السيد خير الله يكتب: طب طنطا.. حين يتحول الطالب من متلقٍ للعلم إلى صانع للمستقبل
ليست قيمة المؤتمرات الطلابية في عدد جلساتها أو حجم الحضور فيها فقط، وإنما في قدرتها على أن تترك أثرًا حقيقيًا في شخصية الطالب، وأن تمنحه مساحة للتفكير والمناقشة والتجربة واكتشاف قدراته بعيدًا عن حدود المقرر الدراسي.
ومن هذا المنطلق، أرى أن المؤتمر الطلابي العلمي الأول بكلية الطب جامعة طنطا يمثل خطوة مهمة تستحق التوقف أمامها، ليس باعتباره فعالية علمية عابرة، وإنما باعتباره نموذجًا لفكرة أكثر أهمية، وهي أن طالب الطب يجب ألا يكون مجرد متلقٍ للمعلومة، بل شريكًا في صناعة المعرفة، وقادرًا على البحث والابتكار وصناعة مستقبله بنفسه.
المؤتمر، الذي أقيم يومي 13 و14 أغسطس 2026، تحت رعاية الأستاذ الدكتور محمد حسين محمود، رئيس جامعة طنطا، وبحضور الأستاذ الدكتور السيد العجوز، نائب رئيس الجامعة لشئون التعليم والطلاب، والأستاذ الدكتور محمد حنتيرة، عميد كلية الطب ورئيس مجلس إدارة المستشفيات الجامعية، حمل في تفاصيله رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ من الاستثمار في الطالب نفسه.
ولعل اللافت في هذه التجربة هو تنوع الموضوعات التي ناقشتها فعاليات المؤتمر؛ فلم تتوقف عند العلوم الطبية والبحث الأكاديمي، وإنما امتدت إلى أخلاقيات البحث العلمي، والعمل التطوعي، واختيار التخصص والمسار المهني، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب، والمهارات الحياتية والمهنية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية التجربة.
فالطبيب الناجح لا تصنعه الشهادة وحدها، ولا يكفي أن يمتلك قدرًا كبيرًا من المعلومات الطبية، وإنما يحتاج إلى شخصية قادرة على التواصل، واتخاذ القرار، والعمل ضمن فريق، والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، ومواصلة التعلم والبحث طوال مسيرته المهنية.
«Medical Sharks».. الفكرة التي تستحق الدعم
ومن أبرز ما شهدته الفعاليات الإطلاق الرسمي للمنصة الطلابية «Medical Sharks» لدعم وتشجيع الطلاب على ريادة الأعمال وتأسيس المشروعات الناشئة والصغيرة.
وأعتقد أن هذه الخطوة تحمل أهمية خاصة؛ لأن كثيرًا من الأفكار الرائعة تولد داخل عقول الشباب، لكنها تتوقف عند حدود الفكرة لغياب الدعم أو التوجيه أو البيئة المناسبة.
وعندما يحصل الطالب على فرصة لعرض فكرته وتطويرها وتحويلها إلى مشروع، فنحن لا نساعد طالبًا واحدًا فقط، وإنما نؤسس لثقافة جديدة داخل الجامعة عنوانها الابتكار وصناعة الفرص بدلًا من انتظارها.
الطلاب.. شركاء في النجاح
ومن النقاط الإيجابية في المؤتمر أيضًا أن التنظيم جاء بمشاركة اتحاد طلاب كلية الطب وأسرة «طلاب من أجل مصر» بطب طنطا، بالتعاون مع كيانات TSRA وSPOT وTSSA.
وهذا يعكس أهمية منح الطلاب مساحة حقيقية للمشاركة في صناعة الفعاليات التي تخصهم، لأن المسؤولية عندما توضع في أيدي الشباب تتحول من مجرد نشاط إلى تجربة تعليمية متكاملة.
كما أن الحضور الكبير لطلاب الكلية بمختلف الفرق الدراسية يؤكد أن هناك رغبة حقيقية لدى الشباب في التعلم خارج الإطار التقليدي، واكتساب مهارات جديدة تساعدهم في رحلتهم العلمية والمهنية.
التجربة تستحق الاستمرار
في رأيي، نجاح المؤتمر الحقيقي لن يقاس فقط بانتهاء فعالياته، وإنما بما سيأتي بعده.
هل ستتحول الأفكار التي طُرحت إلى مشروعات؟
هل سيستمر الطلاب في البحث العلمي؟
هل ستجد المواهب الجديدة من يحتضنها ويدعمها؟
وهل تصبح «Medical Sharks» منصة مستمرة لاكتشاف الأفكار الواعدة؟
هذه هي الأسئلة الأهم.
وأعتقد أن استمرار مثل هذه المبادرات وتطويرها عامًا بعد عام يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في حياة الطلاب، ويجعل الجامعة مساحة لاكتساب العلم والخبرة وصناعة المستقبل في الوقت نفسه.
كل التحية لكل من ساهم في هذه التجربة، ولكل طالب قرر أن يتعلم شيئًا جديدًا، ولكل أستاذ فتح بابًا أمام فكرة شابة.
وهنا نجعلنا نقف أمام شخصية فردت نفسها واحدثت طفرة داخل كلية طب طنطا في وقت قياسي.. طفرة لن تمر مرور الكرام تتلاشي أحداثها بمرور الوقت إنه قائد كتيبه الطب البروفسير الصامت دكتور محمد حنتيرة عميد طب طنطا.
فالمستقبل لا يُكتب بالانتظار..
المستقبل يُكتب عندما نمنح الشباب الفرصة ليصنعوه بأنفسهم.