< من رسالة على «ماسنجر» إلى جثمان أسفل الأوسطي.. القصة الكاملة لمقتل عامل خردة في حلوان
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

من رسالة على «ماسنجر» إلى جثمان أسفل الأوسطي.. القصة الكاملة لمقتل عامل خردة في حلوان

مقتل عامل خردة في
مقتل عامل خردة في حلوان

بدأت الواقعة من محادثة إلكترونية عادية ظاهريًا عبر تطبيق «ماسنجر»، لكنها تحولت لاحقًا إلى أحد الخيوط الرئيسية في كشف ملابسات جريمة انتهت بالعثور على جثمان عامل في مجال الخردة ملقى أسفل الطريق الأوسطي بدائرة قسم شرطة حلوان، لتبدأ بعدها رحلة أمنية وقضائية لكشف هوية الضحية وتحديد الأشخاص الذين التقى بهم قبل وفاته والوقوف على ملابسات الساعات الأخيرة في حياته

وبحسب ما كشفت عنه التحقيقات، فإن الضحية كان يعمل في مجال الخردة ويقيم في القاهرة، وكان يشارك أحد أفراد أسرته في العمل وتدبير احتياجات المعيشة، قبل أن يخرج في يوم الواقعة لإنجاز بعض الأمور المتعلقة بعمله، دون أن يعلم أن تحركاته الأخيرة ستصبح محور تحقيق جنائي كبير

اتصال أخير ثم اختفاء مفاجئ

قبل العثور على الجثمان، أجرى الضحية اتصالًا هاتفيًا بأحد أفراد أسرته، ثم انقطع التواصل معه بصورة مفاجئة، وحاول شقيقه الاتصال به أكثر من مرة، إلا أنه لم يتلق أي إجابة، قبل أن يتحول هاتفه بعد ذلك إلى حالة من الصمت ويصبح مغلقًا

في البداية لم يكن لدى الأسرة تفسير لما حدث، ولم تكن هناك معلومات تشير إلى مكان وجوده أو الأشخاص الذين كان برفقتهم، إلا أن الأمر سرعان ما تحول إلى واقعة غياب أثارت القلق، قبل أن تتلقى الأجهزة الأمنية بلاغًا قلب مسار القضية بالكامل

جثمان مجهول أسفل الطريق الأوسطي

في منطقة أسفل الطريق الأوسطي بحلوان، عثر مواطنان على شخص ملقى بجوار الطريق، وبالاقتراب منه تبين أنه لا يستجيب، فتم إبلاغ الأجهزة المختصة التي انتقلت إلى المكان رفقة الإسعاف

وعثرت القوات على جثمان رجل يرتدي كامل ملابسه، وتبين وجود إصابة نافذة بمنطقة الصدر إلى جانب آثار إصابات أخرى، كما عثر بحوزته على مبلغ مالي

في تلك اللحظات لم تكن هوية المتوفى قد تحددت بعد، كما لم تكن تفاصيل كيفية وصوله إلى المكان معروفة، إلا أن طبيعة الإصابة الموجودة في منطقة الصدر دفعت إلى التعامل مع الواقعة باعتبارها شبهة جنائية تحتاج إلى تحقيق موسع

شاهدان يقودان إلى بداية الخيط

تضمنت التحقيقات الاستماع إلى أقوال المواطنين اللذين عثرا على الجثمان، حيث أوضحا أنهما كانا يسيران بالمنطقة عندما شاهدا شخصًا ملقى على الأرض، وعندما اقتربا منه أدركا أنه لا يستجيب، فسارعا بإبلاغ الأجهزة المعنية

وبدأ رجال وحدة مباحث قسم شرطة حلوان بقيادة المقدم محمد مجدي رئيس المباحث في التعامل مع المكان باعتباره مسرحًا محتملًا لجريمة، مع اتخاذ الإجراءات اللازمة لفحص الجثمان ومحيط العثور عليه، ومحاولة الوصول إلى هوية الضحية وتحديد آخر تحركاته

البحث الجنائي يبدأ من آخر تحركات الضحية

وضعت الأجهزة الأمنية خطة بحث بقيادة اللواء علاء بشندى مدير إدارة البحث الجنائي بمديرية أمن القاهرة اعتمدت على أكثر من محور، شملت إعادة مناقشة المبلغين، وفحص حالات الغياب، وتتبع آخر تحركات الضحية، والاستعانة بالتقنيات الحديثة في تحديد هويته، إلى جانب فحص كاميرات المراقبة الموجودة في المناطق المحيطة بمكان العثور على الجثمان وخطوط السير المحتملة، ومع استمرار عمليات الفحص، ظهر توك توك ارتبطت بتحركات الضحية قبل العثور عليه، وبدأ رجال البحث الجنائي في تتبع خط سيرها، حتى أمكن تحديد قائدها والوصول إليه

وبمناقشته، بدأت تظهر معلومات جديدة عن الأشخاص الذين كانوا برفقته، لتتوسع دائرة البحث وتبدأ الأجهزة الأمنية في تتبع باقي الخيوط المرتبطة بالواقعة

ضبط المتهمين وظهور المضبوطات

أسفرت جهود البحث عن ضبط عدد من الأشخاص الذين كشفت التحريات عن صلتهم بالواقعة، وعثرت القوات بحوزة أحدهم على سلاح أبيض عبارة عن «مطواة قرن غزال» ظهرت عليه آثار دماء، إلى جانب هاتف محمول ومبلغ مالي

كما عثرت القوات بحوزة متهم آخر على حذاء خاص بالمجني عليه، وفق ما كشفت عنه التحقيقات، وهو ما أضاف دليلًا ماديًا جديدًا إلى ملف القضية

ومع ضبط تلك المتعلقات، انتقلت الواقعة من مجرد العثور على جثمان مجهول إلى قضية جنائية متكاملة الأركان تخضع للتحقيق في شبهة القتل والسرقة والاعتداء

الهاتف المحمول يكشف تفاصيل اللقاء

كان الهاتف المحمول أحد أبرز الأحراز التي خضعت للفحص الفني، وكشفت عملية فحص محتوياته عن وجود محادثات عبر تطبيق «ماسنجر» بين مستخدم الهاتف وحساب يحمل اسمًا يعود إلى المجني عليه

وأظهرت المحادثات، وفق ما توصلت إليه التحقيقات، وجود اتفاق على التقابل في نطاق حلوان، وهو ما دفع جهات البحث إلى التركيز على تفاصيل اللقاء وتوقيته والأشخاص الذين كانوا على اتصال بالضحية

وبحسب الرواية التي توصلت إليها التحقيقات، تم استدراج المجني عليه إلى اللقاء من خلال التواصل الإلكتروني، قبل أن يتوجه إلى منطقة مترو عين حلوان

لقاء عند مترو عين حلوان

وفقًا لما ورد في التحقيقات، وصل المجني عليه إلى منطقة مترو عين حلوان بعد التواصل مع أحد المتهمين، وهناك التقى بشخصين، ثم استقل برفقتهما مركبة توك توك واتجهوا إلى مكان آخر، حيث كان متهمون آخرون في انتظارهم

وبحسب التصور الذي قدمته التحقيقات، لم يكن المجني عليه يعلم أن اللقاء الذي توجه إليه سيتحول إلى مواجهة عنيفة، وأن الهدف من استدراجه كان الاستيلاء على ما بحوزته من أموال ومتعلقات

ومع الوصول إلى المكان، بدأت المواجهة بين المجني عليه والمتهمين، بعدما حاولوا الاستيلاء على متعلقاته

مقاومة تنتهي بطعنة قاتلة

كشفت التحقيقات أن المجني عليه قاوم محاولة الاستيلاء على ممتلكاته، لتقع مشادة واشتباك بينه وبين المتهمين، قبل أن يستخدم أحدهم سلاحًا أبيض ويسدد له طعنة في منطقة الصدر، وأثبت الفحص الطبي الشرعي أن الإصابة كانت طعنية نافذة وحديثة، وأنها حدثت باستخدام جسم صلب ذي حافة حادة وطرف مدبب، وأن الوفاة نتجت عن الإصابة وما ترتب عليها من مضاعفات

وبحسب رواية التحقيقات، لم تتوقف الواقعة عند الاعتداء، إذ استولى المتهمون على مبلغ مالي كان بحوزة المجني عليه، قبل أن يتم إلقاء جثمانه بالطريق العام

السلاح وآثار الدماء

أصبح السلاح الأبيض المضبوط أحد أهم الأدلة المادية في القضية، خاصة بعد إخضاعه للفحص الفني، وكشفت نتائج الفحص، وفق ما ورد في التحقيقات، عن تطابق البصمة الوراثية المستخلصة من مسحة السلاح مع البصمة الوراثية المستخلصة من دماء المجني عليه، وهو ما اعتبرته جهات التحقيق دليلًا فنيًا يربط السلاح بالواقعة

ولم يكن هذا الدليل منفردًا، إذ جاءت المضبوطات الأخرى لتضيف حلقات جديدة إلى سلسلة الأدلة التي جرى جمعها خلال التحقيقات

الحذاء الأسود يكشف رابطًا آخر

من بين المضبوطات التي لفتت انتباه جهات التحقيق حذاء أسود اللون عثر عليه بحوزة أحد المتهمين، وبحسب التحقيقات، تعرف شقيق المجني عليه على الحذاء باعتباره خاصًا بشقيقه، كما تضمنت الأوراق أقوالًا منسوبة إلى أحد المتهمين تفيد باحتفاظه بالحذاء عقب الواقعة

وبذلك أصبح الحذاء أحد المتعلقات التي ربطت بين المجني عليه والمتهمين، إلى جانب الهاتف المحمول والسلاح الأبيض والمركبة والمبالغ المالية التي جرى ضبطها وفحصها

كاميرات المراقبة توثق تحركات ما قبل الجريمة

لم تعتمد التحقيقات على أقوال المتهمين وحدها، إذ جرى فحص مقاطع مرئية من كاميرات المراقبة الموجودة في محيط المناطق التي تحرك فيها المجني عليه، وأشارت التحقيقات إلى وجود مقطع يظهر شخصين برفقة المجني عليه أثناء استقلالهم مركبة عبارة عن توك توك، وتم عرض المقطع على المتهمين، حيث نسبت إليهما التحقيقات التعرف على الأشخاص الظاهرين فيه

وساهمت المقاطع المرئية، إلى جانب التحريات والفحوص الفنية، في بناء تصور متكامل عن تحركات المجني عليه خلال الفترة التي سبقت العثور على جثمانه

محاكاة تصويرية تكشف تسلسل الواقعة

تضمنت التحقيقات كذلك إجراء محاكاة تصويرية لكيفية وقوع الجريمة، حيث جرى الاستعانة بما أدلى به المتهمون من أقوال حول تحركاتهم والواقعة محل الاتهام.

وبحسب ما ورد في التحقيقات، جاءت المحاكاة متوافقة مع الرواية التي نسبت إلى المتهمين خلال مراحل التحقيق، وأضيفت إلى باقي الأدلة التي جرى جمعها في القضية.

كما خضعت الهواتف والأجهزة الإلكترونية ذات الصلة بالفحص، بهدف تحديد المحادثات والرسائل والبيانات التي يمكن أن تكشف طبيعة العلاقة بين المتهمين والمجني عليه وتسلسل الأحداث قبل الواقعة.

شقيق الضحية يتلقى الخبر الصادم

في الجانب الآخر من القضية، كان شقيق المجني عليه يحاول معرفة مكانه بعد انقطاع الاتصال به، قبل أن يفاجأ بوصول رجال المباحث إلى محل إقامته وسؤاله عن شقيقه، ثم انتقل إلى مشرحة زينهم، وهناك تعرف على جثمان شقيقه.

وأكد خلال التحقيقات أن المجني عليه كان يعمل معه في مجال الخردة وأنهما كانا يقيمان في القاهرة بحثًا عن مصدر رزق، كما أوضح أنه لم يكن يعلم شيئًا عن الأشخاص الذين كان شقيقه سيلتقي بهم قبل وفاته، 
وأكد كذلك أنه لم يشاهد الواقعة ولم يكن موجودًا وقت حدوثها، وأن معرفته بتفاصيل الجريمة بدأت بعد إبلاغه بالعثور على شقيقه متوفى.

أدلة متعددة أمام جهات التحقيق

مع مرور الوقت، تجمعت أمام جهات التحقيق مجموعة من الأدلة التي شملت التحريات الأمنية، وأقوال المواطنين الذين عثروا على الجثمان، وأقوال أسرة المجني عليه، وفحص الهواتف والمحادثات الإلكترونية، ومقاطع كاميرات المراقبة، إلى جانب السلاح الأبيض والحذاء والمركبة وغيرها من المضبوطات.

كما دعمت التقارير الفنية والطبية جانبًا من الرواية الخاصة بسبب الوفاة وطبيعة الإصابة، فيما تضمنت التحقيقات أقوالًا واعترافات منسوبة إلى المتهمين بشأن مشاركتهم في الواقعة.

وبحسب ما ورد في الأوراق، تمسك المتهمون خلال مراحل التحقيق بروايات جرى فحصها ومقارنتها بباقي الأدلة الفنية والمادية الموجودة في القضية.

متهم كان حدثًا وقت الواقعة

ومن التفاصيل القانونية المهمة في القضية أن أحد المتهمين كان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره وقت وقوع الأحداث، وهو ما جعل التعامل القانوني مع موقفه يخضع كذلك للأحكام الخاصة بالأطفال في التشريع المصري.

وتبقى مسؤولية كل متهم والعقوبة المستحقة له أمرًا تفصل فيه المحكمة المختصة، وفقًا لسن المتهم وقت الواقعة والأدلة المقدمة بحقه والدفوع التي يبديها الدفاع

من رسالة على الهاتف إلى أربعة متهمين أمام الجنايات

بدأت القصة برسالة عبر تطبيق إلكتروني وموعد لقاء، ثم تحرك المجني عليه إلى منطقة مترو عين حلوان، واستقل مركبة توك توك مع أشخاص التقاهم هناك، قبل أن تنتهي الأحداث بمواجهة واعتداء وطعنة نافذة في الصدر.

بعدها ألقي الجثمان أسفل الطريق الأوسطي، وعثر عليه مواطنان لم يكن لديهما أي تصور عن تفاصيل الساعات التي سبقت لحظة العثور عليه.

لكن ما بدأ كبلاغ عن جثمان مجهول تحول تدريجيًا إلى قضية قتل، بعدما قادت التحريات إلى المركبة والأشخاص المرتبطين بالضحية، ثم كشفت الهواتف والمحادثات الإلكترونية عن تفاصيل اللقاء، بينما ساهمت كاميرات المراقبة والمضبوطات والفحوص الفنية في رسم صورة أكثر اكتمالًا للواقعة.

وانتهت التحقيقات إلى تقديم أربعة متهمين للمحاكمة أمام محكمة الجنايات المختصة، لمواجهة اتهامات تتعلق بالقتل والسرقة والخطف وحيازة سلاح أبيض، إلى جانب اتهامات مرتبطة باستخدام وسائل الاتصال والتقنيات الإلكترونية بالنسبة لأحد المتهمين.

الكلمة الأخيرة للقضاء

وتظل جميع الوقائع السابقة في إطار ما ورد بالتحقيقات وأقوال الشهود والتحريات والأدلة الفنية المنسوبة إلى جهات الاتهام، ولا تمثل حكمًا نهائيًا بثبوت الإدانة.

فالمتهمون يتمتعون بكامل حقوقهم القانونية في الدفاع عن أنفسهم ومناقشة الأدلة والاتهامات المنسوبة إليهم، بينما تظل الكلمة الأخيرة للقضاء المختص الذي يفصل في القضية بعد نظر ما يقدم إليه من أدلة ودفوع.

وهكذا انتقلت القضية من رسالة إلكترونية عبر «ماسنجر» إلى لقاء غامض، ثم إلى جثمان ملقى أسفل الطريق الأوسطي، قبل أن تكشف التحقيقات سلسلة من الأدلة بدأت بالهاتف والمركبة وانتهت بالسلاح والفحوص الفنية والمقاطع المرئية، لتصل القضية في النهاية إلى ساحات المحاكم، حيث تبقى الحقيقة القانونية النهائية رهنًا بما تقرره المحكمة.