيّرات التقليدية، بما في ذلك نماذج نفاثة، وهو ما يفرض على أوكرانيا تطوير وسائل اعتراض أكثر سرعة وقدرة على المناورة.

ودفع هذا التطور القيادة الأوكرانية إلى المطالبة بتسريع إنتاج جيل جديد من المسيرات الاعتراضية، خصوصًا أن فعالية أي منظومة دفاعية ترتبط بقدرتها على مواكبة سرعة الأسلحة المهاجمة وتنوعها.

وفي الوقت نفسه، تواصل أوكرانيا الاعتماد على منظومات مثل «ناسامز» و«إيريس-تي» ومقاتلات «إف-16» للتعامل مع الصواريخ المجنحة وبعض التهديدات الجوية، مع محاولة إبقاء صواريخ «باتريوت» مخصصة للتهديدات الباليستية الأكثر صعوبة.

معركة استنزاف طويلة

وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب الجوية بين روسيا وأوكرانيا لم تعد مجرد مواجهة بين الصواريخ والطائرات، بل تحولت إلى سباق بين القدرة على إنتاج الأسلحة الهجومية وتوفير وسائل اعتراضها.

فروسيا تسعى إلى زيادة عدد الأهداف وتنوعها وإرباك منظومات الرصد والاعتراض، بينما تحاول أوكرانيا تقليل تكلفة الدفاع عبر توزيع المهام على طبقات متعددة من الأسلحة، تبدأ من الحرب الإلكترونية والمدافع والمسيرات الاعتراضية، وصولًا إلى المنظومات الصاروخية المتقدمة.

وتبقى المشكلة الأساسية أمام الدفاع الجوي الأوكراني مرتبطة بقدرة البلاد على تأمين إمدادات مستمرة من صواريخ الاعتراض، خصوصًا أن منظومات مثل «باتريوت» لا يمكن نشرها بأعداد تكفي لحماية كل المدن والمنشآت الحيوية في وقت واحد.