< على الهواري يكتب: إيران.. تغيير النظام أم إسقاط المشروع؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

على الهواري يكتب: إيران.. تغيير النظام أم إسقاط المشروع؟

على الهواري يكتب:
على الهواري يكتب: إيران.. تغيير النظام أم إسقاط المشروع؟

تروج بعض وسائل الإعلام العربية لفكرة إسقاط النظام الإيراني، انطلاقًا من أن سقوطه قد يصب في مصلحة دول الخليج والمنطقة والعالم، وربما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار، باعتبار أن النظام الحالي يتحمل مسؤولية جانب كبير من التوترات والصراعات الإقليمية، غير أن هذه الرؤية تطرح سؤالًا أكثر عمقًا: هل سيؤدي سقوط النظام الإيراني أو تغييره بالفعل إلى تحول جوهري في السياسة الخارجية لطهران؟ وهل سيكون هذا التحول بالضرورة في مصلحة المنطقة والعالم؟

للإجابة عن هذا السؤال، من الضروري التمييز بين طبيعة النظام السياسي والأيديولوجية الحاكمة من جهة، وبين المصالح الاستراتيجية للدولة الإيرانية من جهة أخرى، فالتاريخ الإيراني الحديث يشير إلى وجود مجموعة من المصالح والثوابت التي تتجاوز شكل النظام السياسي، وقد تجعل بعض توجهات السياسة الخارجية أكثر استمرارية مما قد يبدو للوهلة الأولى.

ففي عهد الشاه محمد رضا بهلوي، كانت إيران دولة علمانية ذات توجه قومي، ولم تكن الأيديولوجيا الدينية هي المحرك الأساسي لسياستها الخارجية، ومع ذلك، كانت طهران تسعى إلى بناء دولة قوية وحديثة، وتعزيز قدراتها العسكرية، وترسيخ مكانتها باعتبارها القوة الأبرز في منطقة الخليج.

ويمكن تلخيص أبرز مرتكزات السياسة الخارجية في عهد الشاه في ثلاثة محاور رئيسية: الحفاظ على إيران باعتبارها قوة إقليمية كبرى، وإقامة تحالف استراتيجي وثيق مع الولايات المتحدة والغرب، وتعزيز النفوذ الإيراني في الخليج والشرق الأوسط، وقد اتخذت هذه السياسة طابعًا قوميًّا واستراتيجيًّا، أكثر من كونها ذات دوافع دينية أو أيديولوجية.

أما بعد الثورة الإسلامية عام 1979، فقد شهدت السياسة الإيرانية تحولًا كبيرًا في خطابها وأيديولوجيتها وأدواتها. 

انتقلت إيران من نموذج القومية الملكية والتحالف الوثيق مع الغرب إلى نموذج الجمهورية الإسلامية ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وتوسيع النفوذ الإقليمي من خلال الحلفاء والشركاء والوكلاء، وأصبحت الأيديولوجيا الدينية والثورية عنصرًا رئيسيًا في صياغة السياسة الخارجية الإيرانية.

ومع ذلك، فإن هذا التحول الأيديولوجي لم يُلغِ بعض المصالح الاستراتيجية الأعمق للدولة الإيرانية، فمنذ عهد الشاه وحتى مرحلة الجمهورية الإسلامية، ظلت هناك رغبة واضحة في الحفاظ على مكانة إيران كقوة إقليمية مؤثرة، وتعزيز قدرتها على التأثير في محيطها الجغرافي، وعدم السماح للقوى المنافسة بفرض ترتيبات إقليمية تتجاهل مصالحها.

ومن هنا يمكن القول إن الاختلاف بين النظامين كان كبيرًا في الأيديولوجيا والخطاب والتحالفات والأدوات، لكنه لم يكن بالضرورة اختلافًا كاملًا في التصور الإيراني لمكانة الدولة ودورها الإقليمي، فالشاه استخدم القومية والحداثة والقوة العسكرية والتحالف مع الولايات المتحدة والغرب لتعزيز موقع إيران، بينما استخدمت الجمهورية الإسلامية الأيديولوجيا الدينية وشعارات الثورة ودعم القوى والحركات الحليفة في المنطقة كأدوات لتعزيز النفوذ الإيراني.

وبعبارة أخرى، فإن تغيير النظام لا يعني بالضرورة تغيير الدولة، كما أن تغيير الأيديولوجيا لا يعني بالضرورة التخلي عن المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، فقد تتغير القيادة، وشكل الحكم، وطبيعة التحالفات، والخطاب السياسي، بل وحتى بعض أدوات ممارسة النفوذ، لكن من الصعب افتراض أن إيران ستتخلى تلقائيًا عن طموحها في أن تكون قوة إقليمية رئيسية.

وإذا حدث تغيير سياسي كبير في إيران، فقد يكون التحول الأكثر احتمالًا في طريقة إدارة النفوذ الإقليمي وليس في مبدأ السعي إلى النفوذ ذاته، فقد تصبح طهران أقل اعتمادًا على الأدوات الأيديولوجية والعسكرية، وأكثر ميلًا إلى الدبلوماسية والتجارة وبناء العلاقات مع دول الجوار، أو قد تعيد صياغة تحالفاتها مع القوى الكبرى، لكن ذلك سيظل مرتبطًا بطبيعة النظام الجديد، ومدى استقراره، والظروف الداخلية، والبيئة الإقليمية والدولية المحيطة به.

لذلك، فإن النظر إلى إسقاط النظام الإيراني باعتباره وصفة تلقائية لإنهاء التوترات في المنطقة قد يكون تبسيطًا شديدًا لمشهد بالغ التعقيد، فإيران دولة كبيرة ذات موقع جغرافي بالغ الأهمية، وموارد وقدرات بشرية وعسكرية واقتصادية، وتاريخ طويل من التفاعل والصراع والتنافس مع القوى الإقليمية والدولية، وأي فراغ سياسي أو أمني ينتج عن انهيار النظام قد لا يقود بالضرورة إلى إيران أكثر اعتدالًا واستقرارًا، بل قد يفتح، في بعض السيناريوهات، الباب أمام صراعات داخلية أو تنافس على السلطة أو تدخلات خارجية، بما قد تكون له تداعيات خطيرة على أمن الخليج والشرق الأوسط.

ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس فقط: هل يسقط النظام الإيراني؟ وإنما: ماذا سيأتي بعده؟ وما طبيعة النظام الذي سيخلفه؟ وكيف سيتعامل مع قضايا الأمن الإقليمي، ودول الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، والعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؟

فالرهان على سقوط نظام سياسي باعتباره نهاية لمشكلة إقليمية قد يكون خاطئًا إذا لم يُنظر إلى جذور المصالح الاستراتيجية للدولة الإيرانية وطبيعة البيئة الإقليمية المحيطة بها.

وقد يكون التغيير في إيران فرصة لإعادة صياغة علاقاتها الإقليمية على أسس أكثر استقرارًا وتعاونًا، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار إذا ترافق مع فراغ سياسي أو صراع داخلي أو تدخلات خارجية.

وعليه، فإن سقوط النظام الإيراني، إذا حدث، لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره نهاية تلقائية للنفوذ الإيراني، وإنما باعتباره بداية لمرحلة جديدة قد تتغير فيها أدوات إيران وتحالفاتها وخطابها، بينما قد تستمر بعض مصالحها الاستراتيجية الأساسية. 

ومن هنا، فإن مصلحة المنطقة والعالم لا تتحدد بمجرد تغيير النظام، وإنما بطبيعة التغيير نفسه، وبقدرة إيران الجديدة على بناء علاقات أكثر توازنًا مع جيرانها، وبقدرة دول المنطقة على إدارة التحول دون الانزلاق إلى فراغ أمني أو صراع جديد.

لماذا تسعى أمريكا وإسرائيل لاسقاط النظام الإيراني؟

إذا افترضنا أن المقصود بإسقاط النظام الإيراني هو الإطاحة بالنظام الحالي وقيام نظام جديد أقل عداءً للولايات المتحدة وإسرائيل وأكثر انفتاحًا على الغرب، فإن المكاسب المحتملة ستكون متعددة بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب، لكنها في الوقت نفسه لن تكون مضمونة، لأن طبيعة المرحلة التي ستعقب سقوط النظام ستظل رهينة بشكل النظام الجديد واتجاهاته السياسية والاستراتيجية.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمكن تلخيص أبرز المكاسب المحتملة في تقليص النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وإضعاف التهديدات التي تواجه حلفاء واشنطن، والحد من البرنامج النووي الإيراني، وتعزيز أمن الملاحة وطرق إمدادات الطاقة، وإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بصورة أكثر توافقًا مع المصالح الأميركية، بما في ذلك تعزيز موقع إسرائيل، فضلًا عن فتح السوق الإيرانية أمام الشركات والاستثمارات الغربية بعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة الاقتصادية.

أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن المكاسب المحتملة قد تكون أكثر ارتباطًا بأمنها المباشر؛ إذ يمكن أن يؤدي سقوط النظام الحالي إلى تراجع أحد أهم التهديدات الاستراتيجية التي تواجهها، وإضعاف أو تفكيك شبكة القوى والحلفاء المسلحين المرتبطين بإيران في المنطقة، وتقليص المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، فضلًا عن إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بصورة تمنح إسرائيل مساحة أكبر للحركة، وربما تهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة لتوسيع علاقاتها وتطبيعها مع عدد أكبر من الدول العربية.

لكن، في المقابل، هناك مفارقة مهمة تجعل إسقاط النظام الإيراني ليس بالضرورة مكسبًا مضمونًا للولايات المتحدة أو إسرائيل. فإيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن تغييره بسهولة، وإنما دولة كبيرة ذات مؤسسات راسخة، وقوات مسلحة وأجهزة أمنية وقدرات صاروخية، فضلًا عن تاريخ طويل من الدولة المركزية والشعور القومي والمصالح الاستراتيجية الممتدة.

وفي حال حدوث انهيار مفاجئ للنظام، فقد تدخل إيران في مرحلة شديدة التعقيد، تتراوح سيناريوهاتها بين انتقال منظم للسلطة، أو صراع داخلي على الحكم، أو ضعف مؤسسات الدولة، أو تصاعد النزعات القومية، أو تدخلات إقليمية ودولية. وفي بعض السيناريوهات، قد يؤدي الفراغ السياسي إلى حالة من عدم الاستقرار تكون تداعياتها أكبر من تلك التي كان النظام القائم يمثلها.

والأهم من ذلك أن إيران التي ستأتي بعد الجمهورية الإسلامية ليست بالضرورة إيران موالية للولايات المتحدة أو إسرائيل. فقد يسقط النظام الديني، لكن يحل محله نظام قومي إيراني أكثر علمانية، لكنه يتمسك بفكرة إيران باعتبارها قوة إقليمية كبرى، ويرفض في الوقت نفسه الهيمنة الأميركية أو النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. وفي هذه الحالة، قد تتغير الأيديولوجيا والشعارات والتحالفات، بينما تستمر بعض المصالح الاستراتيجية الأساسية للدولة الإيرانية.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: قد يكون إضعاف النظام الإيراني مكسبًا استراتيجيًا للولايات المتحدة وإسرائيل، لكن إسقاطه بالكامل قد ينطوي على مخاطر غير محسوبة. فالتغيير السياسي لا يعني بالضرورة تغيير الدولة، وسقوط القيادة لا يعني بالضرورة سقوط الطموحات الوطنية والاستراتيجية التي تشكلت عبر عقود، وربما قرون، من التاريخ الإيراني.

وبالتالي، قد تستفيد الولايات المتحدة وإسرائيل من سقوط النظام إذا أدى ذلك إلى تقليص النفوذ الإيراني، والحد من قدراته النووية والصاروخية، وإضعاف شبكة حلفائه في المنطقة، وفتح الطريق أمام نظام أكثر تعاونًا مع الغرب. لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة بطبيعة النظام الذي سيأتي بعده وقدرته على الحفاظ على استقرار الدولة.

فالمشكلة الأساسية أن إسقاط النظام لا يعني بالضرورة أن إيران ستتخلى عن طموحها في أن تكون قوة إقليمية كبرى؛ فقد تنتقل من "إيران الإسلامية الثورية" إلى "إيران القومية" التي تسعى إلى تحقيق الأهداف نفسها أو بعضها، ولكن بأيديولوجيا وأدوات مختلفة. ومن ثم، فإن السؤال الحقيقي بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب ليس فقط: كيف يمكن إسقاط النظام الإيراني؟ وإنما: ماذا ستكون طبيعة إيران التي ستولد بعد سقوطه؟ وهل ستكون أكثر تعاونًا واستقرارًا، أم ستظهر إيران جديدة أكثر قومية واستقلالًا، وربما أكثر تمسكًا بمصالحها الإقليمية؟