< «عقدة أوباما».. هل تدفع ترامب إلى توجيه ضربة نووية لإيران؟
النبأ
رئيس التحرير
خالد مهران

«عقدة أوباما».. هل تدفع ترامب إلى توجيه ضربة نووية لإيران؟

«عقدة أوباما».. هل
«عقدة أوباما».. هل تدفع ترامب إلى توجيه ضربة نووية لإيران؟

تشكل «عقدة أوباما» والملف النووي الإيراني أحد المحركات الرئيسية لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه طهران، إذ لطالما جعل ترامب من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة سلفه باراك أوباما عام 2015 هدفًا رئيسيًا لانتقاداته، واعتبره «صفقة سيئة» تصب في مصلحة إيران، قبل أن يتخذ في 2018 قرارًا بالانسحاب منه، متعهدًا بالتوصل إلى اتفاق جديد أكثر صرامة وشمولًا.

ولم يتوقف هجوم ترامب على اتفاق 2015 عند حدود انتقاده السياسي، بل ظل حاضرًا في خطابه طوال السنوات الماضية، حيث وصفه مرارًا بأنه «أحد أكثر الاتفاقات فشلًا على الإطلاق»، معتبرا أن الولايات المتحدة قدمت تنازلات كبيرة من دون الحصول على ضمانات كافية بشأن البرنامج النووي الإيراني.

ومنذ إبرام الاتفاق، عبّر ترامب عن رفضه له بوضوح، وكتب في إحدى تغريداته آنذاك على منصة «إكس» أن «الولايات المتحدة خسرت في كل نقطة تقريبا.. لم نعد نفوز أبدًا»، في موقف عكس مبكرًا رؤيته بأن الاتفاق لم يحقق المصالح الأمريكية، ومهّد لاحقًا لقراره الانسحاب منه وإعادة فرض العقوبات على طهران.

وطوال السنوات التالية، كرر ترامب تأكيده أنه قادر على إبرام اتفاق مع إيران يتجاوز اتفاق أوباما، ويكون «أفضل بكثير» منه، سواء من حيث القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني أو من حيث الضمانات والرقابة وآليات التنفيذ.

وبعد إطلاق الجيش الأمريكي، بالتعاون مع إسرائيل، عملية «الغضب الملحمي» في 28 فبراير/شباط الماضي ضد إيران، عاد ترامب إلى طرح فكرة التوصل إلى صفقة جديدة مع طهران، مقدمًا العمل العسكري والضغط الأقصى باعتبارهما وسيلة لإجبار إيران على القبول بتفاهم أكثر صرامة من الاتفاق الذي أبرمته إدارة أوباما.

وبذلك، لا تبدو معركة ترامب مع الاتفاق النووي الإيراني مجرد خلاف حول تفاصيل تقنية تتعلق بالتخصيب والرقابة والعقوبات، وإنما ترتبط أيضًا برغبة واضحة في تجاوز إرث أوباما وإثبات أن ما فشل سلفه في تحقيقه عبر الاتفاقات، يستطيع ترامب تحقيقه من خلال مزيج من الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والتفاوض المباشر.

فترامب لا يريد ببساطة العودة إلى اتفاق 2015، وإنما يسعى إلى اتفاق يمكنه أن يقدمه باعتباره «صفقة ترامب»: اتفاقًا أقوى من اتفاق أوباما، وأكثر قدرة على تقييد البرنامج النووي الإيراني، ويمنحه في الوقت نفسه انتصارًا سياسيًا ما دام سعى إليه منذ دخوله البيت الأبيض.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، لا يبدو أن الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب ينظر إلى الملف النووي الإيراني باعتباره مجرد قضية تتعلق بمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، وإنما يتعامل معه أيضًا باعتباره اختبارًا شخصيًا لإرثه السياسي في مواجهة إرث سلفه باراك أوباما.

فترامب الذي جعل من الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما عام 2015 أحد أبرز أهدافه السياسية، وانسحب منه عام 2018، لا يريد على ما يبدو أن يعود إلى الاتفاق القديم، ولا أن يكرر ما يعتبره أخطاء سلفه، بل يريد اتفاقًا جديدًا يمكن أن يقدمه باعتباره اتفاقًا أقوى وأفضل وأكثر شمولًا من الاتفاق الذي وقّعته إدارة أوباما مع طهران.

وهنا تظهر ما يمكن تسميتها بـ«عقدة أوباما» في السياسة الإيرانية لترامب.

اتفاق أوباما.. إرث يريد ترامب تجاوزه

كان الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، الذي أُبرم عام 2015 بين إيران والقوى الكبرى، يقوم على تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.

لكن ترامب اعتبر الاتفاق ناقصًا، لأنه – من وجهة نظره – لم يعالج بصورة كافية مستقبل البرنامج النووي الإيراني على المدى الطويل، ولا برنامج الصواريخ الباليستية، ولا الدور الإقليمي لطهران وشبكة حلفائها في المنطقة.

ومن هنا جاء قرار الانسحاب الأمريكي من الاتفاق في مايو/أيار 2018، وإعادة فرض العقوبات على إيران ضمن سياسة «الضغط الأقصى».

غير أن الانسحاب من الاتفاق لم يؤدِ إلى النتيجة التي أرادتها واشنطن بالكامل. فإيران لم تتراجع عن برنامجها النووي، بل اتخذت لاحقًا خطوات لتوسيع أنشطتها النووية، ورفعت مستويات التخصيب، وتقلصت القيود التي كانت مفروضة عليها بموجب اتفاق 2015.

وهكذا وجد ترامب نفسه أمام مفارقة سياسية: فقد أسقط الاتفاق الذي وصفه بأنه سيئ، لكنه لم يتمكن من إنتاج الاتفاق الأفضل الذي وعد به.

ترامب يريد اتفاقًا يحمل اسمه

لهذا السبب، فإن أي اتفاق جديد مع إيران لن يكون بالنسبة إلى ترامب مجرد تسوية دبلوماسية، وإنما سيكون أيضًا معركة على الإرث السياسي.

فالرئيس الأمريكي يريد أن يقول إن ما عجز أوباما عن تحقيقه بالدبلوماسية، استطاع ترامب تحقيقه من خلال الجمع بين القوة والضغط الاقتصادي والتهديد العسكري والمفاوضات.

وبمعنى آخر، لا يريد ترامب اتفاقًا يعيد الولايات المتحدة إلى نقطة عام 2015، وإنما يريد اتفاقًا يجعل اتفاق أوباما يبدو، في المقارنة، أقل صرامة وأقل قدرة على تقييد إيران.

وهذا يفسر لماذا تبدو المطالب الأمريكية المحتملة أوسع من الملف النووي وحده، إذ يمكن أن تشمل قيودًا أكثر صرامة على تخصيب اليورانيوم، وضمانات أطول أمدًا، وآليات تفتيش ومراقبة أكثر تشددًا، فضلًا عن بحث البرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران، حسب طبيعة المفاوضات وشروطها.

من «اتفاق سيئ» إلى «صفقة تاريخية»

المفارقة أن ترامب، الذي بنى جزءًا كبيرًا من حملته السياسية على انتقاد اتفاق أوباما، يحتاج الآن إلى التوصل إلى اتفاق مع إيران إذا أراد إغلاق هذا الملف سياسيًا.

وهنا يصبح السؤال: كيف يمكن لترامب أن يبرر أمام أنصاره والرأي العام الأمريكي عقد اتفاق مع إيران بعدما وصف الاتفاق السابق بأنه من أسوأ الاتفاقات التي أبرمتها الولايات المتحدة؟

الإجابة تكمن في أن الاتفاق الجديد يجب ألا يكون «اتفاق أوباما» في نسخة معدلة، وإنما «اتفاق ترامب».

اتفاق يحقق شروطًا أمريكية أكثر صرامة، ويمنح واشنطن أدوات رقابة أقوى، ويضع قيودًا أكثر استدامة على البرنامج النووي الإيراني، ويمنع طهران من تحويل رفع العقوبات إلى مكسب مجاني من دون تقديم تنازلات كبيرة.

فترامب لا يحتاج فقط إلى اتفاق يمنع إيران من إنتاج سلاح نووي، وإنما يحتاج إلى اتفاق يستطيع أن يقف أمام الأمريكيين ويقول لهم: لقد حصلنا على ما لم يحصل عليه أوباما.

إيران بين العقوبات والضغوط

لكن المشكلة أن إيران لا تبدو مستعدة بسهولة للتوقيع على اتفاق بالشروط التي تريدها واشنطن.

فطهران تنظر إلى برنامجها النووي باعتباره جزءًا من سيادتها وأمنها القومي، كما أن التجربة السابقة تجعلها أكثر تشككًا في أي تعهد أميركي طويل الأمد، خصوصًا بعدما انسحب ترامب نفسه من اتفاق 2015.

ومن وجهة النظر الإيرانية، ما الضمان الذي يمنع رئيسًا أمريكيا آخر من الانسحاب من أي اتفاق جديد بعد سنوات؟

وهنا تتشابك المفاوضات النووية مع أزمة الثقة العميقة بين الطرفين.

فالولايات المتحدة تريد قيودًا نووية طويلة الأمد وربما تنازلات في ملفات أخرى، بينما تريد إيران رفع العقوبات والحصول على ضمانات بأن الاتفاق لن يتحول إلى مرحلة جديدة من الضغط عليها.

وبين الموقفين، تبدو المسافة واسعة، حتى وإن اتفق الطرفان على أن الحرب ليست الخيار الأفضل.

صفقة تحت ظلال القوة

ويختلف نهج ترامب عن نهج أوباما أيضًا في طريقة إدارة التفاوض.

 

فأوباما راهن بصورة أكبر على الدبلوماسية المباشرة وبناء تفاهم تدريجي مع إيران، بينما يميل ترامب إلى التفاوض من موقع الضغط، مستخدمًا العقوبات والتهديد باستخدام القوة كورقة لإجبار الخصم على تقديم تنازلات أكبر.

وهذا لا يعني بالضرورة أن ترامب يفضل الحرب على الدبلوماسية؛ بل إن فلسفته تقوم في كثير من الأحيان على استخدام التهديد بالقوة للوصول إلى اتفاق من دون الاضطرار إلى استخدامها.

ومن هنا يمكن فهم المعادلة التي يسعى إليها: ضغط أقصى يقود إلى اتفاق أقوى، لا حرب مفتوحة تقود إلى فوضى إقليمية.

لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرها أيضًا؛ فرفع سقف المطالب إلى درجة تجعل الاتفاق مستحيلًا قد يؤدي إلى النتيجة العكسية، أي انهيار المفاوضات والعودة إلى التصعيد العسكري.

هل يستطيع ترامب أن يهزم أوباما بعد عقد من الزمن؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.

فإذا نجح ترامب في التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران يتضمن قيودًا أكثر صرامة وآليات رقابة أقوى وفترة زمنية أطول، فإنه سيكون قادرًا على تقديمه باعتباره انتصارًا سياسيًا كبيرًا، ليس فقط على إيران، وإنما أيضًا على إرث أوباما.

وسيقول ترامب عمليًا: لم أعد إلى اتفاق 2015، بل حصلت على اتفاق أفضل منه.

أما إذا فشلت المفاوضات، وعادت إيران إلى توسيع برنامجها النووي، أو اندلعت مواجهة عسكرية جديدة، فإن الانسحاب من اتفاق أوباما سيظل موضع جدل، لأن ترامب سيكون أمام السؤال نفسه الذي واجهه بعد الانسحاب: ماذا كان البديل؟

هنا تكمن حساسية الملف.

فترامب لا يريد أن يدخل التاريخ باعتباره الرئيس الذي انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، وإنما باعتباره الرئيس الذي أسقط اتفاق أوباما ثم نجح في انتزاع اتفاق أقوى منه.

أوباما حاضر في مفاوضات ترامب

بعد أكثر من عقد على توقيع اتفاق 2015، يبدو أن باراك أوباما لا يزال حاضرًا في العقل السياسي لترامب، حتى وإن لم يكن موجودًا على طاولة المفاوضات.

فالمنافسة بين الرجلين لم تعد مجرد خلاف بين رئيسين ينتميان إلى حزبين مختلفين، وإنما أصبحت جزءًا من الصراع على تعريف السياسة الأميركية تجاه إيران: هل تنجح الدبلوماسية القائمة على الاتفاقات والتسويات، أم ينجح الضغط والردع والتهديد بالقوة؟

ترامب يريد أن يثبت أن طريقه كان هو الصحيح، وأن اتفاق أوباما لم يكن سوى محطة مؤقتة، بينما يستطيع هو أن يصنع اتفاقًا أكثر صرامة واستدامة.

التاريخ وحده سيحسم هذه المعركة.

فالاتفاق الأفضل ليس بالضرورة الاتفاق الذي يبدو أكثر تشددًا عند توقيعه، وإنما الاتفاق الذي يستطيع منع إيران فعليًا من امتلاك السلاح النووي، ويصمد أمام تغير الإدارات الأمريكية والإيرانية، ويمنع المنطقة من الانزلاق إلى سباق نووي أو حرب جديدة.

وعندها فقط يمكن لترامب أن يقول إنه لم يكن يسعى إلى هزيمة إرث أوباما فحسب، بل إلى بناء اتفاق قادر على البقاء بعد ترامب نفسه.

وقد تصل «عقدة أوباما» بترامب، في أسوأ السيناريوهات وأكثرها تطرفًا، إلى التفكير في استخدام السلاح النووي ضد إيران، إذا اقتنع بأن الوسائل الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية والضربات التقليدية لم تعد كافية لمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، وعندها قد تتحول رغبة ترامب في تجاوز إرث أوباما من مجرد السعي إلى «اتفاق أفضل» إلى محاولة فرض واقع جديد بالقوة، عبر توجيه ضربة نووية إلى إيران، في سابقة ستكون الأولى منذ استخدام السلاح النووي ضد هيروشيما وناغازاكي في اليابان عام 1945، غير أن هذا السيناريو يظل الأكثر خطورة واستبعادًا، نظرًا إلى تداعياته الإنسانية والسياسية والاستراتيجية الكارثية، واحتمال إشعاله حربًا إقليمية شاملة، فضلًا عن أن استخدام السلاح النووي لن يضمن بالضرورة إنهاء البرنامج النووي الإيراني، بل قد يدفع طهران إلى إعادة بنائه بصورة أكثر سرية، ويقضي عمليًا على أي فرصة للتوصل إلى تسوية دبلوماسية مستقرة، ومن ثم، فإن «عقدة أوباما» قد تكون عاملًا في تشدد ترامب، لكنها لا تعني بالضرورة أن الطريق سينتهي إلى الخيار النووي.