< عادل توماس يكتب: حين يغيب النائب.. من يسمع صوت المواطن؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

عادل توماس يكتب: حين يغيب النائب.. من يسمع صوت المواطن؟

عادل توماس
عادل توماس

في دولة بحجم مصر، لا يمكن أن يكون دور عضو مجلس النواب أو مجلس الشيوخ مجرد حضور جلسات أو الإدلاء بتصريحات موسمية، فالنائب في الأساس مسؤول أمام المواطن، وحلقة وصل حقيقية بين الشارع ومؤسسات الدولة، وصوتٌ يفترض أن ينقل المشكلات بصدق، ويطرح الحلول، ويمارس دوره التشريعي والرقابي بما يخدم الصالح العام.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا يحدث عندما يشعر المواطن أن صوته لا يصل؟ وماذا تكون النتيجة عندما تتسع المسافة بين النائب وأبناء دائرته، بينما تتراكم المشكلات اليومية دون حلول واضحة؟

المواطن المصري لم يعد يبحث عن شعارات براقة، ولا عن وعود انتخابية تُنسى بعد انتهاء الانتخابات، المواطن يريد نائبًا حاضرًا، يستمع إليه، ويتابع شكواه، ويستخدم الأدوات الدستورية والقانونية المتاحة أمامه من أجل معالجة القضايا التي تمس حياته اليومية.

إن قوة الدولة لا تتعارض مطلقًا مع وجود رقابة برلمانية جادة، بل على العكس، فالرقابة الحقيقية تساعد مؤسسات الدولة على اكتشاف أوجه القصور ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات أكبر، والتشريع الجيد لا يصدر من فراغ، وإنما ينطلق من احتياجات المجتمع ومشكلاته الحقيقية.

ومن هنا، فإن الحديث عن أداء أعضاء مجلسي النواب والشيوخ ليس استهدافًا لأحد، ولا تشكيكًا في مؤسسات الدولة، وإنما هو دعوة إلى إعادة الاعتبار لفكرة التمثيل النيابي نفسها.

النائب الذي يقترب من المواطن يسمع الحقيقة من مصدرها، والنائب الذي يبتعد عن الشارع قد يسمع فقط ما يريد البعض أن يسمعه.

وفي المقابل، فإن المواطن أيضًا مطالب بأن يفرق بين النقد المسؤول وبين التجاوز، وأن يدرك أن النائب لا يملك عصا سحرية لحل كل مشكلة، لكنه يملك أدوات دستورية وقانونية يستطيع من خلالها أن يسأل ويطالب ويتابع ويكشف أوجه القصور، وأن يضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يفقد المواطن ثقته في جدوى صوته، أو يشعر أن الانتخابات تنتهي بانتهاء صناديق الاقتراع، وأن التواصل مع النائب يصبح استثناءً لا قاعدة.

مصر اليوم تحتاج إلى برلمان قوي بأعضائه، قوي بأدواته، قوي في قدرته على التشريع والرقابة، وفي الوقت نفسه مسؤول في خطابه وممارساته، لأن الهدف النهائي يجب أن يظل واحدًا: حماية مصالح الوطن والمواطن.

ولذلك، فإن مراجعة أداء المجالس النيابية وتقييم مدى قيام أعضائها بأدوارهم ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة تفرضها المسؤولية الوطنية.

نحن لا نحتاج إلى نائب يكتفي بأن يكون حاضرًا في المشهد، وإنما نحتاج إلى نائب يشعر بنبض الشارع، ويعرف مشكلات دائرته، ويملك الشجاعة لطرحها، والحكمة في مناقشتها، والإصرار على متابعتها حتى تصل إلى حلول حقيقية.

فالنائب ليس مجرد اسم على بطاقة انتخابية، وليس مقعدًا تحت قبة البرلمان، وإنما أمانة ومسؤولية وثقة منحها المواطن لمن اختاره.

ومن حق المواطن أن يسأل: ماذا قدم من اخترناه؟ وماذا تابع؟ وماذا اقترح؟ وماذا تحقق لأبناء الدائرة؟

وفي النهاية، فإن الحفاظ على اللحمة الوطنية وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة مسؤولية مشتركة، تبدأ من الصراحة، وتمر بالرقابة الجادة، وتنتهي بتحقيق نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

وهذه ليست خصومة مع أحد، وإنما رسالة مواطن يريد أن يرى مؤسسات بلاده أكثر قوة، وبرلمانًا أكثر فاعلية، ونوابًا أكثر قربًا من الناس.

فحين يسمع النائب المواطن، يصبح البرلمان أقرب إلى الشارع، وحين يشعر المواطن أن صوته مسموع، تزداد ثقته في مؤسسات دولته، وحين تتكامل الدولة مع رقابة البرلمان ووعي المواطن، يصبح الطريق إلى الإصلاح أكثر وضوحًا.