< علي الهواري يكتب: نظرية «بلطجي الأسرة»..كيف تطبقها أمريكا لتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

علي الهواري يكتب: نظرية «بلطجي الأسرة»..كيف تطبقها أمريكا لتحقيق حلم «إسرائيل الكبرى»؟

علي الهواري يكتب:
علي الهواري يكتب: نظرية «بلطجي الأسرة»..كيف تطبقها أمريكا

هناك نظرية اجتماعية شعبية متداولة في مصر والوطن العربي يمكن أن نطلق عليها «نظرية بلطجي الأسرة». وهي تقوم على فكرة بسيطة لكنها شديدة الدلالة: في بعض الأسر، أو في كل مجموعة اجتماعية، قد يظهر شخص يتولى دور «البلطجي»؛ يفتعل المشكلات مع الآخرين، ويتجاوز الحدود، ويدخل في صدامات متكررة، بينما تحاول العائلة أمام الناس أن تظهر وكأنها ترفض سلوكه وتستنكره، وقد تم تجسيد هذه الشخصية في الكثير من الأعمال الفنية المصرية.

قد تجد كبير العائلة يوبخه أمام الجميع، ويعنفه على ما فعله، وربما يعلن أنه لا يقبل منه هذا السلوك، لكن المفارقة أن هذا الرفض قد يكون ظاهريًا فقط، ففي الخفاء، قد يكون الرجل نفسه سعيدًا بأن هناك شخصًا يخشاه الآخرون، ويقول له بصورة مباشرة أو غير مباشرة: «اعمل اللي أنت عايزه.. إحنا وراك».

هنا تتحول البلطجة من سلوك فردي إلى أداة نفوذ؛ فالمطلوب ليس أن يكون البلطجي محبوبًا، وإنما أن يكون مخيفًا. وليس مهمًا أن يقتنع الناس بأن ما يفعله صحيح، بل المهم أن يخافوا من رد فعله.

وهذه النظرية الشعبية، إذا انتقلنا بها من مستوى الأسرة إلى مستوى السياسة الدولية، سنجد أنها تقدم تشبيهًا لافتًا لفهم جانب من العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل.

فإسرائيل، في نظر منتقدي السياسة الأمريكية، تبدو في كثير من الأحيان كأنها «بلطجي المنطقة»: دولة تمتلك قوة عسكرية كبيرة، وتدخل في صراعات متكررة، وتستخدم القوة بصورة واسعة، بينما تظل الولايات المتحدة هي القوة الكبرى التي توفر لها الغطاء السياسي والدعم العسكري والدبلوماسي.

وعندما ترتكب إسرائيل تجاوزات أو تشن حربًا أو تتسبب سياساتها في أزمات إقليمية ودولية، قد تظهر واشنطن في بعض اللحظات وكأنها تمارس دور «كبير الأسرة» الذي يوجه اللوم أو يطالب بضبط النفس أو يدعو إلى حماية المدنيين، لكن هذا شيء، وما يحدث على أرض الواقع من دعم سياسي وعسكري ودبلوماسي شيء آخر.

وهنا تظهر جوهر «نظرية بلطجي الأسرة»: العتاب العلني لا يعني بالضرورة التخلي الحقيقي عن البلطجي.

بل إن أخطر أشكال هذه العلاقة هو أن تتحول القوة الخارجة عن القانون إلى وسيلة لتحقيق أهداف لا تستطيع القوة الأكبر تنفيذها بصورة مباشرة. فالبلطجي يتحرك، يهدد، يصطدم، ويكسر القواعد، بينما يظل صاحب النفوذ الأكبر بعيدًا نسبيًا عن المواجهة المباشرة، ثم يتدخل عندما يريد إدارة نتائج الصدام.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل باعتبارها علاقة تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية والسياسية والأمنية، وليست مجرد علاقة عاطفية أو أخلاقية، فالولايات المتحدة ترى في إسرائيل حليفًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة شديدة الحساسية، وإسرائيل بدورها تعتمد على الدعم الأمريكي بدرجات مختلفة في مجالات التسليح والدبلوماسية والسياسة الدولية.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما يعرف البلطجي أن وراءه شخصًا أقوى منه؟

في هذه الحالة يشعر البلطجي بدرجة أعلى من الحماية، وقد يصبح أكثر جرأة في اختبار الآخرين. فالخوف من البلطجي لا يأتي فقط من قوته الشخصية، وإنما من الاعتقاد بأن وراءه من سيحميه إذا تجاوز الحدود.

وهذا تحديدًا ما يجعل «نظرية بلطجي الأسرة» أكثر من مجرد حكاية شعبية، إنها تعكس مفهومًا سياسيًا معروفًا في العلاقات الدولية: الردع والدعم والغطاء السياسي، فحين يدرك طرف ما أن وراءه قوة كبرى، فإن حساباته للمخاطر قد تتغير.

لكن المشكلة أن هذه السياسة قد تنتج دائرة خطيرة: كلما زاد استخدام القوة، زادت الخصومة، وكلما زادت الخصومة، احتاجت القوة الحامية إلى مزيد من الدعم، وكلما زاد الدعم، شعر الطرف المدعوم بقدرة أكبر على استخدام القوة.

وهكذا تتحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراع، ويدفع المدنيون والدول المجاورة ثمنًا باهظًا للصراع، بينما تستمر القوى الكبرى في إدارة التوازنات من خلف الستار.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذه المعادلة يضعف فكرة القانون الدولي نفسها، فالقانون لا تكون له قيمة حقيقية إذا كان تطبيقه يتوقف على قوة الدولة ومكانتها وتحالفاتها، فإذا كان هناك «بلطجي» يعلم أن هناك قوة كبرى ستمنع محاسبته، فإن الرسالة التي تصل إلى الآخرين هي أن القوة قد تكون أهم من القانون.

وهنا نعود مرة أخرى إلى الأسرة.

إذا كان كبير الأسرة يريد فعلًا وقف البلطجة، فلن يكفي أن يعنف البلطجي أمام الناس، ثم يعطيه في الخفاء الضوء الأخضر للاستمرار، عليه أن يضع قواعد واضحة تطبق على الجميع، وأن يمنع التجاوزات حتى لو صدرت من أقرب الناس إليه.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي قوة عظمى: هل تستخدم نفوذها لفرض القانون على الجميع، أم تستخدمه لحماية حلفائها عندما يتجاوزون القانون؟

فالولايات المتحدة تستطيع أن تكون جزءًا من الحل إذا استخدمت نفوذها لتحقيق التهدئة وفرض احترام القانون الدولي وحماية المدنيين ودفع الأطراف نحو تسويات سياسية عادلة، أما إذا اقتصرت سياستها على توبيخ علني من جهة، ودعم سياسي وعسكري غير مشروط من جهة أخرى، فإنها قد تجد نفسها أمام نموذج «بلطجي الأسرة» على المستوى الدولي: بلطجي يثير المشكلات، وكبير عائلة يلومه أمام الناس، لكنه في النهاية لا يسمح لأحد بالاقتراب منه.

والفرق بين العائلة والدولة أن مشاكل العائلة قد تنتهي بجلسة صلح، أما عندما تُدار العلاقات الدولية بهذه الطريقة، فإن ثمن «البلطجة» قد يكون حربًا، ودماءً، ودمارًا، وأجيالًا كاملة تدفع ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.

الضفة الغربية.. إدانة أمريكية وواقع إسرائيلي مختلف

وتبرز «نظرية بلطجي الأسرة» بصورة واضحة في التعامل الأمريكي مع ما يجري في الضفة الغربية؛ فبينما تعلن واشنطن في مواقف مختلفة رفضها لخطوات إسرائيلية من شأنها تقويض حل الدولتين أو الدفع نحو ضم أجزاء من الضفة الغربية، وتصدر عنها أحيانًا انتقادات أو تحذيرات بشأن الاستيطان والإجراءات الإسرائيلية، تواصل الحكومة الإسرائيلية على الأرض سياساتها بوتيرة متصاعدة، وهنا تبدو المفارقة: إدانة سياسية في العلن، واستمرار للسياسة على الأرض في ظل غياب إجراءات أمريكية حاسمة توقفها، وكأن «كبير الأسرة» يوبخ «البلطجي» أمام الناس ويطالبه بالتوقف، لكنه في الوقت نفسه لا يسحب منه أدوات القوة ولا يفرض عليه ثمنًا حقيقيًا لاستمرار تجاوزاته؛ فيدرك البلطجي أن حدود التوبيخ لا تتجاوز الكلمات، وأن بإمكانه مواصلة ما يفعله ما دام أن الحماية الأساسية لم تتغير، وبذلك تتحول البيانات والتحذيرات الأمريكية، مهما كانت لهجتها قوية، إلى جزء من إدارة الأزمة بدلًا من أن تكون أداة حقيقية لإنهائها.

أوروبا و«بلطجي الأسرة».. إدانات بلا أدوات ضغط كافية

ولا تقتصر هذه المفارقة على السياسة الأمريكية، بل يمكن ملاحظتها أيضًا في تعامل عدد من الدول الأوروبية، وكذلك الاتحاد الأوروبي، مع السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، ففرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي تعلن بصورة متكررة رفضها للاستيطان، وتحذر من إجراءات الضم وتغيير الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية، وتؤكد في مواقفها الرسمية تمسكها بحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة، وفي الوقت نفسه، تتواصل على الأرض سياسات الاستيطان والتوسع ومصادرة الأراضي وهدم المنازل وغيرها من الإجراءات التي يرى منتقدوها أنها تقوض بصورة متزايدة إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.

وهنا يمكن إسقاط «نظرية بلطجي الأسرة» بصورة مجازية على المشهد الأوروبي أيضًا: العتاب والإدانة في العلن، مع استمرار العلاقات والمصالح في الخفاء، فالدول الأوروبية قد ترفض بعض الممارسات الإسرائيلية سياسيًا وقانونيًا، لكنها عندما يتعلق الأمر بتحويل هذه المواقف إلى إجراءات ضغط فعالة، تبدو أدواتها أو إرادتها السياسية محدودة مقارنة بحجم ما تعلنه من مواقف، ولذلك تستطيع إسرائيل أن تستمع إلى بيانات الإدانة والتحذيرات الأوروبية، ثم تواصل سياساتها على الأرض، وهي تدرك أن تكلفة تجاهل تلك التحذيرات لن تكون بالضرورة كبيرة.

فالبلطجي لا يتوقف بمجرد أن يسمع كلمات الغضب، وإنما يتوقف عندما يدرك أن وراء الكلمات إجراءات حقيقية. 

وفي السياسة الدولية، لا تكون البيانات وحدها كافية دائمًا لتغيير سلوك الدول؛ إذ تحتاج الدبلوماسية إلى أدوات اقتصادية وسياسية وقانونية تجعل تجاهلها مكلفًا.

ومن هنا تصبح القضية اختبارًا حقيقيًا للسياسة الأوروبية: هل ستظل أوروبا تكتفي بدور من يوبخ «بلطجي الأسرة» أمام الناس، أم ستستخدم وزنها الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي لوضع حدود فعلية أمام أي إجراءات تهدد مستقبل الدولة الفلسطينية وحل الدولتين؟

حرب غزة.. عندما يتحول التوبيخ إلى غطاء

وفي حرب غزة، تبدو صورة «بلطجي الأسرة» أكثر وضوحًا وخطورة؛ فمنذ اندلاع الحرب، صدرت عن الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية مواقف تدعو إسرائيل إلى حماية المدنيين، وتجنب استهداف المنشآت الإنسانية، والسماح بدخول المساعدات، كما صدرت انتقادات لبعض العمليات والسياسات الإسرائيلية، وارتفعت في مراحل مختلفة الأصوات المطالبة بوقف إطلاق النار، لكن في المقابل، استمر الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل بدرجات مختلفة، واستمرت الحرب وما رافقها من دمار وأزمة إنسانية هائلة، وهنا تظهر المفارقة التي تقوم عليها النظرية: إدانة بعض التصرفات في العلن، مع استمرار توفير مظلة سياسية وعسكرية في الخلفية، وكأن «كبير الأسرة» يعلن أمام الجميع أنه غير راضٍ عن أفعال «البلطجي»، لكنه لا يسحب منه القوة التي تمكنه من الاستمرار. وبذلك يصبح التوبيخ جزءًا من إدارة الصورة السياسية والأخلاقية، لا بالضرورة وسيلة كافية لتغيير السلوك على الأرض، فالاختبار الحقيقي للدول الغربية لم يكن في قدرتها على إصدار البيانات والتعبير عن القلق، وإنما في قدرتها على استخدام نفوذها لوقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ودفع الأطراف نحو حل سياسي عادل ومستدام.