< العراق: حصر السلاح.. هل يشمل الجميع وما مصير الحشد الشعبي؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

العراق: حصر السلاح.. هل يشمل الجميع وما مصير الحشد الشعبي؟

العراق: حصر السلاح..
العراق: حصر السلاح.. هل يشمل الجميع وما مصير الحشد الشعبي؟

في وقت تكثف فيه الحكومة العراقية جهودها لترسيخ مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، جددت بغداد التأكيد على أن هذا المبدأ يشمل جميع الجهات التي تعمل خارج إطار المؤسسات الأمنية الرسمية، مع التشديد في الوقت نفسه على أن هيئة الحشد الشعبي تُعد جزءًا من المنظومة الأمنية والعسكرية العراقية، وفق الإطار القانوني الذي ينظم عملها.

وقال رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن، اليوم السبت، إن الجهات المشمولة بقرار حصر السلاح هي تلك التي تقع خارج إطار المؤسسات الأمنية للدولة، موضحًا أن الحشد الشعبي جزء من القوات المسلحة العراقية، وأن منتسبيه يخضعون، بموجب قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016، للقوانين والأنظمة العسكرية النافذة، وفق ما نقلت وكالة الأنباء العراقية «واع».

وأكد معن أن الهدف الأساسي من حصر السلاح يتمثل في منع وجود «قيادة موازية أو قيادة أخرى تستخدم السلاح خارج إطار الدولة»، بما يضمن توحيد القرارين الأمني والعسكري ووضع استخدام القوة تحت سلطة المؤسسات الرسمية.

ويُعد ملف حصر السلاح بيد الدولة واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في العراق منذ عام 2003، إذ ارتبط على مدار السنوات الماضية بطبيعة العلاقة بين الدولة والقوى السياسية والفصائل المسلحة، ولا سيما بعد تصاعد نفوذ الجماعات المسلحة خلال الحرب ضد تنظيم داعش عقب عام 2014.

ومع تأسيس هيئة الحشد الشعبي وتنظيم وضعها القانوني عام 2016 باعتبارها جزءًا من القوات المسلحة وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، أصبح التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بالاعتراف القانوني بالحشد، وإنما بمدى الالتزام الفعلي بسلسلة القيادة العسكرية للدولة، واحتكار المؤسسات الرسمية لقرار استخدام القوة والسلاح.

ومن هنا، فإن حصر السلاح لا يعني بالضرورة استهداف الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية، وإنما يستهدف، وفق الخطاب الحكومي، أي نشاط مسلح أو قرار عسكري يقع خارج مؤسسات الدولة وسلسلة القيادة الرسمية، وهذه نقطة مهمة، لأن نجاح المشروع يتطلب التمييز بين القوات التي تعمل بموجب القانون وبين الفصائل أو التشكيلات التي قد تحتفظ بقرار مستقل عن الدولة.

وفي السياق نفسه، أكد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، خلال لقائه رئيس المجلس الأعلى الإسلامي والقيادي في الإطار التنسيقي همام حمودي، أهمية المضي في حصر السلاح بيد الدولة وفق رؤية «واقعية» تحافظ على الاستقرار وتمهد لمرحلة جديدة.

وتأتي هذه التحركات في ظل حديث متزايد عن استعداد بعض الفصائل المسلحة للانتقال من العمل العسكري إلى العمل السياسي والمدني. 

وكانت سرايا السلام بزعامة مقتدى الصدر، وعصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وكتائب الإمام علي بزعامة شبل الزيدي، قد أعلنت في وقت سابق من العام الجاري مواقف بشأن تسليم السلاح والانخراط في العمل المدني، فيما تواصل الحكومة حواراتها مع فصائل أخرى بشأن مستقبل سلاحها ودورها.

غير أن تنفيذ هذا التوجه يظل أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار قرار سياسي، لأن ملف السلاح في العراق يرتبط بتوازنات داخلية وإقليمية، وبالنفوذ السياسي الذي تمتلكه بعض القوى المسلحة، فضلًا عن اعتبارات أمنية تتعلق بالتهديدات الخارجية والحدود العراقية.

وتحتاج الحكومة العراقية، لذلك، إلى بناء توافق سياسي واسع يضمن أن تكون عملية حصر السلاح تدريجية ومنظمة، وأن تترافق مع ضمانات أمنية وقانونية للفصائل والأفراد الذين ينتقلون إلى العمل السياسي والمدني، مع التأكيد على أن الانضمام إلى مؤسسات الدولة يعني الالتزام الكامل بقواعدها وسلسلة قيادتها.

كما أن نجاح بغداد في هذا الملف سيعزز هيبة الدولة ويمنحها قدرة أكبر على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الخارجية والأمنية، ويقلل احتمالات استخدام الأراضي العراقية كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو تنفيذ عمليات عسكرية لا تخضع لقرار الحكومة.

وفي المقابل، فإن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة ومن دون توافق سياسي وأمني قد تؤدي إلى نتائج عكسية، وتفتح الباب أمام صدامات داخلية تهدد الاستقرار الذي تسعى الحكومة إلى ترسيخه.

وبالتالي، فإن المعركة الحقيقية في العراق ليست فقط حول «من يملك السلاح»، وإنما حول «من يملك قرار استخدامه»، فالدولة القوية ليست التي تحتكر الأسلحة فحسب، بل التي تحتكر القرار السياسي والعسكري والأمني، وتضمن ألا توجد داخل حدودها مراكز قوة مسلحة تمتلك قرارًا مستقلًا عن مؤسساتها الدستورية.

ومن هذه الزاوية، يمثل حصر السلاح بيد الدولة اختبارًا حقيقيًا لقدرة العراق على الانتقال من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى مرحلة الدولة والمؤسسات، وهو مسار قد يكون طويلًا وحساسًا، لكنه يظل أحد أهم شروط بناء دولة عراقية مستقرة وقادرة على حماية سيادتها واتخاذ قراراتها بعيدًا عن الضغوط الداخلية والخارجية.