الصكوك الضريبية.. أداة تمويل مبتكرة أم عبء على موازنة المستقبل؟
- 31.4% نمو بالإيرادات الضريبية بالأشهر السبعة الأولى من العام المالي 2025-2026 بواقع تريليون و408 مليون جنيه
- الخبير الاقتصادي حسن الصادي: الصكوك الضريبية ترمي الأعباء على الأجيال المقبلة
- الصادي: بنسبة كبيرة لن يتم تطبيق الصكوك الضريبية لصعوبة الأمر وما ينتج عنه من أزمات اقتصادية مستقبلية
- الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس: جدوى الصكوك تتحدد بطريقة استخدامها واستخدامها لسداد ديون مرتفعة التكلفة هو السيناريو الأفضل
- أنيس: العائد هو نقطة التوازن بين مصلحة الحكومة والممول
- أمين اقتصادية الشيوخ أشرف عبدالغني: الصكوك توفر سيولة فورية لكنها قد تضغط على الإيرادات المستقبلية
- الخبير المصرفي وأستاذ الاستثمار والتمويل الدكتور عزالدين حسنين: الصكوك الضريبية أداة هجينة وقد تساعد في سد فجوات التمويل
في الوقت الذي تواجه فيه الموازنة العامة ضغوطًا مضطردة، تتجه الحكومة للمرة الأولى إلى تفعيل الصكوك الضريبية، والتي تتيح لها الحصول على أموال الممولين مقدمًا، مقابل منحهم عائد معفى من الضرائب، يمكنهم استخدامه لاحقًا في تسوية الضرائب المستحقة.
لجوء الحكومة إلى تفعيل تلك الآلية الآن، أثار غضبًا واسعًا لدى الكثيرين معتبرين أن تأثيرها سيكون كارثي مستقبلًا لأنها لا تحل الأزمة بل ترحلها -حسب وصفهم- كما وضفها بعضهم بأنها تشبه «نظام المقابلة» في عهد الخديوي إسماعيل، بينما رأى آخرون أنها يمكن أن تؤتي ثمارًا طيبة باشتراطات معينة، فهل الصكوك الضريبية وسيلة لتحسين إدارة السيولة والتحصيل الضريبي أم أنها أحد أشكال التمويل الحكومي يؤجل جزءًا من الالتزامات إلى المستقبل وبالتالي المشكلة؟ وما التكلفة الحقيقية لهذا التمويل مقارنة بأدوات الاقتراض التقليدية؟ وما تأثيره على الحصيلة الضريبية في السنوات المقبلة؟ ومن المستفيد الأكبر منها؟ ومتى يمكننا الجزم بنجاح تلك الآلية؟
موافقة رئاسية
10 أغسطس الجاري، وافق الرئيس عبدالفتاح السيسي على مقترح إصدار صكوك ضريبية، يتم تمويلها من جانب الممولين وتُخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب ويساهم في خفض الاحتياجات التمويلية ومن ثَم فاتورة خدمة الدين، حسبما جاء في بيان مؤسسة الرئاسة.
وبحسب مسؤولون في الحكومة، من المُقرر أن يتم طرح الصكوك الضريبية خلال الأسابيع المُقبلة.
الصكوك الضريبية مُستحدثة الآن، ولكنها آلية قانونية ظلت حبيسة النصوص منذ إدراجها في قانون الضريبة على الدخل العام في عام 2005، تحديدًا في المادة 115 من هذا القانون.
آلية قديمة
وتنص المادة 115 على: «للوزير إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولين وتحمل بعائد معفي من الضرائب يُحدده الوزير، وتكون لهذه الصكوك وللعوائد المستحقة عليها قوة الإبراءعند سداد الضرائب المستحقة».
خلال العام المالي 2025-2026، سجلت الإيرادات الضريبية ارتفاعًا بزيادة نحو 31.4%، خلال الأشهر السبعة الأولى، وبلغت نحو تريليون و408 مليون جنيه.
وارتفعت الإيرادات الضريبية خلال الأشهر الـ11 الأولى من العام المالي ذاته، بواقع 27.5% مقابل الفترة بالفترة ذاتها من العام المالي السابق، وسجلت 2 تريليون و488 مليون جنيه بما يعادل 11.7% من إجمالي الناتج المحلي، وفقًا للتقرير المالي الصادر عن وزارة المالية في يوليو 2026.
وسيلة تمويلية فورية
الصكوك الضريبية وسيلة تمويلية جديدة توفر سيولة فورية للحكومة، كما تستهدف تخفيف الضغط على الموازنة وخفض تكلفة خدمة الدين، مقابل حصول الممولين على عائد من أموال كانوا سيسددونها لاحقًا في صورة ضرائب، وعليه يتحول الالتزام الضريبي المستقبلي إلى أداة استثمارية، حسبما يرى أمين سر اللجنة الاقتصادية بمجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية النائب أشرف عبدالغني.
ويُحذر، من أن الضغط عى الإيرادات المستقبلية الذي سيترتب على سداد أصل الصكوك وعوائدها، بخلاف احتمالية عدم إقبال المشروعات الصغيرة والمتوسطة عليها بسبب احتياجها للسيولة، لاسيَّما وأن الصكوك تمثل في الوقت ذاته أحد أشكال الدين.

وبشأن إمكانية نجاح التجربة، يعتقد أمين سر اقتصادية الشيوخ، أنه يحتاج إلى قواعد واضحة وآليات إلكترونية لمتابعة الصكوك والعوائد والاستحقاقات، بالإضافة إلى تقديم حوافز للممولين وعائد منافس لشهادات البنوك، وضمانات حكومية واضحة.
ويختتم «عبدالغني»، تصريحاته في هذا الشأن، مُشددًا على ضرورة توجيه حصيلة الصكوك لمشروعات إنتاجية لتحقيق عوائد اقتصادية تساهم في تغطية تكلفة العوائد المستحقة للممولين، وبالتالي يحد من تحول الآلية إلى عبء على الإيرادات العامة مُستقبلًا.
تخلق أزمات مستقبلية
«الصكوك الضريبية تُحمِّل الأجيال المُقبلة أعباءً مالية، لأنها تعتمد على تقسيم الأرباح المتوقعة والحصول على موارد لم تتحقق بعد»، حسبما يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الصادي في حديثه مع «النبأ الوطني».
ويعتقد، أنه لن يتم تطبيق تلك الآلية لصعوبة تطبيقها، لأنها ستخلق أزمات مالية مستقبلية، خصوصًا وأن الحكومة من خلال هذه الآلية تؤجل أعباءها إلى من سيأتي بعدها، قائلًا: «اللي ييجي ورايا هو اللي يشيل».
ويرى «الصادي»، أن الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة، لن يكون بالاعتماد على هذه الأدوات، وإنما من خلال إدارة الملف الاقتصادي عبر الاستعانة بخبرات اقتصادية قادرة على التعامل مع الأزمات، مُعتبرًا أن الأزمة ليست في نقص موارد الدولة، وإنما في طريقة إدارة مواردها الاقتصادية.

سر النجاح!
«نجاح الصكوك الضريبية يحتاج الوصول إلى نقطة توازن تحقق مصلحتي الممول والحكومة، لأن العائد من تطبيقها هو العامل الأساسي لتحديد جداها للطرفين»، حسبما يؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس في حديثه مع «النبأ الوطني».
ويُضيف، أن الممول سيحدد مدى جدوى الاكتتاب بناءً على العائد الذي سيحصل عليه مقابل سداد جزء من ضرائبه مقدمًا، في حين إن ارتفاع العائد سيمثل تكلفة تمويلية أكبر على الحكومة.
لا يُمكن وصف الصكوك الضريبية بأنها جيدة أو سيئة في المُطلق، ولكن تُحدد جدواها وفقًا لطريقة استخدامها، خصوصًا وأنها تُعد أداةً لتوريق الإيرادات المستقبلية وأداةً للتمويل في الوقت ذاته، حسبما يوضح الدكتور محمد أنيس.
وضرب «أنيس»، مثالًا باستخدام جزء من الإيرادات الضريبية التي تحصل عليها الدولة بالدولار مقدمًا في سداد ديون دولارية بعوائد مرتفعة، مُبينًا أنه إذا حصلت الحكومة على هذه الإيرادات من خلال صكوك بعائد 5%، ثم استخدمتها في سداد ديون تكلفة خدمتها 9%، فهذا يعني خفض تكلفة التمويل من 9% إلى 5%، والتخلص من الدين ذي العائد المرتفع، وهذا يُعتبر -حسب تقديره- استخدامًا ناجحًا للصكوك الضريبية يحقق مصلحة عامة.
زيادة الضغوط
استخدام حصيلة الصكوك من في أي أعمال أو مشروعات لا تحقق خفضًا في تكلفة الدين، هو بمثابة كارثة كُبرى، لاسيَّما وأن ذلك يُعني استهلاك جزء من الإيرادات الضريبية المستقبلية، والذي من شأنه أن يؤدي لزيادة الضغوط على الموازنة خلال السنوات القادمة، وفقًا للخبير الاقتصادي محمد أنيس.
ويُشدد «أنيس»، على أهمية إدارة الصكوك حالة بحالة، لقياس ما إذا كان استخدامها يحقق فائضًا حقيقيًا في تكلفة خدمة الديون من عدمه، مؤكدًا أن استخدام أموال الصكوك في غير ذلك يُعني عمليًا «حرق الإيرادات المستقبلية».
وبشأن سندات المواطن، يوضح الخبير الاقتصادي، أن وضعها يختلف عن الصكوك الضريبية، لأنها تتيح التوسع فيها كأداة لتمويل الحكومة، على أن تكون خصمًا من إجمالي السندات الحكومية التي تطرحها الحكومة وتشتريها البنوك أو المستثمرون من الخارج، مُضيفًا أن توجيه جزء من هذه السندات مباشرة إلى المدخرين يمكن أن يخفض جزءًا من تكاليف الإصدار، ويتيح للمدخر الحصول على عائد أعلى من خلال شراء السند مباشرة من الحكومة بدلًا من المرور عبر البنك التجاري كوسيط.
ويختتم الدكتور أنيس، حديثه في هذا الشأن، مُشددًا على أن مخاطر التوسع في الصكوك الضريبية أكبر من مخاطر طرح سندات المواطن؛ لأن التوسع في الأخيرة يمثل استدانة بالعملة المحلية، بينما الصكوك الضريبية تعني عمليًا خصمًا من الإيرادات الضريبية المستقبلية، ولذلك يرى ضرورة استخدامها بحذر، وبناءً على دراسة كل حالة والغرض الذي ستوجه إليه حصيلتها.

أداة هجينة
«الصكوك الضريبية تعتبر أداة تمويل جديدة وهجينة تعتمد على توريق الإيرادات الضريبية المستقبلية»، حسبما يوضح الخبير المصرفي وأستاذ الاستثمار والتمويل الدكتور عز الدين حسنين.
ويُبيِّن، أن فكرتها تقوم على تحصيل وزارة المالية الضرائب مقدمًا بدلًا من انتظار التحصيل خلال العام، مقابل منح الممول عائدًا محددًا، وتسوية قيمة الصك والعائد مع الضرائب المُستحقة عليه عند استحقاقها.
تقوم الصكوك الضريبية على المقاصة بين الصك والالتزام الضريبي للممول، فمثلًا في حال اكتتب الممول صك قيمته 100 جنيه وحصل على عائد 15 جنيهًا، فإن إجمالي الصك يصبح 115 جنيه، وإذا كانت الضريبة المستحقة 100 جنيه، يحصل الممول على الفرق، أما إذا بلغت الضريبة 120 جنيه، يُسدد الممول المبلغ المتبقي، حسبما يشرح الدكتور عزالدين حسنين، في تصريحات مُلتفزة.
ضمان من المالية
ويقول، إن حصول الحكومة على السيولة مُقدمًا عبر هذه الآلية، سيساعد في مواجهة فجوات التمويل أو تمويل نفقات الموازنة العامة، كما أن الصكوك يمكن أن تخفف الضغط على أدوات التمويل التقليدية، مثل أذون وسندات الخزانة، من خلال جذب أموال الممولين والبنوك والشركات والصناديق الاستثمارية، بالإضافة إلى أنها ستسهم في خفض تكلفة خدمة الدين إذا كان العائد عليها أقل من تكلفة أذون الخزانة.
وشدد أستاذ الاستثمار والتمويل، على ضرورة تحديد عائد الصكوك بالتنسيق بين وزارة المالية ومصلحة الضرائب بالتعاون مع البنك المركزي، في ظل تأثير الصكوك المحتمل على سيولة وودائع البنوك، خصوصًا إذا اتجهت الشركات إلى سحب جزء من ودائعها للاكتتاب فيها.
ويختتم «حسنين»، حديثه في هذا الشأن، مُقترحًا إتاحة استخدام الصكوك كضمان للحصول على تمويل مصرفي، ليساعد الممول على توفير السيولة اللازمة لنشاطه، مؤكدًا أن ضمان الصكوك من وزارة المالية ووضع ضوابط واضحة لإصدارها يمثلان عاملين أساسيين لنجاح التجربة، فضلًا عن تدشين صندوق أو شركة ذات غرض خاص «SPV» تُصدر الصكوك وتتدير حقوق الممولين، وتعمل كحلقة وصل بين وزارة المالية ومصلحة الضرائب والمكتتبين.