< مجمع البحوث الإسلامية يرد على شبهات القراءات القرآنية.. اختلاف التنوع لا يعني التناقض
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

مجمع البحوث الإسلامية يرد على شبهات القراءات القرآنية.. اختلاف التنوع لا يعني التناقض

مجمع البحوث الإسلامية
مجمع البحوث الإسلامية

واصل مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف فعاليات ملتقيات «شبهات وردود»، التي تنظمها اللجنة العليا لشئون الدعوة بالمجمع ضمن برنامج «منبر الوعي»، وذلك بتوجيهات فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وإشراف فضيلة الشيخ أيمن عبد الغني، وكيل الأزهر، وفضيلة الدكتور محمد الجندي، الأمين العام للمجمع.

وشهد الملتقى الخامس، الذي عُقد مساء أمس بمدينة البعوث الإسلامية، محاضرة للدكتور محمد مصطفى علوة، عضو لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف بمجمع البحوث الإسلامية، تناول خلالها عددًا من الشبهات المثارة حول القراءات القرآنية، وفي مقدمتها الادعاء بأن اختلاف القراءات يمثل اضطرابًا أو تناقضًا في النص القرآني، إلى جانب إنكار تواتر القراءات، والقول بأن رسم المصحف هو الذي أدى إلى ظهور أوجه الاختلاف في القراءة.

مجمع البحوث الإسلامية: القراءات اختلاف تنوع وليس تضادًا

وقال الدكتور محمد مصطفى علوة إن من أبرز الشبهات التي أثيرت قديمًا وحديثًا حول القرآن الكريم الاستدلال باختلاف القراءات القرآنية على وجود اختلاف أو اضطراب في النص، مشيرًا إلى أن هذه الشبهة ليست جديدة، وأن علماء المسلمين ناقشوها قديمًا، ومن بينهم ابن قتيبة في كتابه «تأويل مشكل القرآن».

وأوضح أن أساس الرد على هذه الشبهة يقوم على التمييز بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد، مؤكدًا أن القراءات القرآنية الصحيحة لا تتناقض فيما بينها، وإنما تمثل أوجهًا متنوعة في الأداء واللفظ والدلالة، ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بطريق التلقي والرواية.

وأشار إلى أن تعدد القراءات قد يترتب عليه اتساع في المعنى وإثراء للدلالة، دون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب في النص القرآني أو تعارض في مضمونه.

علوة: القراءات ليست اجتهادات شخصية

وأضاف عضو لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف أن تعدد الأحرف التي نزل بها القرآن الكريم جاء في إطار التيسير على الأمة في تلاوة كتاب الله وحفظه، مؤكدًا أن ما صح من القراءات القرآنية ليس نتاج اجتهادات القراء أو اختياراتهم الشخصية.

وأوضح أن القراءات الثابتة انتقلت من جيل إلى جيل بالسماع والمشافهة، وهو ما يميز القراءة القرآنية الثابتة عن أي وجه لغوي أو اجتهاد بشري في قراءة النص.

ولفت إلى أن تعدد القراءات يمكن أن يكشف عن تكامل دلالي وليس تناقضًا، إذ قد تظهر في إحدى القراءات دلالة أو معنى لا يظهر بالوجه الآخر، فتتضافر القراءات في بيان المعنى وتوسيعه.

مجمع البحوث يوضح حقيقة تواتر القراءات

وتطرق علوة إلى شبهة إنكار تواتر القراءات القرآنية، موضحًا أن التواتر في اصطلاح علماء الرواية هو نقل الجمع الكثير عن الجمع الكثير، بما يستحيل معه عادة تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى منتهاه.

وأكد أن نقل القرآن الكريم اعتمد بصورة أساسية على التلقي والمشافهة، حيث تلقاه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نقله عنهم التابعون، واستمر تناقله بين أجيال الأمة، بما عزز ثبوته وانتشاره.

وأشار إلى أن المشافهة والتلقي من أهم خصائص علم القراءات، موضحًا أن القراءة لا تستمد من النظر في المصحف وحده، وإنما تؤخذ بالسماع والأداء عن أهل الإتقان، مستشهدًا بما قرره أئمة القراءات، ومن بينهم ابن الجزري.

هل رسم المصحف هو سبب اختلاف القراءات؟

وتناول عضو لجنة مراجعة طباعة المصحف الشريف الشبهة التي تزعم أن اختلاف القراءات نشأ بسبب خلو المصاحف الأولى من النقط والشكل، أو بسبب طبيعة الرسم العثماني الذي يحتمل أكثر من وجه في بعض الكلمات.

وأوضح أن هذه الرؤية تقلب العلاقة بين الرسم والقراءة، مؤكدًا أن القراءة الصحيحة لم تنشأ من محاولة قراءة الرسم العثماني المجرد، وإنما ثبتت أولًا بالتلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاء الرسم العثماني موافقًا لما ثبت من وجوه القراءة ومستوعبًا الأوجه التي تحتملها حروفه.

وشدد على أن الصحابة رضي الله عنهم لم يتعاملوا مع رسم المصحف باعتباره مصدرًا مستقلًا لإنشاء القراءات، وإنما كانوا أهل حفظ وتلقٍ وسماع، وأن لجنة كتابة المصاحف في عهد عثمان رضي الله عنه حرصت على كتابة ما استقر عند الصحابة من القرآن الكريم، بما يوافق ما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مجمع البحوث الإسلامية: الرسم العثماني لم ينشئ القراءات

وأكد علوة أن الرسم العثماني كان عاملًا في حفظ وجوه الأداء الثابتة، وليس منشئًا لها، مشددًا على أن دراسة القراءات القرآنية لا تستقيم بمعزل عن علوم القرآن وأصول الرواية والتلقي.

واختتم بالتأكيد على ضرورة دراسة هذا العلم وفق أصوله التي وضعها أئمة القراءات، والتمييز بين التنوع المنقول الذي يثري الدلالة، وبين التناقض الذي يستلزم التعارض، بما يوضح المنهج الذي صان به المسلمون كتاب الله تعالى لفظًا وأداءً ونقلًا.

وتأتي ملتقيات «شبهات وردود» ضمن جهود مجمع البحوث الإسلامية لترسيخ الوعي الديني الرشيد، وتحصين الشباب من الشبهات والمفاهيم المغلوطة، من خلال تقديم معالجة علمية للقضايا المثارة حول القرآن الكريم وعلومه، بالاستناد إلى المنهج الأزهري وقواعد التحقيق العلمي.