< محمد مازن يكتب من بكين: ماذا تحمل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر ؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

محمد مازن يكتب من بكين: ماذا تحمل زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر ؟

النبأ

بعد سبعين عامًا من العلاقات المصرية الصينية، لا تبدو زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مجرد زيارة رسمية أخرى تضاف إلى سجل طويل من الزيارات والقمم. فالرئيس الصيني يصل إلى القاهرة في لحظة تكتسب فيها العلاقة بين البلدين معنى أوسع من الاحتفال بسبعة عقود من الصداقة؛ لحظة تبحث فيها القاهرة وبكين عن الخطوة التالية في شراكة تراكمت خلالها الثقة، وتغيرت معها طبيعة المصالح والملفات المشتركة. ومن المقرر أن يزور شي مصر خلال الفترة من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر، تلبية لدعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث يلتقي الرئيسان لبحث تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتبادل الرؤى حول القضايا الإقليمية والدولية. 
ربما يكون أهم ما في هذه الزيارة أنها تأتي بعد عامين فقط من مرور عشر سنوات على رفع مستوى العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة، وبعد أشهر من احتفال البلدين بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية. وفي رسائل التهنئة بهذه المناسبة، وصف الرئيسان مسيرة العقود السبعة بأنها علاقة حافظت على الاستقرار والتطور رغم تغير البيئة الدولية والإقليمية، وهو ما يمنح زيارة شي إلى القاهرة معنى «البناء على ما تحقق» أكثر من مجرد استعراض لما تحقق. 
وهنا ربما يكون السؤال الأهم: ما الذي يمكن أن تضيفه الزيارة إلى علاقة لم تعد بحاجة إلى إثبات عمقها؟
أعتقد أن الإجابة تبدأ من الانتقال من تراكم المشروعات إلى تعميق الشراكة.
فقد أصبحت آثار التعاون الصيني في مصر واضحة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وفي مشروعات البنية الأساسية والنقل والطاقة والمدن الجديدة. كما أصبحت الصين شريكًا مهمًا في عملية التنمية المصرية. وفي المقابل، تمثل مصر للصين موقعًا استراتيجيًا يربطها بالأسواق العربية والأفريقية، ويمنحها نافذة مهمة على قناة السويس والبحر المتوسط. وفي العام الماضي، أكدت القاهرة وبكين اهتمامهما بتوسيع التعاون في توطين الصناعة والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية، إلى جانب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي. 
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أكثر من إضافة مشروع جديد إلى قائمة المشروعات.
مصر بالتاكيد تريد أن يكون الاستثمار الصيني أكثر ارتباطًا بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا، والصين تريد أن ترى في مصر قاعدة أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية والأفريقية. وهذه مساحة يمكن أن تتحول فيها الشراكة من علاقة استثمارية إلى شراكة في سلاسل الإنتاج.
ومن هنا تبدو ملفات مثل السيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، وتحلية المياه، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الذكية، أكثر أهمية من أي وقت مضى. وقد ظهرت بالفعل هذه المجالات ضمن أولويات التعاون التي ناقشها الجانبان خلال الفترة الأخيرة. 
لكن زيارة شي إلى القاهرة لا يمكن أن تنفصل عن الجغرافيا السياسية.
فمصر والصين تتعاملان مع منطقة تمر بواحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود. فلسطين، وغزة، والسودان، وليبيا، وأمن الخليج، وأزمات المنطقة، كلها ملفات تتطلب تنسيقًا سياسيًا مستمرًا بين قوتين تختلفان في الحجم والقدرات، لكنهما تلتقيان في التأكيد على سيادة الدول، ورفض فرض الحلول بالقوة، ودعم المسارات السياسية.
وهنا تمتلك القاهرة وبكين شيئًا مهمًا يمكن البناء عليه: مصر تعرف المنطقة من الداخل، والصين تملك وزنًا دوليًا متزايدًا. وإذا التقت الخبرة الإقليمية المصرية مع الثقل الدولي الصيني، يمكن أن تصبح الشراكة أكثر حضورًا في جهود التهدئة ودعم السلام، وليس فقط في التجارة والاستثمار.
وقد شهدت السنوات الأخيرة بالفعل تنسيقًا متزايدًا بين البلدين في الملفات الإقليمية والدولية، إلى جانب تعاون أوسع عبر أطر مثل بريكس ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي وغيرها. وهذا يفتح سؤالًا آخر أمام القمة: هل يمكن أن تنتقل العلاقة من مجرد توافق في المواقف إلى تعاون أكثر فاعلية في صناعة الحلول؟
أما الجانب الذي أراه الأكثر أهمية، وربما الأقل ظهورًا في البيانات الرسمية، فهو الإنسان.
فسبعون عامًا من العلاقات لا تُقاس فقط بحجم التجارة وعدد المشروعات، وإنما بما أصبح يعرفه المصري عن الصين، وما يعرفه الصيني عن مصر. من الطالب الذي يدرس عن مصر في كتاب مدرسي، إلى السائح الصيني الذي يأتي إلى الأهرامات، إلى الفنان المصري الذي يظهر في فيلم صيني، إلى الطالب الذي يدرس اللغة الصينية في جامعة مصرية.
هذه التفاصيل هي التي تجعل العلاقة قادرة على الاستمرار عندما تتغير الظروف.
ولذلك تأتي زيارة شي إلى مصر في الذكرى السبعين وكأنها تقف عند نقطة بين فصلين: فصل صنع الثقة، وفصل ينبغي أن يصنع المستقبل.
وتدرك القيادة في الجانبين أن الأمر لا يتعلق بالحفاظ على ما تحقق، وإنما جعله أكثر عمقا: تجارة أكثر توازنًا، استثمارات ذات قيمة مضافة، صناعة وتكنولوجيا، تعاون في الغذاء والمياه والطاقة، تنسيق سياسي أكبر، وثقافة تجعل التقارب بين الشعبين أكثر رسوخا.
قبل سبعين عامًا، بدأت الحكاية بقرار سياسي شجاع من القاهرة، فتح الباب أمام علاقة مع الصين في وقت كانت فيه خريطة العالم مختلفة تمامًا. واليوم تأتي زيارة الرئيس الصيني إلى مصر لتحويل سبعين عامًا من الثقة إلى سبعين عامًا جديدة من صناعة المستقبل.