< الدفع مقابل الظهور.. البيزنس الخفى لـ«بيع الهواء» على شاشات الفضائيات
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

الدفع مقابل الظهور.. البيزنس الخفى لـ«بيع الهواء» على شاشات الفضائيات

صورة -أرشيفية
صورة -أرشيفية

لم تعد شاشة التليفزيون بالنسبة لبعض القنوات مجرد مساحة لبث البرامج والمحتوى الإعلامي، وإنما تحولت في حالات معينة إلى مساحة يمكن تأجيرها لمن يدفع، في نموذج تجاري عُرف خلال السنوات الماضية باسم «بيع الهواء».

وبينما تنظر بعض القنوات إلى تأجير ساعات البث باعتباره وسيلة لتعويض تكاليف التشغيل والإنتاج، يثير هذا النموذج أسئلة عديدة حول طبيعة المحتوى الذي يصل إلى المشاهد، ومن يحدد الضيوف والموضوعات، وما إذا كان ما يقدم على الشاشة يخضع فعلًا للمعايير المهنية أم أن المقابل المالي أصبح العامل الحاسم.

وتأتي تحركات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام مؤخرًا لتضع هذه الظاهرة تحت المجهر من جديد، بعدما قرر مراجعة عقود الإنتاج المشترك السارية في القنوات الخاصة وإيقاف البرامج المخالفة فورًا، عقب ورود شكاوى بشأن «بيع الهواء». 

وأكد المجلس أن الإجراءات تستهدف التأكد من توافق هذه العقود مع القانون واللوائح المنظمة للعمل الإعلامي، وتعزيز الشفافية والالتزام المهني وحماية ثقة الجمهور.

وراء مصطلح «بيع الهواء» سوق لها أسعارها وآلياتها، وإن كانت هذه الأسعار تختلف من قناة إلى أخرى، وفقًا لشهرة القناة وموعد البث وطبيعة البرنامج ومدى انتشاره.

وبحسب تقرير سابق، أوضح أن إيجار ساعة بث كاملة في إحدى القنوات التي تشتهر بهذا النموذج بلغ نحو 7 آلاف جنيه في الساعة العاشرة صباحًا، ليرتفع السعر تدريجيًا حتى يصل إلى 10 آلاف جنيه بداية من الثالثة عصرًا وحتى منتصف الليل. 

كما أن التعاقد قد يتم لمدة ثلاثة أشهر، مع سداد المقابل على أقساط شهرية، إلى جانب إتاحة نشر الحلقة أو الفقرة عبر «يوتيوب» ومنصات التواصل الاجتماعي.

لكن السعر لا يتوقف عند هذا الحد، فالقنوات الأكثر شهرة التي لا تعتمد بصورة كاملة على تأجير الهواء قد تفرض أسعارًا أعلى. 

ووفق التقرير نفسه، وصل سعر أربع حلقات شهرية في إحدى الحالات إلى نحو 90 ألف جنيه، بينما يمكن أن ترتفع قيمة الفقرة كلما اقترب موعدها من أوقات المشاهدة الأعلى أو كانت القناة أكثر انتشارًا.

كما أشارت بيانات منشورة في تقرير آخر إلى تفاوت أسعار الفقرات بين القنوات، وفقًا لطبيعة البرنامج وموعده ومدته.

وهنا تظهر أولى حلقات «البيزنس»: شخص أو جهة تستأجر مساحة من القناة، ثم تبدأ في البحث عن مصادر لاسترداد قيمة الإيجار وتحقيق هامش ربح، لتتحول الساعة التلفزيونية من مجرد تكلفة إلى منتج قابل لإعادة البيع.

القصة لا تنتهي عند تأجير الساعة للقائم على البرنامج، وإنما تمتد إلى الضيوف أنفسهم، فيمكن أن يدفع الضيف مقابل الظهور في فقرة تلفزيونية، خصوصًا عندما يكون الهدف الترويج لخدمة أو نشاط تجاري أو بناء حضور إعلامي. 

ووصل المقابل في إحدى الحالات التي رصدها التقرير إلى ما بين 15 و25 ألف جنيه للظهور في فقرة مدتها نحو 20 دقيقة على قناة شهيرة.

وبالتالي يصبح النموذج قائمًا على أكثر من طرف: قناة تبيع أو تؤجر وقت البث، ومستأجر للوقت ينتج برنامجًا أو فقرة، ووكالة قد تتولى التسويق والوساطة، ثم ضيوف يدفعون مقابل الظهور أو الترويج لأنفسهم.

وتكشف هذه المعادلة كيف يمكن أن تتحول الشاشة إلى «سوق»؛ فالضيف لا يشتري بالضرورة محتوى إعلاميًا، وإنما يشتري فرصة للظهور أمام الجمهور، وقد يحصل في المقابل على تسجيل الحلقة أو الفقرة لاستخدامها لاحقًا على صفحات التواصل الاجتماعي الخاصة به.

وتبرز بعض الفئات باعتبارها من أكثر المستفيدين من هذا النموذج، وفي مقدمتها الأطباء والمحامون وأصحاب الشركات والخدمات، ممن يمثل الظهور التلفزيوني بالنسبة لهم وسيلة للتعريف بأنفسهم والوصول إلى عملاء جدد.

وتشير التقارير إلى انتشار وكالات تقدم خدمات الظهور الإعلامي، وتعمل كحلقة وصل بين مستأجري ساعات البث والأشخاص الراغبين في الظهور، سواء لأغراض دعائية أو رغبة في الشهرة. 

كما تشمل السوق أشخاصًا يرغبون في تقديم برامج أو دخول المجال الإعلامي، إلى جانب فنانين ومطربين وأصحاب أنشطة مختلفة.

وتكمن المشكلة عندما يصبح المقابل المالي هو معيار اختيار الضيف أو الموضوع، بدلًا من أهمية الموضوع أو خبرة الضيف وقدرته على تقديم معلومة موثوقة. فالمشاهد قد يرى طبيبًا يتحدث عن علاج، أو خبيرًا يقدم نصائح، دون أن يعرف أن الظهور نفسه قد يكون جزءًا من اتفاق تجاري.

برامج طبية وإعلانية.. أين ينتهي المحتوى ويبدأ الإعلان؟

تزداد حساسية الظاهرة في البرامج الطبية والتجميلية تحديدًا، لأن المشاهد يتعامل مع المعلومات المقدمة باعتبارها نصيحة أو رأيًا متخصصًا، بينما قد تكون في بعض الحالات مرتبطة بالترويج لشخص أو خدمة.

وفي هذا السياق، ربطت النائبة نشوة عقل، عضو لجنة الإعلام بمجلس النواب ووكيل كلية الإعلام بجامعة القاهرة، ظاهرة تأجير ساعات البث بتأثيرات سلبية على جودة المحتوى الإعلامي وإمكانية تضليل الجمهور، مشيرة إلى أن بعض البرامج، خصوصًا الطبية ومراكز التجميل والوصفات العلاجية، قد تستضيف شخصيات غير مؤهلة بسبب الاعتبارات المادية.

وتصبح الخطورة أكبر عندما لا يكون هناك فصل واضح بين الإعلان والمحتوى التحريري؛ إذ يفترض في الإعلان أن يكون معلومًا للمشاهد بوصفه مادة ترويجية، بينما يؤدي تقديمه في شكل حوار أو تقرير أو فقرة إعلامية إلى خلق حالة من الالتباس لدى الجمهور.

وترى النائبة نشوة عقل أن تأجير ساعات البث لا يمثل مجرد نموذج تجاري لتعويض تكاليف الإنتاج، وإنما قد ينعكس بصورة مباشرة على المهنية الإعلامية عندما يحصل المستأجر على مساحة يستطيع من خلالها فرض توجهاته وأذواقه الخاصة.

وأضافت أن المشكلة تظهر بصورة أكبر عندما يتحول المحتوى إلى مادة دعائية أو يتضمن معلومات غير دقيقة، خصوصًا في المجالات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، مثل الطب والتجميل والوصفات العلاجية.

ومن هذه الزاوية، فإن جوهر الأزمة ليس في وجود مقابل مالي أو رعاية تجارية في حد ذاته، وإنما في من يمتلك القرار التحريري؛ فإذا كانت القناة تحتفظ برقابتها المهنية على كل ما يعرض على شاشتها، يصبح من الممكن التمييز بين الإعلان والمحتوى، أما إذا أصبح المال هو صاحب القرار في اختيار الضيوف والموضوعات، فإن وظيفة الإعلام تتراجع لصالح التجارة.

أزمة اقتصاديات صناعة الإعلام

ومن زاوية أخرى، قال الخبير الإعلامي ياسر عبدالعزيز، إن ظاهرة بيع ساعات البث ترتبط في الأساس بأزمة اقتصاديات صناعة الإعلام، معتبرًا أن القنوات ذات المكانة لا تقبل عادة التخلي عن سيطرتها على الخط التحريري لما يعرض على شاشتها.

وربط «عبدالعزيز» انتشار الظاهرة بالوضع الاقتصادي لصناعة الإعلام وظهور ما وصفه بـ«فضائيات بير السلم»، محذرًا من أن هيمنة النزعة التجارية قد تؤدي إلى عدم ضبط المحتوى، والترويج لسلع أو خدمات مغشوشة، وإتاحة الفرصة أمام عناصر غير مؤهلة للعمل الإعلامي.

لماذا تدخل «الأعلى للإعلام» الآن؟

تحرك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام جاء في وقت تزايدت فيه الشكاوى المتعلقة بما يسمى «بيع الهواء»، ففي 3 أغسطس 2026 أعلن المجلس مراجعة جميع عقود الإنتاج المشترك السارية التي تكون إحدى القنوات الخاصة طرفًا فيها، مع إيقاف البرامج المخالفة فورًا، مؤكدًا أن المراجعة تستهدف التأكد من توافق العقود مع القانون والضوابط التنظيمية.

واللافت أن ظاهرة تأجير ساعات البث ليست جديدة؛ إذ سبق للمجلس في 2018 أن وضع إطارًا يلزم المؤسسات الإعلامية التي ترغب في تأجير أو منح أو التنازل عن جزء من وقت البث للغير بالحصول على موافقة المجلس قبل إبرام الاتفاق، وبالتالي فإن التحرك الحالي يبدو أقرب إلى محاولة لإعادة فرض الرقابة على نموذج تجاري استمر لسنوات، وليس مجرد قرار مفاجئ ضد نشاط ظهر حديثًا.